اومت كرداش
أبريل 01 2018

على تركيا إطلاق محمد ألتان إذا كانت جزءاً من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

 

أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخرًا قراراها المرتقب بشأن محمد ألتان، المحكوم عليه بالسجن المؤبد في تركيا؛ بتهمة "الإخلال بالدستور"، في الدعوى التي تمت محاكمته خلالها مع أخيه الصحفي أحمد ألتان، والصحفية نازلي إيليجاك في 16 فبراير، وما تلاها من رفضٍ من قِبَل المحاكم المحلية للطلبات المقدمة من قِبل المتهمين؛ من أجل إخلاء سبيلهم، على الرغم من إصدار المحكمة الدستورية قرارا عُرف باسم قرار "الانتهاك القانوني"، الذي ينتقد قرار المحكمة المحلية، ويؤيد الإفراج عن المتهمين.
رأت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الأحكام الصادرة في الدعوى المذكورة تنضوي على إخلالٍ ببنود المادة رقم 1/5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تتناول "الحرية والحق في الأمن"، والمادة العاشرة من الاتفاقية ذاتها التي تتناول "حرية الرأي والتعبير".
أكد الحكم، الذي استند إلى البند (1) من المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، على عدم وجود ما يمنع –من الناحية القانونية- من إخلاء سبيل المتهم حيث "أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه ليس من المقبول "وفق الدستور" ووفق "القوانين المعمول بها" أن تستمر الحكومة التركية في حبس ألتان، خاصة بعد حكم المحكمة الدستورية "الواضح، الذي لا يقبل الجدل"، الصادر في 11 يناير. 
سبق وأن أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً مماثلًا في الدعوى الخاصة بشاهين ألباي. وكان الفارق أنّ محكمة الجنايات المشددة رقم (14) كانت قد أفرجت عن ألباي. لهذا السبب، كان الحكم مجرد رصد لحالة الظلم، التي تعرَّض لها ألباي خلال فترة احتجازه في الماضي.
تزامن الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بخصوص فترة احتجاز محمد ألتان، مستندةً إلى البند رقم (1) من المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي أكد على ما تعرض له من ظلم، وتعدٍّ صارخ على حقوقه الدستورية، مع بعض التكهنات التي أشارت إلى صعوبة تنفيذ هذا القرار؛  لصدور الحكم بالفعل في حقه، وعدم أحقية أية جهة في الحديث بشأنه.
ووفقاً لقناعتي الشخصية، فإن مثل هذه الآراء قد جانبها الصواب من الناحية القانونية؛ حيث لا يوجد أي مبرر لاستمرار احتجاز ألتان. ويرجع السبب في هذا إلى أن الفقرة الأولى من البند (1) من المادة الخامسة في الاتفاقية، التي استندت إليها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكمها، لم تشر، من قريب أو بعيد، إلى وجود مبرر قانوني؛ يمنع من إخلاء سبيل ألتان، خاصة في الجزء الخاص بـ "حبس الفرد الذي جرت محاكمته من قِبَل المحكمة المختصة".
لأن القانون المعمول به في المحاكمات الجنائية لا ينص على تغيير وضع المتهم الذي صدرت ضده أحكام من قِبَل أية محكمة محلية إلى نفس وضع السجين الصادر ضده أحكام نهائية لحظة إصدار هذا الحكم. وبالتالي لا يصبح قرار الحكم الصادر عن المحاكم المحلية نهائياً، إلا بعد انتهاء إجراءات (الاستئناف) التي يكفلها القانون للمتهم.
وفي هذه الحالة فقط؛ أي عندما تؤيد محكمة الاستئناف أحكام المحاكم المحلية، يمكن النظر إلى المتهم باعتباره سجيناً، صادر بحقه حكم نهائي بات، ومن ثم يمكن البدء في التنفيذ الفعلي لهذه الأحكام.
هذا هو الفهم السليم لكلمة "سجين" الواردة في إطار هذه الاتفاقية. ليس هذا فحسب، بل وتشير هذه المادة أيضا بعبارة "الحبس وفقًا لأصول المحاكمة" إلى أن المقصود هنا تنفيذ الحكم النهائي، بعد كافة إجراءات التقاضي.
لا ينكر أحد أن هناك حكماً بالسجن قد صدر بالفعل بحق ألتان، ولكن أكرر أن هذا الحكم لم تؤيده محكمة الاستئناف بعد، وبالتالي فهو حتى هذه اللحظة "متهم محتجز"، وليس "سجيناً صادر بحقه حكم بات".
من هنا كان استمرار احتجاز ألتان، تحت زعم (التدابير الوقائية)، بمثابة خرق للقانون، وتعدٍّ على الحريات. إن أبسط مبادئ المحاكمات الجنائية، التي يتعين على القضاء تنفيذها، هو اتباع القوانين المعمول بها في هذه المحاكم مثل (بند1 مادة 2/ من قانون المحاكمات الجنائية)، وإلا تحملت الدولة المسئولية كاملة عن تعمدها استمرار احتجاز ألتان؛ بالمخالفة لمبادئ القوانين المعمول بها.
لهذا السبب، جاء الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، استناداً إلى المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في اتجاه عدم وجود أي مبرر قانوني للتصرف بشكلٍ لا يتوافق والقرار الصادر عن المحكمة الدستورية...
وقد تضمن الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان توضيحاتٍ؛ نحو "تشير المحكمة في إطار حكمها إلى ضرورة ألا يُلحَق بالمتهم أي من التهم الخطيرة مثل نشر بيانات أو أخبار من شأنها تهديد المصالح القومية لقادة الدول، وتأليب الرأي العام على الحكومات، أو تقديم أي نوع من المساعدات للجماعات الإرهابية؛ من قبيل الترويج لأفكار هذه الجماعات، أو الدعوة لإخلال النظام الدستوري المعمول به في البلاد".
أكدت المحكمة الأوروبية في حكميها، اللذين أكدا على وقوع خرق للحق في التعبير عن الرأي، استنادا إلى المادة العاشرة، أنه ليس من المقبول أن تتذرع الحكومة بحالة الطوارئ المفروضة؛ حتى تحدّ من حريات المواطنين.
كما أنّ الحكم الصادر في هذا الاتجاه؛ بشأن التعدي على حرية الرأي والتعبير، لن يترك تأثيره على الحكم الخاص بأصل الدعوى، الذي يوصف بأنه أكثر أهمية من قرار التعدي على الحقوق، الذي اعتمد على المادة الخامسة من الأساس.
كما يجب على الحكومة أن تمتنع عن اتخاذ إجراءاتٍ من قبيل التلويح بالاعتقال أو بالسجن، حال استخدام الفرد حقه في النقد في إطار حرية التعبير.
لهذا السبب، جاءت أحكام السجن الصادرة بحق محمد ألتان، وما تبعها من قرار استمرار احتجازه التعسفي مخالفةً للقانون، ومن ثمَّ يتعين على المحكمة المحلية أن تصدر حكماً بالبراءة، وإلغاء قرار الرقابة القضائية.
وستترك الأحكام الصادرة عن المحاكم التركية في قضيتي ألتان-ألباي، والتي تعد انتهاكاً صريحاً لبنود المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، الخاصة بـ "الحق في الحرية والأمن"، والتي تنظم معايير احتجاز المتهمين، والمادة العاشرة، الخاصة بـ "حرية التعبير"، تأثيرها على أوضاعهما القانونية في نفس الوضع.
من هنا، يتعين على هذه الأحكام، الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن تضع حدًا لكافة أشكال الظلم المماثل، الذي يتعرض له كل الصحفيين المعتقلين؛ أمثال على بولاج، وأحمد توران الكين، وممتازر توركونه، ونازلي إيليجاك، وهانم بُشرى أردال. 
الجدير بالذكر أن تركيا أكَّدت التزامها، بداية من عام 2004، بما يصدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من قرارات. من أجل هذا، أضافت الفقرة التالية إلى المادة 90 من الدستور التركي:
"يُعتد بأحكام المعاهدات الدولية لحل المنازعات، التي قد تنشأ عند صدور أحكامٍ؛ لا تتفق وبنود المعاهدات الدولية، فيما يخص موضوعات مثل الحقوق والحريات".
لهذا السبب، تعتبر الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مُلزمة لأي قاضٍ أو مدعٍ عام في تركيا، في الوقت الذي يعتبر استخدام الصحفيين لحقهم في انتقاد أداء الحكومة مسئولية أصيلة، يتحملها هؤلاء الصحفيون أمام الشعب، حتى إن جاء هذا النقد مزلزلاً، أو صادمًا، أو مزعجاً للحكومة.
أما إذا أردنا أن نتناول حق الصحفي في توجيه النقد، وحرية التعبير عن الرأي، تحت مسمى الضمانات القانونية، فلن يتأتى ذلك إلا باتخاذ القضاة المعنيين بترسيخ العدالة، وفق مبادئ القانون الدولي، قرارات تتناسب وقيم الحيادية والصدق.  
تتألف "مبادئ بانغلور للسلوك القضائي المعتمدة من الأمم المتحدة" من مجموعة من المبادئ والقيم التي تحدد للقضاة "المعايير الأخلاقية لمهنة القضاء"، التي يتعين عليهم اتباعها.
لقد اعتُمدت مبادئ بانغلور للسلوك القضائي في 23 إبريل عام 2003 من قِبَل لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد رسَّخت هذه المبادئ لأسسٍ، وقيمٍ مثل الاستقلالية والحيادية، وتحري الصدق.
صادق المجلس الأعلى للقضاة ووكلاء النيابة في تركيا على هذه المبادئ بتاريخ 26-6-2006، بالقرار رقم 315، وتم توزيعه على كافة القضاة، ووكلاء النيابة في عموم الدولة.
من هنا كان إصدار القضاة أحكامهم، استنادًا لهذه المبادئ، من الأهمية بمكان؛ ضماناً لنزاهة المحاكمات، وإعمالًا لسيادة القانون.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: