عندما يتحوّل الحديث عن أتاتورك إلى اتهامات بالتخوين

أثارت عودة صحيفة "جمهورييت"، بعد تغيير سياستها، للحديث عن وجود "خطوط حمراء" عند التطرق لأي موضوع بشأن أتاتورك، وما تبعه من حديث آخر عن امتلاك أتاتورك المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري أسهماً في بنك "إيش بنك"، فكرة القدسية وأعادتها إلى الأذهان من جديد.

أقول القدسية لأن هذا الموضوع ينطوي على نوعين من القيود، وأعني هنا القيود القانونية (قانون حماية أتاتورك رقم 5816)، والحساسية المفرطة لدى المؤيدين للفكر الكمالي (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية) تجاه ما يكتب عن أتاتورك.

وتشكل الحساسية "المفرطة"، في اعتقادي، الجانب المشترك بين هذين القيدين؛ لأن مثل هذه الحساسية تنبع في الأساس من فكر يُسفِّه من آراء الآخرين. وعلى الرغم مما يكتنف هذا الموضوع من صعوبات إلا أنني سأحاول أن أتعرَّض في هذا المقال لبعض النقاط المهمة.

أعتقد أنه من الصعوبة بمكان مناقشة العلاقة بين مفهوم الإهانة أو التحقير، ومفهوم الحساسية المفرطة؛ فلو أنني قلت، على سبيل المثال، إن أتاتورك قد ارتكب أخطاء فادحة أثناء حياته، فهل يُعد هذا نوعاً من الاحتقار، أو توجيه الإهانة لشخص أتاتورك؟

مما لا شك فيه أن التقييم في هذا الموضوع سيكون تقييماً ذاتياً، يختلف من شخصٍ لآخر، حسب أهواء كل فريق. والواقع أنه لا توجد مشكلة تجمع بين النقيضين بشكل كامل: أ) "النقد" الذي يصل إلى حد السُباب. ب) التذكير ببعض النقائص الذي لا يتسبب في إثارة البلبلة؛ لأن هذه النقائص معلومة للجميع؛ فالأولى هي بالفعل تحقير وإهانة، أما الثانية، فلا تعدو كونها مجرد انتقاد. 

قد يتردد الإنسان عند الحديث بحق أي شخص من رموز الدولة، ويحادث نفسه قائلاً "قد يجلب عليَّ هذا الأمر الكثير من المشكلات، وأتعرض لهجمات من أي شخص على درجة من الوعي".

وعلى الرغم من كل هذه المحاذير، فلا تزال لديَّ رغبة مُلحة في الحديث عن هذا الموضوع. لقد حلّ عمر لطفي أفشار ضيفاً على أحد البرامج مؤخرًا، وبالتحديد في تاريخ 18-9-2018. وفي معرض حديثه عن أسهم بنك "إيش بنك"، تقدم باقتراح مهَّد له بمقدمة من أحاديث المدح والثناء على أتاتورك.

قال أفشار "إذا أردتم أن تتوصلوا إلى حل للأزمة الاقتصادية، التي تمر بها تركيا اليوم، فاقرؤوا خطبة أتاتورك، التي ألقاها عام 1923 على هامش المؤتمر الاقتصادي، الذي عُقِد آنذاك في مدينة إزمير التركية، ستجدون الحل هناك".  

انتابني الفضول، بعد سماعي قوله هذا. وعلى الفور بدأت أطالع الخطاب الذي ألقاه أتاتورك في ذلك المؤتمر. أعياني البحث في ثنايا هذه الخطبة عن جملة واحدة يمكن أن نعتد بها لحل الأزمة الاقتصادية، ولكني لم أجد شيئاً من هذا القبيل في النهاية. كان أتاتورك يوجه، في حديثه هذا، رسائل أساسية تتعلق بحالة الوهن التي دبت في الدولة العثمانية، وكيف أن الشعب لا يفيد من الاقتصاد القومي، وامتدح كذلك نجاح النظام الجديد في حكم البلاد.

أكَّد أتاتورك، بالإضافة إلى ذلك، في خطابه على خطورة تراكم الديون على تركيا، وأن النظام الجديد لم يقف ضد رؤوس الأموال الأجنبية، ولفت النظر إلى ضرورة تطبيق سياسات تتوافق مع مصالح دولة حرة مثل تركيا. 

والواقع أن هذه الخطبة كانت رسالة سياسية من الطراز الأول؛ أراد أتاتورك إيصالها إلى الغرب على وجه الخصوص، بالتزامن مع مفاوضات لوزان (مؤتمر عقد في لوزان بسويسرا خلال عامي 1922، و1923؛ كان الغرض منه التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا لتحل محل معاهدة سيفر، والتي رفضت الحكومة الجديدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الاعتراف بها). ما يعنيني هنا، هو أن كلمة أتاتورك التي ألقاها في عام 1923 لم تتضمن أي حلول للأزمة الاقتصادية. 

ما أدهشني أيضاً هو الإصرار الشديد على وجود حل للأزمة الاقتصادية، التي نعاني منها اليوم في ثنايا كلمة ألقيت قبل 95 عاماً؛ لأن الأزمة الاقتصادية التي نعاني منها اليوم، إنما ظهرت بسبب ظروف سياسية واقتصادية معقدة، ترتبط في الأساس بواقع عالمنا اليوم. ومن ثم لا يمكن اختزال الحل في مقترح واحد فقط يلقي به شخص بعينه.

نقرأ كل يوم آراء كثير من علماء الاقتصاد، يتفق بعضهم، ويختلف البعض الآخر، ولكن الجميع يجتهد في النهاية لتقديم مقترح يمكن الاعتماد عليه في إيجاد حل للازمة الراهنة. السؤال الآن: كيف تنبأ أتاتورك بطبيعة الوضع الراهن، ومن ثم قدَّم الحل للأزمة الحالية؟ هل تتشابه الأوضاع في تلك الفترة مع أوضاعنا في الوقت الراهن؟ وأخيراً هل سنعود بالزمن قرناً إلى الوراء؛ لنبحث عن حل لمشكلة نعاني منها اليوم؟

جرت العادة على أنه إذا تحدث أحد عن أي موضع يخص أتاتورك، فإنه يجد نفسه ملزماً بالحديث عن مآثره فقط، وألا يتطرق بحديثه عن ما له وما عليه. والأهم من ذلك كله أنه يتعين عليه أن يبجل "عقيدة" أنصار الفكر الكمالي، دون الالتفات إلى أية نواقص أو هنات.

لا يختلف أي منا في أن أتاتورك يمثل رمزًا كبيرًا بالنسبة لنا. وهذا ليس موضوعي في الأساس؛ فنحن نناقش هنا المبالغة في إعلاء الشأن لدرجة تصل إلى حد التقديس، في حين أن الطبيعي أن نتحدث عن أتاتورك عندما تكون هناك حاجة إلى هذا، وأن يكون الحديث في موضعه. وفي هذه الحالة، لا يحدث حرج أو غضاضة من هذا الحديث، وبالتالي يكون الأمر في نصابه الصحيح. ولكن أن يصل بنا الحال إلى البحث عن حلول لمشكلاتنا الراهنة بين كلمات أتاتورك، فهذه هي المشكلة.

تكمن المعاناة الحقيقية في الاعتقاد بشعارات مثل "الحقيقة تكمن في خطابات هذا الشخص، ويمكن التماس الحل لمشكلاتنا بالنظر إلى أفعاله". ولكن مَنْ هؤلاء الذين يشعرون بهذه المعاناة؟

إنهم هؤلاء الأشخاص الذين آمنوا بفلسفة التنوير التي آمن بها أتاتورك نفسه. (هناك شريحة أخرى من المواطنين ستنزعج أيضاً من هذا، سأتحدث عنها بالتفصيل في مقال آخر)؛ فأنا، على سبيل المثال، أشعر بانزعاج شديد عندما أسمع أحدهم يقول "إن حل الأزمة الراهنة كامن في خطبة ألقيت عام 1923".

وبالمنطق يبحث فريق آخر عن حل لمشكلاته بين الخطب الدعائية لماركس، ويبحث فريق ثالث عن الحلول بين آيات القرآن والإنجيل. لا أرى حرجاً في اللجوء إلى النصوص القديمة، على اختلافها، ولكن المشكلة الحقيقية في الجزم بالقول "هنا يكمن الحل"؛ لأن تفكير كهذا هو في الواقع فكر متسلط.

