ديميتار بيشيف
يناير 22 2018

عفرين.. معضلة أردوغان العصية عن الحل؟

لو كنت أجني دولارا أو حتى ليرة تركية في كل مرة تعهد فيها الرئيس رجب طيب أردوغان بطرد المسلحين الأكراد من عفرين في شمال غرب سوريا، لأصبحت الآن رجلا ثريا.
وقد توالت هذه التهديدات منذ انطلاق عملية "درع الفرات" في أغسطس 2016، ولكن جل ما رأيناه حتى الآن هو القصف المتكرر للمنطقة التي تضم مدينة عفرين و360 قرية، فضلا عن بلدة تل رفعت المجاورة.
لكن طبول الحرب عادت لتُقرع من جديد بصدى أكثر دوياً من أي وقت مضى، خاصة بعد أن قال أردوغان إن تدخل القوات المسلحة التركية والفصائل المتحالفة معها من الجيش السوري الحر بات وشيكا في عفرين.
فهل ستسفر هذه الكلمات الخشنة القاسية عن عمل عسكري بالفعل؟
حسناً، واقعياً، نعم...إذ يرى أردوغان أنه يحتاج إلى فعل شيء ردا على احتشاد القوات الكردية السورية على الحدود، خشية أن يظهر في صورة القائد الضعيف على الصعيدين المحلي والدولي، كما أن إعلان الولايات المتحدة نيتها تشكيل قوة حدودية قوامها 30 ألف فرد من قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها الاكراد أجج كثيرا غضب الزعيم التركي الذي يعرف عنه بأنه عصبي ومتقلب المزاج.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك مخاوف أيضا من تهميش تركيا بعد أن تحولت الحرب في سوريا إلى صراع بين إيران والولايات المتحدة. وبالنسبة للبنتاجون والأطراف المؤثرة الأخرى في واشنطن، فإن الأكراد هم القوة الرئيسية التي يمكن أن تقف في وجه طموحات إيران لبسط سيطرتها على سوريا بالكامل. وفي هذا السياق، فإن مخاوف تركيا، على أحسن الفروض، سيتم تجاهلها بكل لطف وأدب من جانب الإدارة الأمريكية. وفي غضون ذلك، تشن القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد وإيران هجوما شاملا على الجيب الذي تسيطر عليه المعارضة في محافظة إدلب، مما أثار أيضا انزعاج تركيا، التي تعد إحدى الجهات الضامنة لاتفاق "مناطق خفض التصعيد" والتي تشمل إدلب كذلك.
وتتزامن الخطوة الأمريكية في سوريا مع محاولات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا إتمام تحالفه مع حزب الحركة الوطنية بهدف ضمان فوز أردوغان في انتخابات الرئاسة لعام 2019، لذلك تأتي هذه التطورات في توقيت سيئ بالنسبة لأردوغان وحزبه اللذين سيظهران وكأنهما لا يكترثان كثيرا بأمر أمن تركيا، خاصة وأن ميرال أكشنير زعيمة الحزب الصالح الذي أنشئ مؤخرا تسعى للفوز بالأصوات القومية.
أما على الجانب المشرق بالنسبة لتركيا، لا تشكل عفرين مسألة ذات أهمية مباشرة للولايات المتحدة، حيث لا توجد قوات أمريكية في هذا الجيب المنعزل عن المنطقة الرئيسية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، كما قال البنتاجون إن عفرين ليست جزءا من منطقة عملياته. وبالتالي، يمكن الوصول إلى أرضية مشتركة مع تركيا، وهو ما شكل دافعا لاجتماع بين رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية الجنرال خلوصي آكار مع نظيره الأمريكي الجنرال جوزيف دانفورد على هامش اجتماع لتحالف شمال الأطلسي في بروكسل في 16 يناير.
ومع ذلك، فإن أردوغان مازال يقف أمام خيارين أحلاهما مر، فالبقاء دون تحرك أصبح خيارا تقل جدواه شيئا فشيئا، بينما يمكن أن يؤدي إقدامه على تنفيذ تهديداته إلى عواقب وخيمة.
من ناحية أخرى، ليس من الممكن التدخل في عفرين دون الحصول على موافقة روسيا، فبادئ ذي بدء، يقع مجالها الجوي تحت سيطرة روسيا، ناهيك عن أن عملية "درع الفرات" لم تكن لتتم دون موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنفسه عليها، فيما يشكل دعم القوات الجوية الروسية للقوات التركية والجيش السوري الحر عاملا حاسما في العديد من المواقف الصعبة، وليست الحملة العنيفة لطرد الدولة الإسلامية من مدينة الباب في فبراير 2017 ببعيدة. لكل هذه الأسباب، يجب أن توافق موسكو على العملية العسكرية في عفرين قبل تحرك أي مركبة عسكرية تركية.
وليس سرا أن هناك تنسيقا على مستوى عال بين روسيا وقوات سوريا الديمقراطية، حيث تم نشر مراقبين عسكريين روس في عفرين، على الأقل منذ أغسطس الماضي. وبالتعاون مع قوات الأسد، أنشأ الروس منطقة عازلة في شهر سبتمبر لفصل الجيب الكردي عن الأراضي التي يسيطر عليها حلفاء تركيا في الجيش السوري الحر. وفي أوائل شهر ديسمبر، قام قادة وحدات حماية الشعب الكردية السورية بزيارة القاعدة الجوية الروسية الرئيسية بالقرب من اللاذقية. كما تدفع موسكو منذ فترة طويلة في اتجاه انضمام الأكراد إلى محادثات أستانا حول مستقبل سوريا.
وأكد أردوغان مرارا على أن روسيا تتفهم مخاوفه، بل وتتعاطف معها أيضا. لكن بعد محادثته الهاتفية مع بوتين يوم 11 يناير، لم يستطع أن يقول بعدها ما هو أكثر تفصيلا من أنه كان حديثا في إطار استمرار "الدبلوماسية الهاتفية". وعلى الرغم من ذلك، توجه رئيسي الاركان العامة خلوصي آكار والمخابرات التركية هاكان فيدان يوم الخميس إلى موسكو لطلب الدعم الروسي لعملية عفرين.
لكن أردوغان قد يكون على حق في نهاية المطاف. فمع ذلك، لماذا ستضحي موسكو بالأكراد؟ خاصة وأن لديها بالفعل ما يكفي من المشاكل التي ينبغي التعامل معها، بدءا من الرد على الهجوم الأخير على قاعدتها الجوية في سوريا إلى تجنب الوقوع في شراك المواجهة الوشيكة بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك الحفاظ على استمرارية محادثات السلام الظاهرية بشأن سوريا.
كما أنه من غير المنطقي بالنسبة لروسيا أن تستعدي أكراد سوريا الذين يتعاونون مع الأسد من آن لآخر، وتحديدا بالنظر إلى رؤية موسكو حول ضرورة التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة، يمكن أن يسفر حتى عن نظام فدرالي، كحل واقعي للأزمة السورية. وطالما بقيت قواتها في عفرين، فإن هناك احتمالا بأن روسيا لن تكون مستعدة لمنح الضوء الأخضر لتوغل تركي في عفرين، أو على الأقل، ليس لعملية تؤدي إلى دحر قوات سوريا الديمقراطية بالكامل.
لذلك، ما يمكن أن يحدث حقا هو عمل عسكري محدود يسمح لتركيا باستعراض عضلاتها دون أن تتحمل تكلفة باهظة الثمن. ومن الممكن أن تمنح بلدة تل رفعت، جنوب شرق عفرين، أردوغان ما يسعى خلفه في هذه العملية، لكن طرد قوات سوريا الديمقراطية من البلدة التي سيطرت عليها في فبراير 2016 بعد الاستفادة من الضربات الجوية الروسية ضد جماعة أحرار الشام المدعومة من تركيا لن يكون أمرا سهلا، ولكنه أيضا في حكم المستطاع. وقد تقرر روسيا في نهاية الأمر غض الطرف عما يحدث في تل رفعت.
باختصار، قد يعطي انتصار في سوريا دفعة تحتاج إليها تركيا بشدة هذه الأيام لتظهر وكأنها لا تزال في اللعبة. لكن هذا الانتصار- إن تحقق – لن يقدم حلا للمشكلة الكردية بالنسبة لتركيا.
يمكن قراءة المقال باللغة الانكلزية أيضا: