Yavuz Baydar
مايو 28 2018

عنصر البلقان في الانتخابات التركية

ظلت للبلقان مكانة خاصة في السياسة التركية خلال القرن الماضي؛ وكانت بداية انطلاق السمة المميزة لهذه الخصوصية – وهي القومية العنيفة – في أوائل القرن.
فقد تحولت حركة العثمانيين الشباب إلى الأتراك الشباب. وكان الضباط الأتراك الذين أُرسلوا إلى البلقان قبل الحرب العالمية الأولى متعاطفين مع الأفكار التي شكلت الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك. وقد وُلد أتاتورك في تيسالونيكي (سلانيك)، التي كانت في يوم من الأيام جزءا من الدولة العثمانية، قبل أن تصبح اليوم جزءا من اليونان.
يسلط هذا الضوء على مفارقة مثيرة للاهتمام تتعلق باختيار الرئيس التركي الحالي للبوسنة لتنظيم مؤتمر حاشد قبيل الانتخابات المبكرة المزمع إجراؤها في الرابع والعشرين من يونيو المقبل. اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البوسنة كمقر أوروبي أوحد للدعاية الانتخابية بعدما رفضت ثلاث دول من الاتحاد الأوروبي السماح لساسة أتراك بتنظيم دعاية انتخابية على أراضيها.
وصل الآلاف من أتباع أردوغان المخلصين إلى سراييفو قادمين من أنحاء مختلفة من أوروبا ليروه ويستمعوا إليه – والأهم من ذلك – ليصفقوا له. ومن المثير للاهتمام أن أردوغان تحدث خلال زيارته للبوسنة في العشرين من مايو عن مخطط لاغتياله، وهو الأمر الذي يستدعى الربط بما حدث في سراييفو خلال الأشهر التي سبقت الحرب العالمية الأولى.
وبعدما تخلى أردوغان عن الكثير من ناخبيه الأكراد الورعين في المحافظات الواقعة جنوب شرقي البلاد، يبدو الآن أنه يريد أن يبسط قاعدته الانتخابية خارج حدود بلاده. وقد استحضر عظمة الدولة العثمانية في سراييفو وهاجم الغرب قائلا إن "الدول الغربية التي تزعم أنها مهد الحضارة فشلت". أضاف إن الناخبين "لن يختاروا فقط رئيسا ونوابا" في البرلمان، ولكن أيضا "سيصنعون قرارا لبلادنا لمئة عام قادمة".
وسيحدد التصويت طبيعة الحكومة التركية والحريات الديمقراطية في المستقبل المنظور. ومع تبقي أقل من شهر قبل إجراء الانتخابات، لا يبدو أن أردوغان مهتم بشأن المخاوف الأوروبية من ميوله الوحدوية المستترة. لكنه يعلم أن لدى اثنين من منافسيه السياسيين الرئيسين جذوراً في تيسالونيكي.
فعلى الرغم من أن ميرال أكشينار زعيمة الحزب الصالح – الجديد نسبيا – ولدت في تركيا، فإن والديها كانا ضمن التبادل السكاني الكبير بين أتاتورك ونظيره اليوناني إلفثيريوس فينيزيلوس في عام 1923. وقد كان تبادل رعايا الدولة العثمانية المنهارة من الأتراك واليونانيين جزءا من مشروع سلمي ناجح، ومتفق عليه بين الجانبين، يمكن اعتباره بشكل ما تطهيرا عرقيا.
أيضا يقول محرم إينجه مرشح حزب المعارضة العلماني الرئيسي – حزب الشعب الجمهوري – لمنصب الرئاسة إن أجداده ينحدرون من تيسالونيكي.
بالنسبة لأردوغان ، فإنّ توسيع دائرته الانتخابية في البلقان حلم يستحيل تحقيقه. 

فإينجه يشكل تحديا كبيرا، وهو جدير بمنصب الرئيس ويصغر أردوغان بعشر سنين. كما أن مهارته في سرعة الرد تضفي حيوية على التجمعات التي ينظمها حزب الشعب الجمهوري. لكن على الرغم من ذلك، قد يكون إينجه بدوره يسبح عكس التيار. 
فربما يكون المعسكر المعارض لأردوغان يأمل في أن يخوض إينجه مواجهة ناجحة أمام أردوغان إذا وصلت الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية. لكن استطلاعا حديثا للرأي أجرته ماك للاستشارات أعطى إينجه 23.9 بالمئة، بينما تفوق أردوغان عليه كثيرا بحصوله على 51.4 بالمئة. وتعتبر استطلاعات الرأي التي تجريها ماك ذات مصداقية، ويمكن الاعتماد عليها بشكل عام. وإذا كانت تلك الأرقام صحيحة، فإن أردوغان سيفوز من الجولة الأولى لينهي فرصة إينجه في منافسته وجها لوجه في جولة ثانية.
والمشكلة الرئيسة بالنسبة لإينجه – وأكشينار أيضا – هي أنهما لا ينظر إليهما على أنهما ورعان مثل أردوغان، فإينجه وأكشينار يتبنيان خطابا شعبويا وقوميا. وقد أدلى الاثنان بتصريحات سلبية حول اللاجئين السوريين في تركيا، وتبنيا مواقف مناهضة للغرب. وعلى الرغم من أن الاثنين يبدوان محاولين الاقتراب أكثر من المسجد، قد تكون مؤهلات الورع لديها موضع شك بين الناخبين المتدينين الذين يدعمون أردوغان بقوة.
بمعنى آخر، قد يواجه إينجه وأكشينار مقاومة بسبب الصورة الراسخة في أذهان الناخبين المحافظين والطبقات المتوسطة الجديدة، والتي تخشى من العودة إلى أيام السلطة العسكرية الخالية.
ربما لهذا السبب يبدو أردوغان واثقا، وهو يركز بصورة أكبر على التعامل مع الاضطرابات الاقتصادية بدلا من مهاجمة إينجه وأكشينار بأسلوبه المشاكس المعروف عنه.
تتواصل الحملة غير المتكافئة؛ وفي غياب قنوات تلفزيونية إخبارية مستقلة، ليس بيد منافسي أردوغان سوى أن يأملوا في أن يقع الرئيس في شر أعماله.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-balkans/balkans-factor-turkish-election
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.