فبراير 04 2018

عملية غصن الزيتون وتداعيات الصراع التركي – الكردي المستقبلية

ما تزال عمليات الجيش التركي متواصلة واستخدام مفرط لجميع أنواع الأسلحة مع إمدادات لا تنقطع لوحدات الجيش المتقدمة.
كأنه سباق مع الزمن، تركيا تتنظر إحراز نصر سريع بخسائر أقل يثبت أقدامها على الشريط الممتد في الشمال السوري في موازاة حدودها .
التعجيل في النصر عبّر عنه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي يقود العمليات الحربية بنفسه ويشرف عليها مع انه لم يعرف عنه في تاريخه انه كان ضابطا يوما.
الرئيس التركي وعد انصاره بنصر قريب هو في امس الحاجة اليه لثبيت دور تركيا لاعبا اقليميا يحسب له حساب في المنطقة من جهة ولاستثمار النصر المفترض لجني نقاط اضافية على اعتاب الانتخابات المقبلة.
لكن في وسط ذلك تريد تركيا ان تنجو سريعا من وابل الانتقادات الدولية والتحذيرات المتواصلة على اعلى المستويات.
خارجية اردوغان كانت قد اشتبكت في ملاسنات بائسة ولا طائل من ورائها مع فرنسا واميركا والمانيا وغيرها فكل من يعترض على غصن الزيتون يلاحقه لسان سليط لايمت للدبلوماسية بصلة لكنه يتماهى مع اسلوب اردوغان الخطابي الهجائي بل ويستخدم مفردات اردوغان حرفيا.
اذا تنتظر تركيا نصرا حساما سريعا يقبر ما بنته اميركا وعدد من حلفاءها الغربيون من جسور ثقة مع اكراد سوريا فناصروها في حربها على الارهاب واذا بها تتركهم لمصيرهم تحت مدافع الجيش التركي وقاصفاته.
هنا في هذه البقعة الدامية من الاراضي السورية يختلط الحابل بالنابل ، فالاكراد السوريون الذين قاتلوا تلبية لدعوة اميركا وتحت سمعها وبصرها وبأشراف ضباطها ودخلوا وكر الدبابير في الرقة وقاتلوا تنظيم داعش بضراوة وقدموا تضحيات هم في نظر تركيا الرسمية مجرد ثلة من الارهابيين.
وبهذا اختلط الامر في دوامة الصراع ، ارادت لهم اميركا حكما ذاتيا شبيها بحال اقرانهم في شمال العراق واذا بهم يجدون احلامهم يجري وأدها تباعا.

الانتصار على الاكراد في شمال سوريا تريده تركيا سريعا لغرض تمدد النفوذ على الارض واستخدامه ورقة انتخابية لصالح اردوغان وحزبه
الانتصار على الاكراد في شمال سوريا تريده تركيا سريعا لغرض تمدد النفوذ على الارض واستخدامه ورقة انتخابية لصالح اردوغان وحزبه

بالطبع ان الحرب سجال وما زالت الامور في بداياتها وصراع تركيا الدامي مع خصومها الدودين الاكراد هاهي تنقله الى خارج حدودها .
تركيا الرسمية تذكر دول الاستعمار القديم بأدوارهم يخاطب وزير الخارجية التركي فرنسا قائلا" نحن لسنا مثل فرنسا التي اختلت الجزائر ودول المغرب العربي وافعالهم في القارة الافريقية معروفة للجميع وليس لفرنسا الحق ان تعطينا دروسا".
اما الرئيس اردوغان فقد ذهب الى ما هو ابعد من ذلك قائلا" بعض الدول تأتي من بُعد الاف الكيلومترات للقيام بعمليات في افغانستان وغيرها في كثير من المناطق بدعوى تشكيلها تهديدا لها، بينما يقال لتركيا التي لديها حدود بطول 911 كيلومتر مع سوريا انه لايمكنها التدخل لمواجهة الخطر هناك، نحن لا نقبل بهذا المنطق الاعوج".
هذان التصريحان هما عينة تفسّر الى حد كبير جوانب غير معلنة وراء العملية التركية من اهمها تحوّل تركيا الى قوة تدخل اقليمي ودولي فيما وراء الحدود اسوة بما فعلته وتفعله دول اخرى.
يزيد من التصميم التركي على هذه الوظيفة المستجدة ان تكتفي تركيا بأمكاناتها في التسليح مع جيش ضخم عديده ثاني اكبر جيش الناتو بعد الولايات المتحدة.

تركيا في حملتها العسكرية على الاكراد في شمال سوريا تكون قد اعادت الصراع التركي - الكردي الى المربع الاول وخلاصته ان الحل هو في السلاح والدم
تركيا في حملتها العسكرية على الاكراد في شمال سوريا تكون قد اعادت الصراع التركي - الكردي الى المربع الاول وخلاصته ان الحل هو في السلاح والدم

في المقابل تجد تركيا في الصراع الدامي مع الاكراد سواء الاتراك او السوريين او قواعد بي كا كا في العراق خيارا استراتيجيا .
تركيا في ظل هذه الرؤية التي تسير عليها تعيد القضة الكردية في بلادها ومقاربتها للاقلية الكردية برمتها الى الوراء  والى المربع الاول الا وهو مربع الصراع الدامي الذي لا امد لانتهائه.
العودة الى الماضي القريب ستحيلنا الى طبيعة المقاربة التركية في صراعها مع الاكراد ، فبعد اعتقال الزعيم الكردي التركي عبد الله اوجلان نجحت تركيا في تحجيم النفوذ الكردي الى حد كبير.

 وصولا الى العام 2013 عندما قدم اردوغان نفسه حزمة من الاصلاحات والحقوق للاقلية الكردية في تركيا مما اهلها لتدخل الحياة السياسية بقوة وتتحالف مع الدولة التركية ويدخل قادة الاكراد الاتراك من السياسيين البرلمان ويصبح لهم قوة سياسيةمرموقة.
لكن تسارع الاحداث على الارض السورية وتنامي القوة المسلحة لاكراد سوريا وتداخل الحلم الكردي تركيا وعراقيا وسوريا باتجاه الانفصال والدولة الكردية المستقلة سرعان ما غيّر المعادلة.

 كان من العلامات البارزة استفتاء بارزاني الشهير في العراق في سبتمبر 2017  كل ذلك جعل الموقف التركي يدخل في ازمة حقيقية مع الاكراد ثم في صراع سياسي بتصفية وجودهم في البرلمان وزج زعمائهم في السجون ثم في خوض الحرب الطاحنة التي نشهد فصولها على الارض السورية اليوم.

الابادة الشاملة واحتلال الارض والصراع العرقي لن ينهي ازمات تركيا ولا يتوقع ان ينهي الصراع الحالي مع الاكراد
الابادة الشاملة واحتلال الارض والصراع العرقي لن ينهي ازمات تركيا ولا يتوقع ان ينهي الصراع الحالي مع الاكراد

الحاصل ان تركيا ومن خلال عملية غصن الزيتون تريد اثبات حقائق وامر واقع جديد ومقاربة مختلفة للقضية الكردية.

 بالطبع هي حسابات متفائلة وربما غير واقعية فالظن ان محو الوجود الكردي بالمدافع والقاصفات غير ممكن اصلا ومن جهة اخرى لابد من مقاربة اخرى مختلفة مع النزعة المليشياوية لدي فصائل واجنحة كردية متعددة لا يعرف بعضها غير لغة الحرب والانتقام.
من الجانب الاخر تشهد فصول الصراع نزعات اقرب الى الشوفينية من خلال تأجيج النزعات القومية المتبادلة بين الطرفين وكل قومية تنادي بشعاراتها واهدافها و تشخص عدوّها ممثلا في الطرف الاخر.
الصراع التركي – الكردي بعد هذا العرض مرشح الى مزيد من التصعيد والتعقيد ومزيد من الخساذر في الارواح والممتلكات و مزيد من الدمار وانعدام لغة التعايش السلمي مع تصاعد نزعات الانتقام العرقي والاثني التي لا تجد الا في السلاح اداة لفرض الامر الواقع.