غصن الزيتون في حسابات العلاقات المصرية – التركية

تتصادم الرؤى وتتعارض السياسات المصرية والتركية حيال سبل حل الصراعات الإقليمية، فبينما تدعم القاهرة المقاربات السلمية، تتبنى أنقرة استراتيجية تنزع إلى توظيف الأدوات الخشنة لمد النفوذ وترسيخ الوجود العسكري في عديد من مناطق الجوار الجغرافي. 
تجسد ذلك مؤخرا في عملية "غصن الزيتون" التركية في مدينة عفرين السورية، والتي رفضتها القاهرة وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية، انطلاقا من كونها تمثل انتهاكا صريحا للسيادة السورية، وتقويضا صارخا للجهود القائمة لحل الصراع ومكافحة الإرهاب وداعميه في سوريا.
جابهت مصر حملة شرسة من قبل بعض وسائل الإعلام التركية، بسبب مواقفها حيال ما تشهده جغرافيا المدن السورية من اعتداءات تركية، ومع أن الكثير من البلدان الغربية تبنت المواقف ذاتها حيال خطوات تركيا "الاستعمارية"، حسب تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، غير أن السلطات التركية اعتبرت أن معارضة تدخلها في عفرين يمثل "اصطفافاً إلى جانب الإرهابيين".
ينبني الموقف المصري من عمليات تركيا العسكرية على إدراك أن هذه الممارسات تجسد محاولة لتحقيق المصالح الذاتية عبر تعزيز التمركزات العسكرية على حساب وحدة سوريا الجغرافية.
لم يكشف "غصن الزيتون" التركي في حسابات العلاقات المصرية – التركية حجم التناقض بين الجانبين وحسب، إنما عكس أيضا ما بينهما من معارك يتداخل فيها التاريخ مع الجغرافيا والأيديولوجيا الحاكمة. 
هذه المواجهة تمتد من التخوم التركية شرق المتوسط إلى حدود الصومال جنوبا، مرورا بسواكن السودانية وقاعدتي مصر العسكرية البحرية والجوية في برنيس على البحر الأحمر. 
مواجهة جيوسياسية غير مباشرة لكنها حادة وصاخبة ارتداداتها لكونها بالأساس مواجهة إقليمية تنطوى على تكتيكات ردع متبادلة.
تتحرك تركيا بمقتضاها في سوريا والعراق وليبيا والسودان، برغبة جامحة في توسيع النفوذ وحصار مصر داخل حدودها، عبر تكتيكات إنهاك وشد أطراف مكشوفة، أحد أدواتها دعم الجماعات الإرهابية في مصر. 
تسعى أنقرة أيضا إلى إضعاف القاهرة، وإحباط خطط عودتها لقيادة الإقليم، وهى حين تقدم على ذلك، فإنها تدرك أن "جيش مصر الأول" في سوريا، كون القاهرة بنت عقيدتها القتالية على ذلك، وأسست جيشا ثانٍ وثالثا، واعتبرت جيش سوريا خط الدفاع الأول عن حدودها وأمنها القومي، كما أمَّن حضور مصر العسكري قاعدة دمشق وجبهتها الجنوبية.
ويقول خبراء ان متلازمة القوة والضعف بين القاهرة ودمشق، دفعت تركيا إلى أن تتجه بالتوازي مع عمليات إنهاك وإضعاف الدولة السورية إلى استراتيجيات نقل "المجموعات الداعشية" إلى ليبيا وسيناء، مع تبني تكتيكات خاطفة لتدشين تمركزات أخرى في السودان بالقرب من حدود مصر الجنوبية.
التحركات التركية لا تأتي منفردة، وإنما تعقب مبادرات وإجراءات مصر الاستباقية، والتي شملت تطوير قدراتها العسكرية، من خلال تدشين أسطول بحري جنوبي، وآخر شمالي في البحر المتوسط بالقرب من حدود تركيا، ومنطقة عسكرية في رأس بناس ومطار وقاعدة جوية في منطقة برنيس، وعدد من التمركزات العسكرية في أفريقيا.
تُصعد تركيا من أدوارها العسكرية على الساحة السورية، فيما تلتقي مصر مع قيادات الدولة السورية وفصائل المعارضة، وتساهم في اتفاق بخصوص منطقتي "خفض تصعيد" من أصل أربع، وتستعد لاجتياز "خط سوتشي" لمواجهة الابتزاز التركي، الذي يقلقه عودة مصر التدريجية إلى ميدان الصراع السوري.