والمدهش في الأمر أنك تجد الذين يحملون هذه العقيدة بين جنباتهم يتحدثون عن حركة التنوير المستمرة، في حين أن أبسط أسس التنوير الذي يتحدثون عنه تدافع عن مبادئ العلمانية والتسامح، وتدعم حرية التفكير بعيداً عن التسلط والتشبث بالرأي. لهذا السبب، اعتُبِر أي شخص يُظهر أي نوع من التسلط مناهضًا للفلسفة التنويرية.

من هذا المنطلق، يجب أن نفرق بين الدفاع عن مبادئ الفلسفة التنويرية بمعناها الحقيقي، والدفاع عن آراء خاصة بمن يطلقون على أنفسهم اسم "التنويريين". فالفريق الأول يطالب بتبني هذه المبادئ، في حين يتمسك الفريق الآخر بالتسلط الفكري والتمسك بالرأي: 

من الممكن في دولة مثل تركيا، ترسَّخت لديها جذور عقدية عميقة، أن يُضفي الناس، دون وعي منهم، نوعاً من القدسية على الشخصيات السياسية. وكان من الطبيعي، في ظل مناخ كهذا، أن تظهر سلوكيات بعينها مثل الحط من رأي معين، والحساسية المفرطة تجاه رأي آخر.

في ظل هذا المناخ أيضًا ظهرت مشكلة العلمانية. والحقيقة هي أن التنويريين لم يعادوا الدين بقدر ما كانوا ضد شكل التفكير الديني؛ لأنهم لم يريدوا أن يرضخوا لسلطة أخرى لا يملك أحد معها القدرة على التدخل في أحكامها أو مساءلتها.  

وشهدت الكنيسة الوضع نفسه أيضاً؛ إذ كان للكنيسة سلطة وهيمنة كبيرة؛ استندت على الكتاب المقدس. وهو الأمر الذي لم يرق أيضاً للتنويريين، الذين دافعوا عن مبادئهم الخاصة ضد هذه السلطة الدينية بقولهم إنه من الطبيعي أن يكون للشخص، أي شخص، آراء مختلفة عما تذهب إليه هذه السلطة الدينية. من هنا لم يكن هناك مجال لقيم التسامح وفق مبادئهم.

أعتقد أن إثارة نقاشات حول أتاتورك والفلسفة التنويرية، في ظل هذا المناخ العصيب، قد جانبه الصواب تماماً، ولا يمت، في اعتقادي، بأية صلة بالتنوير من الأساس. بل وأعتقد أن جميع تجاربنا المستندة لهذا الفكر لن تكون مستنيرة. 

وبرأيي فإن النظر إلى الاختلاف في الرأي حول الأزمة الراهنة، باعتباره نوعاً من الانحراف أو التحقير والتصرف حيالها بشكل حاد، لا يختلف كثيرًا عن سلوكنا مع الأعداء الذين يضمرون السوء بتركيا.

راعيت، قدر الإمكان، وأنا أكتب هذه السطور ألا أتسبب في ضيق "أصحاب هذه العقيدة"، وألا أجعلهم يشعرون أنني أوجه إهانة لهم. ولكني أعود وأقول إن حرية التعبير عن الرأي حق مكتسب يكفله الدستور لجميع المواطنين.

ما يضايقني أنه في الوقت الذي راعيت فيه هذا الأمر في تناولي لمفهوم التحقير عند الآخرين، لا يبدو لي أنني أعيش نفس الحماس الذي كنت أظهره في الماضي تجاه الأشخاص الذين لديهم معتقدات دينية.

كما أن حرصي الشديد على مناقشة مثل هذه المسألة في هذا المناخ الصعب الذي نعيشه في الوقت الراهن يجعلني أدرك مدى الاختلاف بين الواقع الذي نعيشه الآن، والمجتمع المستنير الذي طالما حلمت به طوال حياتي.  

وفي النهاية أود التأكيد على أن هذا المقال، وما على شاكلته من مقالات أخرى لم تتناول أتاتورك بالهجاء أو النقد الحاد غير المبرر؛ أي أنه مقال نابع من حساسية مستنيرة تجاه هذا الموضوع. ولكنه يؤكد، في الوقت نفسه، على عدم الرضوخ لسلطة الرأي الواحد، وضرورة الدفاع عن الحق في النقد الشخصي.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ataturk/ataturku-konusmak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.