كايل أورتون
ديسمبر 19 2018

عَيْن تركيا على تل أبيض

هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعملية عسكرية ثالثة في سوريا، ستكون هذه المرة في الشرق. ويُبَيّن الحشدُ الذي يقوم به الرئيس لوكلائه، وإجراءات أخرى، بوضوح أن أردوغان يريد من الجميع أن يصدقوا أنه عازمٌ على ذلك فعلاً.
غير أن المشكلة المعقدة تكمن في أن الطرف المستهدف، وهو قوات سوريا الديمقراطية، هو الشريك الذي اختاره التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وأن هناك جنوداً أميركيين موجودون في المنطقة.
وإذا كنا على شفا صدام بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي في سوريا، فربما يكون السبب في ذلك يرجع إلى قرارات السياسة الأميركية؛ فقد أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2011 أنه يجب على الرئيس السوري بشار الأسد أن يرحل، لكن شبح العراق شل حركته في البداية وأثناه عن فعل أي شيء لتنفيذ هذه السياسة. بعد ذلك، عكس أوباما المسار بشكل كامل في إطار دبلوماسيته مع إيران. كان من شأن هذا أن جعل تركيا وحيدة في مواجهة الأزمة، حيث أنها كانت قد تصرفت بناء على كلمات أوباما وقدمت الدعم للانتفاضة المعارضة للأسد.
اضطر أوباما إلى التدخل ضد تنظيم الدولة الإسلامية في أغسطس 2014، بعدما بدأ التنظيم يتحرك صوب إقليم كردستان العراق، الذي يُعتَبر - بإجماع الآراء في الولايات المتحدة - أحد النجاحات القليلة التي تحققت من حرب العراق. وكان من شأن جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق اليزيديين، وقتل أسرى غربيين، أن زاد الضغط السياسي من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وكان من المنطقي أن يمتد التدخل إلى سوريا في الشهر التالي، حيث استولى تنظيم الدولة الإسلامية على أراض على جانبي الحدود.
كانت ضرورات تلك اللحظة في صيف عام 2014 هي احتواء توسع تنظيم الدولة الإسلامية في الأراضي والحيلولة دون ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الإنسانية. وبعدما كانت الولايات المتحدة مترددة في البداية، قررت أن يشمل هذا الحيلولة دون سقوط مدينة كوباني في شمالي سوريا، ولسبب مهم؛ فمعركة كوباني، التي أصبحت مشهداً إعلامياً دولياً واختباراً للإرادة، هي نقطة الأصل في النهج الأميركي تجاه سوريا، وهي أصل المشاكل.
فحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على كوباني هو القوة المهيمنة على قوات سوريا الديمقراطية، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنف دوليا على أنه منظمة إرهابية، والذي خاض حرباً انفصالية على مدى أربعة عقود ضد الدولة التركية.
وبينما سهلت تركيا وصول قوات البيشمركة الكردية للدفاع عن كوباني، اعترضت أنقرة على إسقاط الولايات المتحدة أسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي/ حزب العمال الكردستاني. لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك على أي حال. وبمجرد أن تحررت كوباني، استمرت الولايات المتحدة في شراكتها مع حزب الاتحاد الديمقراطي لدحر تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة، حيث زودته بالسلاح والمال والتدريب والمعلومات، والأهم من ذلك الإسناد الجوي. 
كانت فكرة السياسة الأميركية هي أن بإمكانها أن تجعل تنظيم الدولة الإسلامية يمثل الأولوية وتدير حرباً لمكافحة الإرهاب تكون منفصلة عن الصراع السوري الأوسع نطاقاً. وكما أشار فيصل عيتاني الزميل بالمجلس الأطلسي، فإن الأمر لا يسير على ذلك النحو، يقول عيتاني "أي أراض يخسرها تنظيم الدولة الإسلامية لابد أن تذهب إلى لاعب في منافسة صفرية من بين جميع الفصائل السورية الأخرى المتحاربة".
استولى تنظيم الدولة الإسلامية على أراض أغلبها من المعارضة. ولم تكن الولايات المتحدة تريد أن تعمل مع المعارضة، لأن ذلك كان معناه أن تتبنى قضيتهم في مواجهة الأسد. وقد كان حزب الاتحاد الديمقراطي تربطه دائما علاقات جيدة بالقوات الموالية للأسد، ومن ثم فقد صار وكيلاً مقبولاً للولايات المتحدة. وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة تعاونت في هزيمة المعارضة السورية وسلّمت ثلث سوريا إلى حزب الاتحاد الديمقراطي. لكن تلك كانت البداية فقط.
وبالنسبة لتركيا، فإنها تشعر بأن مسألة تأسيس دويلة لحزب الاتحاد الديمقراطي تمثل مأزقاً وجودياً مزعجاً. وقد سبق ذلك غزوان تركيان لسوريا سعياً للتعاطي مع القضية. ففي أغسطس 2016، وبعد الفشل في إقناع الولايات المتحدة بكبح جماح حزب الاتحاد الديمقراطي، أطلقت تركيا عملية درع الفرات لمنع توسعه باتجاه الغرب. وفي يناير، طهّرت عملية غصن الزيتون التركية الجيب الغربي لحزب الاتحاد الديمقراطي في عفرين وساعدت في إطلاق "خارطة طريق" دبلوماسية بشأن منبج، آخر المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي جنوب الفرات.