تُعادي تركيا وتجابه فرص استقرار الحكم في مصر وتطور قدراتها كونها تشكل خصما من رصيد أنقرة، في مداوة الصراعات الطائفية والعرقية التي تعزز نتائجها نفوذ تركيا مثلما عززت من قبل نفوذ إيران في شمال الهلال الخصيب، في قوس يعاني من مظاهر ضعف طارئة، في دول مثل سوريا والعراق ولبنان.
لا تريد تركيا عودة مصر لكي تكشف أن "غصن الزيتون" ليس أكثر من فخ يستهدف البقاء في سوريا وإقامة المزيد من القواعد العسكرية على أراضيها، لكي تؤمن مجالها الحيوي وتعيد إحياء "العثمانية القديمة" ذات الصبغة الاستعمارية.
تتحرك قيادة تركيا ورئيسها المسكون بالتاريخ القديم، مدركة ما يخبره هذا التاريخ عن معارك لم تكن مصر فيها دائما إلى جانب الباب العالي، بل كم من المرات تحدته وبلغت قوتها أن هددته، بعد أن حررت الشام من قبضته غصبا في "معركة نصيبين" عام 1839، وقتل فيها آلاف من جنود الجيش العثماني وتم أسر آلاف آخرين، بما أدى إلى وفاة جد أردوغان السلطان العثمانى، محمود الثاني، فور تلقيه نبأ الهزيمة.
انتصر الجيش المصري في سوريا فأكمل زحفه عبر بوابتها مُعززا بقوتها ليحاصر اسطنبول ذاتها وكاد يسقطها، لولا التدخل الغربي ليخرج مصر من الشام، عبر مؤتمر لندن الشهير 1845 الذي حجم قدرات مصر العسكرية لكي ينقذ الدولة العثمانية من السقوط بعد أن تحررت سوريا وكشفت ضعفه من دونها.
في ستينات القرن الماضي أيضا، لم تكن الروابط بين الجانبين إيجابية، بسبب تطلع مصر للنهوض بأدوار الدولة القائد، وكونها كانت تلهب الحماس القومي العربي، وتجابه الاستعمار الغربي ووكلائه الإقليميين، حيث تركيا وإيران. 
تتحرك أنقرة حيال القاهرة ودمشق وهى تدرك خلفيات العلاقة البعيدة والقريبة، وأن الدولتين كانتا لوقت قصير دولة واحدة، في خطوة رفضتها تركيا صراحة، وأعلنت معارضتها للوحدة المصرية – السورية عام 1958.  
ماضي العلاقات لا يزال يهيمن على حاضرها، وتتصادم الرؤى والسياسات المصرية مرة أخرى مع توجهات تركيا التي يخطط رئيسها لينصب نفسه زعيما شعبويا للإقليم، عبر استخدام خطاب يدغدع مشاعر الجماهير، وينتقص من أدوار وحضور الآخرين. 
رغم مرور وقت لا تزال أسباب الصراع المصري - التركي لا تبتعد عن محورية دور دمشق ومستقبلها، فهي المدخل الجنوبي لتركيا، وهى أيضا بوابة مصر الشمالية. 
تعرب مصر عن قلقها حيال التدخل التركي في عفرين، ومن قبله التمركز في مدينة بعشيقة، كما اتخذت الموقف ذاته بعد ضبط السلطات اليونانية سفينة تركية محملة بالمتفجرات كانت وجهتها الحدود الليبية. 
الصراع بين الجانبين على رقعة شطرنج، تعلن في إطاره تركيا الحداد على أرواح ضحايا مسجد الروضة في سيناء، وتعود بالرغم منه جلسات غرف التجارة المشتركة، وتعلن القاهرة رغم إدراك حدته، رغبتها في تهدئة التوتر، إذا تغيرت المقاربة التركية. 
ويعتقد خبراء من مصر ان التصريحات الرسمية والمواقف المعلنة للجانبين، تعكس عمق الصراع وليس سطحيته، فهو صراع أيديولوجي وتاريخي، يرتبط بالحسابات والمصالح الداخلية، والساحات الجغرافية للدولتين، مثلما يتعلق بالساحات السياسية، قد يبدو فيه "غصن زيتون" في يد تركيا، غير أنه ليس إلا تكتيك لإخفاء ما باليد الأخرى، ويستهدف مصر بقدر استهدافه سوريا.