على أردوغان التوقف عن اللعب مع أميركا

يبدو من ظاهر الأمر أن محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيادة الرهانات ضد الولايات المتحدة قد فشلت بشكل مذهل. كانت استراتيجية أردوغان لسنوات، كما يبدو، هي التصعيد في كل فرصة متاحة والتقاط أي تغيير دبلوماسي فضفاض من قوى أجنبية غير مهتمة نسبياً. وقد حصل أردوغان عادة على ما أراد من خلال التظاهر باللجوء إلى الصين أو روسيا أو التهديد بإنهاء التعاون الأمني أو إرسال ملايين اللاجئين.
لكن عندما أبرم أردوغان اتفاقاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإفراج عن قس بروتستانتي محتجز رهينة في تركيا، ثم أرسل وزير خارجيته لاحقاً لتحسين الشروط التي حصل عليها، قرر ترامب أن يثبت تهديده، وفرض عقوبات على وزيرين في حكومة أردوغان كرصاصة تحذيرية. 
ومع هبوط الليرة، قرر أردوغان عدم التراجع. لقد كان دور الولايات المتحدة الآن لزيادة الضغط، وزيادة مطالبها من مجرد إطلاق سراح القس إلى إطلاق سراح ما مجموعه 15 شخصاً، بينهم موظفان من أصل تركي في السفارة الأميركية وإلغاء مجموعة من الإعفاءات الضريبية الخاصة بالاستيراد.
أولئك الذين يعرفون كيف يعمل أردوغان توقعوا منه أن يتوقف عند هذه المرحلة. وعلى الرغم من كل ذلك، في الماضي كان أردوغان قد تفاوض على الاضطرابات الداخلية وتجاوز العقبات التي لا حصر لها من خلال شكل غريب من البراغماتية، أي معرفة أي المعارك التي سيخوضها مرة أخرى في وقت لاحق. ما لم تخفف هذه الصفة المميزة عناده وكبرياءه، لكان من المحتمل أن يطيح به الجيش أو القضاء في الأيام الأولى من حكمه، تماماً كما حدث مع سلفه الإسلامي نجم الدين أربكان في عام 1997. 
علاوة على ذلك، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة لديها اليد الأقوى إذ أن أول إشارات بالعقوبات قد ألحقت ضررا جسيما بالاقتصاد التركي. إذن لماذا لا يزال أردوغان في اللعبة؟
يبدو أن السبب هو أنه لا يعتقد أنه يلعب البوكر. لطالما قبلت الولايات المتحدة بأن تركيا حليفة شائكة، ومن المرجح أن ترد على العصي أو الجزر أكثر من التعاون بأي شعور بالواجب. التعامل مع أردوغان في السنوات القليلة الماضية ترك شعوراً مريراً لدى المسؤولين في واشنطن، بغض النظر عن الإدارة أو المؤسسة التي يعملون بها. لكنهم ما زالوا يرون العلاقة على أنها ضرورية لتحقيق أهداف سياستهم الخارجية، ويعتقدون أن أردوغان سيدرك أنه ليس لديه ما يخسره من خلال تقديم عروض أعلى.
بيد أن وجهة نظر أردوغان تصاهر بعض أقوى العناصر القومية والإسلامية التركية المناهضة للولايات المتحدة. يرى كثيرون من القوميين الأتراك أن الولايات المتحدة قد تحولت من حليف ضد الإمبرياليين الروس، الذين استعبدوا الشعوب التركية في القوقاز وآسيا الوسطى، إلى تبني القضية الإمبريالية الأوروبية القديمة لتقسيم الأناضول إلى إقطاعات بعد انهيار الشيوعية. 
لقد تلقت تركيا ضربة اقتصادية كبيرة من خلال السماح للولايات المتحدة بمواصلة حرب الخليج الأولى، كما أن الدعم الأميركي اللاحق للمسلحين الأكراد في العراق ضد صدام حسين دفع منتقدي الولايات المتحدة للاعتقاد بأن تركيا نفسها كانت هدف أميركا. تجدر الإشارة إلى أن تجديد الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة لدعم الميليشيات الكردية، هذه المرة في سوريا، في وقت يشهد صراعاً مع الجماعات المماثلة داخل تركيا قد قرأه التيار السياسي الرئيسي في البلاد على أنه تهديد مباشر للأمة التركية بأسرها.
من ناحية أخرى، رأى الإسلاميون يد أميركا وراء كل انقلاب عسكري في القرن العشرين، من الإطاحة في عام 1960 بعدنان مندريس، الذي قطع شوطاً طويلاً نحو التراجع عن القيود العلمانية على الممارسة الدينية في تركيا، إلى المذكرة العسكرية الصادرة في عام 1997 والتي أدت إلى استقالة أربكان. يستكمل البعض هذا من خلال رؤية تأثير الولايات المتحدة الخبيث في كل انتكاسة للقضية الإسلامية السنية في التاريخ الحديث من البوسنة إلى سوريا.
والآن، يعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة جعلت من هدفها التخلص من أردوغان كذلك. وبالتالي، فهم يرون أميركا مسؤولة عن احتجاجات جيزي في عام 2013، التي شهدت خروج سكان المدن التركية إلى الشوارع للاحتجاج على مجموعة متنوعة من المبادرات السياسية غير الليبرالية، ومحاولة عام 2013 لمقاضاة أردوغان ودائرته المقربة في قضايا فساد من قبل مجموعة من أتباع فتح الله غولن، رجل الدين الذي يعيش في المنفى بالولايات المتحدة، ومحاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، بقيادة مجموعة من الجنود بمن فيهم بعض الذين يتبعون غولن.
على خلاف بعض وزرائه، أردوغان دبلوماسي بدرجة لا تسمح له بإلقاء اللوم مباشرة على الولايات المتحدة في هذه الحوادث. لكن يبدو أنه يعتقد حقاً أن الولايات المتحدة هي التي أرسلت لواء من الجنود لاغتياله في غرفته في فندق بمرمريس قبل عامين. في هذه الحالة، هو لا يلعب لعبة البوكر بشكل سيئ، ولكنه يحاول أن يخمن اللعبة الحقيقية لأميركا، وهي لعبة من وجهة نظره، يمكن أن تكلفه إمبراطوريته وحياته.

لقراءة المقال باللغة الأنكليزية

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/erdogan-should-fold-he-isnt-playing-poker