دوا أولاش أرالب
يناير 29 2018

غصن الزيتون.. الشرور الثلاثة وعملية تركيا في عفرين

في 31 أغسطس عام 1967 ألقى مارتن لوثر كينج إحدى أقوى خطبه في المؤتمر الوطني للسياسة الجديدة وتحدث عن ثلاثة شرور وصفها بأنها تحتجز المجتمع الأميركي رهينة وهي العنصرية والفقر والعسكرة وذلك في وقت كانت فيه حرب فيتنام على أشدها.
خطاب لوثر كينج يحوي الكثير من الأمور التي تساعد في فهم السياسة التركية في 2018.
في الأسبوع الماضي، شن الرئيس رجب طيب أردوغان هجوما عسكريا على منطقة عفرين بشمال سوريا، والمجتمع التركي يعتمد دوما على نظام السلطة الأبوي (الحكم السلطوي الأبوي).
تظهر هذه الأبوية المتسلطة في أوقات الأزمات. حزب المعارضة الرئيسي وهو حزب الشعب الجمهوري أعلن تأييده الكامل غير المشروط لقرارات الدولة التركية في الشؤون الخارجية خاصة فيما يتعلق بدعم التوغل العسكري التركي ضد عناصر كردية على الحدود.
تعمل النزعة العسكرية في تركيا من خلال روايات مقنعة تحد بشدة من أي معارضة ديمقراطية للحرب عبر تهديد صريح يصف المعارضين بالخونة.
وسائل الإعلام المملوكة للدولة تغير بسهولة الموقف المعادي للحرب والمؤيد للسلام بوصفه بأنه غير وطني وميال للخيانة. أما المفكرون والممثلون والصحفيون الذي يعارضون علنا الحرب فإنهم يتعرضون لحملات على شبكات التواصل الاجتماعي وبعضهم تحتجزهم قوات الأمن.
الصحف والأخبار في أوقات الذروة تموج بمقابلات مع شخصيات شهيرة تنشر صورا لها على الشبكات الاجتماعية وهي ترتدي الزي العسكري وتثني على التزام الجنود الذين قد يفقدون حياتهم كشهداء.
أما السياسيون وباستثناء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد فإنهم إما يثنون على الحرب أو يبقون صامتين خشية وضعهم على القوائم السوداء.
ضرورة إبقاء جبهة موحدة في وجه الانتقادات الدولية خاصة الأميركية تجبر حتى أشد المنتقدين لحكومة أردوغان على الصمت.
وحقيقة أن شخصيات مقربة بشدة من أردوغان لها أنشطة في التصنيع العسكري وأنها تختبر كفاءة منتجاتها في عملية عفرين لا تبدو تسبب أي قلق للمعارضة التركية المروضة.
إبراهيم كالين كبير مستشاري أردوغان للشؤون الخارجية أثنى أيضا على صمت الديمقراطيين الاشتراكيين والتزامهم بالجهود الحربية باعتباره مثالا على الوطنية.
تطبق تركيا الخدمة العسكرية الإجبارية منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923.
لكن خلال العقد الأخير، أتى معظم الذين استوفوا الخدمة العسكرية الإجبارية من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى في المجتمع التركي وهم أبناء قرى وبلدات ريفية وأحياء فقيرة بالمدن الكبيرة يرون الخدمة العسكرية أحد مناسك التحول إلى الرجولة الكاملة.
ووسط حياة تشهد بطالة مرتفعة وديون بطاقات ائتمان وهواتف ذكية ليست رخيصة الثمن وعلاقات رومانسية غير متبادلة تظهر الخدمة العسكرية كمجال يجد فيه الشباب في سن التاسعة عشرة والعشرين مجالا لإثبات رجولتهم.
وعندما تتصدر أخبار الجنود القتلى عناوين الأخبار المسائية، يظهر دوما السياسيون بجوار نعوش الصبيان المساكين ويُزاح أقاربهم إلى الوراء لإفساح المجال أمام النخبة السياسة لكي تثني على الشهادة المجيدة.
الواقع المحزن هنا هو إعفاء الكثير من أفراد أسر السياسيين المؤيدين للحرب من الخدمة العسكرية أو خضوعهم بدلا من ذلك إلى تدريب مدفوع الأجر لمدة ثلاثة أسابيع.
أحد الأمثلة هما ابنا الرئيس أردوغان. ابنه الأول براق حصل على إعفاء من الخدمة العسكرية لدواع صحية بينما ظهر الابن الأصغر بلال مؤخرا في صورة وهو داخل مركز قيادة عسكرية سري  حيث دفع مالا مقابل الخضوع لدورة تدريبية مدتها ثلاثة أسابيع.
مرة أخرى تؤكد عملية تركيا في عفرين على الوضع المستمر للأكراد في تركيا وهو أنهم العدو الدائم لتركيا كما أنها توحد اليمينيين والديمقراطيين الاشتراكيين.
أعضاء القوات المسلحة التركية والتحالف بين القوميين والإسلاميين بقيادة أردوغان يشعرون جميعهم بقلق بشأن النفوذ السياسي المتنامي للكيان الكردي في شمال سوريا وقدرته على إبرام صفقات مع واشنطن وموسكو في وقت واحد.
الخطاب القومي الإسلامي تساهل مع سيطرة أفراد عصابات الدولة الإسلامية القتلة على حدود تركيا لسنوات لكن فعالية القوة الكردية السورية ضد الجهاديين المتطرفين حوّل شمال سوريا السريع إلى كيان سياسي موحد تراه تركيا تهديدا لوحدة أراضيها.
ولا عجب أن أردوغان هدد الأحزاب المؤيدة للأكراد في تركيا بعدم تنظيم أي مسيرات ضد الحرب في البلدات الكردية بشرق البلاد.
وكل حرب تخلق أعداء داخليين، والسياسيون الأكراد في تركيا باتوا مرة أخرى، وهذه المرة بدرجة أكبر، موضع تدقيق حكومي.
إجراءات حالة الطوارئ المفروضة منذ محاولة الانقلاب العسكري في 2016 تستهدف منذ بدايتها سياسيين أكراد لكن أصبح الآن التحدث بالكردية في مدن غرب تركيا أمرا خطيرا بدرجة أكبر من أي وقت مضى.
وثناء مارتن لوثر كينج على المعارضة السلمية لهذه الشرور الثلاثة يبدو صائبا في تركيا. وكلما زاد نطاق شروع النقابات العمالية وغرف الأعمال والأكاديميين في إعلان معارضتهم الديمقراطية لأسباب عملية عفرين كلما اقترب أجل المغامرة العسكرية التركية من نهايته وبأقل الخسائر لدى كلا الطرفين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: