Bağış Erten
فبراير 18 2018

عندما نؤمن بالعبارات الجوفاء!.. لا للأحكام المُسبقة في ماراثون الدوري التركي

 

حقاً، لقد صرنا نحب "كليشات" الاستهلاك المحلي التي دأبنا على تكرارها في كل شيء في حياتنا؛ في السياسة، وفي الفن، وفي الرياضة.... نرى الأمر سهلاً، نردد هذه الكلمات من دون تفكير، ونشعر بالراحة تجاه ذلك، ونحتمي خلف تصريحات من قبيل "حتى لا يختبر أحد صبر تركيا"، "سأجعل فنِّي يتحدث بدلاً مني"، "جئنا لنأخذ نقطة، أو نقاط فى هذه المباراة"..
قائمة طويلة يصعب حصرها من هذه "الكليشات"؛ فنحن نملك رصيداً مسرحيًا ضخمًا يساعدنا على اختلاق عبارات كتلك. حسناً، ولكن السؤال ههنا: هل نؤمن بالفعل بما نقول؟ أعلم أن السياسيين لا يؤمنون بكل كلمة يتفوهون بها. هذا مؤكَّد، ومع هذا فهم يقصدون كل كلمة يتحدثون بها. لست متأكدًا من طبيعة الوضع في عالم الفن. وبالنسبة لعالم الرياضة، فأجد نفسي غير مدرك - بشكل كامل - لحقيقة الأمر مهما قالوا ومهما أدلوا من تصريحات؛ حتى صار حديثهم مجرد تكرار لأحاديث قديمة...
واحدة من تلك "الكليشات" التي دأبنا على تكرارها عبارة "ماراثون دوري كرة القدم الطويل". عبارة نكررها ليل نهار؛ لدرجة أنها لم تعد تمر على عقولنا قبل التفوّه بها. لا يتعدى الأمر بضع ثوانٍ تفصل بين نطقنا هذه العبارة ومرورها على عقولنا. غلاطه سراي يستهل الموسم بقوة... عبارة أخرى ظللنا نرددها بقوة.
نعلن بطل الدوري ولم يمر على انطلاقه سوى خمسة أسابيع. غلاطه سراي سيفوز بالدوري، ثم تحدث الكبوة... وعلى الفور يضغطون على الزِر. وعندما تدق نواقيس الخطر لإعفاء إيغور تيودور،المدير الفني لفريق غلاطة سراي، من منصبه يجري الحديث عن تبقي مدة لا تتجاوز ثلاثة إلى خمسة أسابيع فقط.
يحدث الأمر نفسه مع فرق باشاكشهِر، وبشيكتاش، طرابزون سبور كذلك. انتفض فريق باشاكشهِر، وبذلك تغلب - من الضربة الأولى - على قولهم في حقه "لن يتحمل وطأة الدوري". أما طرابزون، فيرفع رأسه عاليًا مع بعض الجهد؛ ليردّ على قولهم "إذا استمر على هذا الشكل فسيسقط من الدوري".
إنهم يبذلون الجهد لنشر النميمة والشائعات من قبيل "بشيكتاش، ليس هو بشيكتاش الذي رأيناه العام الماضي، انظروا كم هم مشتتون!" ولكنهم يحققون انتصارات متتالية، يتحولون خلال أسبوعين فقط إلى المرشح الأوفر حظًا للفوز بالبطولة، وفي هذه المرة نجدهم يقولون "الأسطورة تعود من جديد".
ظل فريق فناربخشة منذ فترة بعيدة العنوان الحقيقي الذي يقصده هذا التناول (غيرالسوي) من التفكير. فاليوم يأفلُ نجم أصحاب القمصان ذات اللونين الأصفر والكحلي، وغدًا يبزغ نجمهم؛ فهم لا يعرفون شيئاً اسمه الأمواج المعتدلة؛ لأنهم أحفاد نادٍ أثار ريحًا عاصفاً في كرة القدم التركية. تأبى نفوسهم إلا أن يصيروا الأبطال؛ فهم يرفعون شعار "أكون أو لا أكون". فاليوم كارثة، وغدًا يجلسون على العرش.
نمرّ بنفس المرحلة الزمنية مرّة أخرى؛ حيث يُصدِّرون هذه الحالة النفسية العوجاء العرجاء؛ حتى تشعر أن كل شيء قد انتهى تقريبًا. فرابطة مشجعي كرة القدم التركية تبيح بما في سريرتها، توَجَّه الدعوة إلى الإدارة لتقديم استقالتها. ومن يغرد خارج السرب مثل أيقوت خوجا، الذي امتدح  كوجامان بقوله "أنت مصدر فخر بالنسبة لنا"، فيتعرض لوابل من الشتائم، ومن السخرية اللاذعة.