وعلى الرغم من أن هناك دوريات عسكرية أميركية تركية مشتركة حول منبج في الوقت الحالي، فإن المشاكل الأساسية ظلت قائمة. وكانت الولايات المتحدة تنظر إلى تنازلات منبج على أنها وسيلة لترضية تركيا وتأمين روج آفا، وهو الاسم الذي يطلقه حزب الاتحاد الديمقراطي على المناطق الخاضعة لسيطرته. في المقابل، كانت تركيا تنظر إلى عملية منبج على أنها ستقضي على سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي في المدينة وتجعل حلفاء تركيا يحلون محله، مع إمكانية تكرار هذا باتجاه الشرق.
وأوّلت الحكومة التركية إعلان الولايات المتحدة في 21 نوفمبر أنها تضع نقاط مراقبة على طول الحدود بين روج آفا وتركيا على نحو صحيح تماماً على أنه جهد أميركي لإغلاق باب النقاش في هذا الموضوع من خلال منع أي تحرك تركي في المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي شرق الفرات. ومن دون تلك الإمكانية، فإن الأدوات التي تملكها تركيا للضغط من أجل أي تنازلات تتجاوز منبج ستزول، ومن هنا ينطلق سلوك أنقرة هذا الأسبوع.
تريد تركيا بوضوح أن تزيد الضغط على الولايات المتحدة في المباحثات بشأن منبج و"مناطق أخرى". وهذه القراءة هي التي تجعل الكثيرين يؤمنون بأن أنقرة تخادع. بيد أن هناك إشارات على أنه يجري التجهيز لتدخل وأن هناك منطقاً سياسياً يصب في هذا الاتجاه.
ولم يكن هناك أساس للشائعات التي سرت عن أن تركيا فككت جزءاً من الجدار الحدودي استعداداً لهجوم يبدأ بالقرب من رأس العين؛ لكن الجيش الوطني السوري، وهو جماعة تضم عرباً تابعين لتركيا في منطقة درع الفرات، أعلن نيته المشاركة في عملية تقودها تركيا وحرك قواته لتأخذ مواقعها.
وإذا تحركت تركيا شرق الفرات، فمن المرجح أن تكون عملية محدودة مقارنة مع العمليتين السابقتين، تفسح المجال أمام منطقة عازلة في المنطقة ذات الأغلبية العربية بين تل أبيض ورأس العين. وسيكون من شأن هذا تحسين الصورة الأمنية لتركيا وإضعاف روج آفا بشكل كبير، من خلال كسر الخط المتصل لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي على طول الحدود. وسيكون من شأن إظهار تركيا عدم الاكتراث بالتمركز الأميركي، والاستيلاء على مساحات من المناطق التي تتفاوض أنقرة والولايات المتحدة بشأنها، تقوية موقف تركيا في المفاوضات.
وكما هي العادة، تحوّط حزب الاتحاد الديمقراطي وناشد حلفائه القدامى في تحالف النظام للدفاع عنه في مواجهة تركيا. وخلال عملية غضن الزيتون، أرسلت إيران مقاتليها الشيعة من أجل مساعدة حزب الاتحاد الديمقراطي، لكنهم كانوا غير مؤثرين في مواجهة الضربات الجوية التركية.
ومن غير الواضح، في ظل الوجود الأميركي في الشرق، ووجود إرادة مؤكدة للقضاء على القوات الموالية للأسد التي تقترب من مواقعها، ما الذي يمكن للأسد أو إيران أو روسيا فعله هذه المرة إذا شنت تركيا هجوماً بالفعل.
وبقدر ما أن تدخلاً تركياً في شرقي سوريا منطقي من الناحية النظرية، فإن أردوغان يعلم تمام العلم بأن حكومته لا يمكنها أن تتحمل الكلفة السياسية للدخول في صدام مع القوات الأميركية، فضلاً عن الإذلال العسكري الذي قد يترتب على مثل ذلك الصدام إن حدث. في خضم هذا، ظل أردوغان محافظاً على حذره في هذا الشأن، ومعه كل الحق في البقاء على هذا النحو.
ومع انهيار ما يسمى بخلافة تنظيم الدولة الإسلامية، واتجاه الولايات المتحدة ظاهرياً نحو احتواء إيران، يبدو أن الضرورة الاستراتيجية تفرض التصالح بين الولايات المتحدة وتركيا ووضع نهاية لالتزام واشنطن المتطرف تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي. 
لكن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الأخطاء الواضحة، اختارت مساراً مغايراً يتمثل في وجود غير محدود في شمال شرقي سوريا من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي بهدف إلجام تنظيم الدولة الإسلامية وتعطيل طموحات إيران الإقليمية.
وفي مقابل استمرار حزب الاتحاد الديمقراطي في خدمة القوات البرية التابعة لواشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ستدافع الولايات المتحدة على الأقل عن مناطق الحزب الأساسية، مثل القامشلي وكوباني التي لها صدى لدى الأميركيين أيضاً لأسباب أوضحناها فيما سبق.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/syrian-war/turkeys-eyes-tel-abyad
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.