ماذا يحدث؟ أصحاب القمصان ذات اللونين الأصفر والكحلي يستجمعون قواهم في بعض المباريات، ثم يحققون نصرًا صعبًا من بعد ذلك... أضف إلى هذا أن فنار بخشه عندما لعب بشكل قوي على ملعب خصمه باشاكشهر، قالوا عنه "إن فريق فنار بخشه مرشحكم للفوز بالبطولة، أليس كذلك؟، "ثم تُسلَّط الأضواء سريعًا على بعض الهراءات، مثل: "لا أحد يفهم طريقة لعب هذا الفريق"، و"نحن نسير صوب البطولة بخطى ثابتة".
تُرى هل تغيرت قواعد اللُعبة؟ بالطبع لا. هل وَجد المُعلم تكتيكًا جديدًا؟ بالطبع لا. هل غيَّرت التنقلات الجديدة بين صفوف الفرق من حدود إدراك الأشخاص وتفكيرهم؟ مرة أخرى أكرر، بالطبع لا. فالفريق هو نفس الفريق، واللعبة هي نفس اللعبة؛ لم تتغير قواعدها، والتكتيك ثابت لم يتغير هو الآخر. إذا كان هذا بسبب الملل، والضجر، وأخذ الحيطة والحذر، فهذا أيضًا أمر طبيعي بالنسبة لكرة القدم. ولكن ما يحدث أن الأمور تصبح على ما يرام، وتنضبط التعليقات فجأة إذا فاز في مباراة.
هل كان الدوري سباق ماراثون طويل؟ ماذا حدث كي يصبح الشيء الذي يبدأ على شكل ما ينتهي بالشكل نفسه أيضًا؟ أضف إلى هذا أن السباق لا يزال طويلاً؛ فما زال أمامنا - من اللحظة التي نتحدث فيها - ثلاثة عشر أسبوعًا؛ أي ثلث عمر الدوري. وإذا سلَّمنا جدلاً أن غلاطه سراي كان الأفضل في الأسابيع الثلاث عشر الأولى، فإنه لم يحقق النصر سوى في تسع مباريات فقط.
وفي المقابل، نجد أن قائد الدوري قد خسر في ثماني مباريات. ولم يختلف الآخرون؛ حيث جاءوا على الشاكلة نفسها كذلك؛ فها هو باشاكشهر يعجز عن الحصول على ثلاث نقاط فى المباراتين الأخيرتين، ويصبح متعثراً بعدما كان هو الفريق المتصدر بفارق أربع نقاط. قولوا لي: هل حدث هذا خلال فترة زمنية طويلة؟ بالطبع لا؛ لأن الأمر برمته لم يتجاوز أسبوعين فحسب!.
ماذا يعني هذا؟ ليس لهذا معنى آخر سوى أن الدوري سباق مارثون طويل بحق! ومادام الأمر كذلك، لماذا نتعب أنفسنا عناء الثرثرة في موضوع مازال الوقت مبكراً للحديث عن حسمه؟ فهناك مباريات لم تلعبها بعد أندية مثل: غلاطه سراي، وفنار بخشه، وباشاكشهر، وبشيكتاش، وطرابزون سبور.
التقى فنار بخشه - وهو أحد أربعة فرق يتربعون على عرش القمة في الدوري - مع اثنين من أقرب المنافسين له، ولكن ما زالت هناك مباريات أخرى مع غلاطه سراي وبشيكتاش.
رأينا جميعًا أن هناك فرقاً - أخص منها بالذكر فريق فنار بخشه - لم تتمكن من اعتلاء قمة الدوري؛ بسبب تعثرها في مباريات عادية، وليس في مباريات حاسمة مع إحدى الفرق الكبرى. حتى وإن انتهت المباريات الصعبة، فهذا لا يعني أن نجزم بأن الأمر قد صار سهلًا يسيرًا! أي أن هناك الكثير من الفرق يجب أن تتحسب لها الفرق الكبيرة.
من أجل هذا يجب علينا أن نتحسب قبل إصدار الأحكام؛ فلا نحكم على الأمر برمته بالنظر إلى نتيجة مباراتين، ولا نستبق الأحداث بإعلان بطل الدوري، استنادًا إلى هذه النتائج. ويتعين علينا في المقابل أن نفكر في الأمر كما يفعل المشجعون، وأن نمتنع عن إصدار الأحكام المُسبقة. إن هدوء الأعصاب، ورباطة الجأش أمر مطلوب في كل الأحوال، وليس عند تصويب ركلة جزاء فقط. نعم، يتوجب علينا ألا ننساق وراء تصريحات الصحافة، وأن نتحسب لكل كلمة تخرج من أفواهنا.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: