Tiny Url
http://tinyurl.com/ya2a8rjv
اومت كرداش
سبتمبر 08 2018

غياب روح الإبداع والابتكار عن نظام التعليم في تركيا

 

جاء في التقرير الدولي لبراءات الاختراع لعام 2016، الذي أعدته المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية -وهي المؤسسة المعنية بفحص طلبات الحصول على براءات الاختراع حول العالم- أن هناك 233 ألف طلب للحصول على براءة اختراع؛ جرى تسجيلها عام 2016 حول العالم بزيادة قدرها 7.3% مقارنة بالعام السابق.
وحازت الولايات المتحدة الأميركية على نصيب الأسد بين دول العالم؛ حيث خرج من أميركا وحدها 56 ألفاً و595 طلب تسجيل براءة اختراع، في حين كانت الصين أكثر الدول جذباً للانتباه بالزيادة اللافتة في عدد المتقدمين من هناك، مقارنة بعدد العام السابق؛ ففي الوقت الذي لم يتعد ما تقدمت به الصين عدد 29 ألفاً و839 طلباً في عام 2015، إذ بها تقفز بعدد براءات الاختراع المسجلة لديها في العام الماضي إلى 43 ألفاً، و168 طلباً بزيادة قدرها 44.7% لتحتل المرتبة الثالثة بين دول العالم.
في حين حصلت اليابان على المركز الثاني بعدد 48 ألفاً و208 براءة اختراع، وتلتها كل من ألمانيا التي جاءت في المرتبة الرابعة بعدد 18 ألفاً و982 براءة اختراع، وكوريا الجنوبية التي جاءت في المرتبة الخامسة بعدد 15 ألفاً و763 براءة اختراع. أما تركيا، فلم يتعد ما تقدمت به من طلبات للحصول على براءة الاختراع 1068 طلباً، في الوقت الذي تخطت فيه إسرائيل، التي لا يتعدى عدد سكانها 8.5 مليون نسمة، كلا من تركيا وإيران، التي تملك نفس عدد سكان تركيا تقريباً، في قائمة الدول المتقدمة للحصول على براءة الاختراع.
والحقيقة أن ترتيب تركيا في تسجيل براءات الاختراع، التي تقتضي توافر عنصر الإبداع والابتكار في المتقدم، لم يكن مستغرباً؛ لأن هذا الترتيب المتدني إنما جاء نتيجة للنظام التعليمي الذي تطبقه الدولة التركية، بالإضافة إلى المسار التاريخي والاجتماعي ونمط العقلية وطريقة التفكير السائدة في تركيا.
وفي الوقت الذي كان فيه الأدب الفرنسي يعيش عصره الذهبي في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع المسرحي جان راسين والأديب جان دي لا برويير والشاعر بيير كوري والكاتب جان دو لافونتين والفيلسوف مونتسكيو، كانت إنكلترا على موعد مع اختراعات علمائها أمثال إسحاق نيوتن وجيمس واط. وعندما نجح دنيس ديدرو في إنهاء الموسوعة الفرنسية في عام 1765 كانت مدينة إدنبرة الأسكتلندية تنشر الموسوعة البريطانية "بريتانيكا" في عام 1768.
أما الدولة العثمانية، فقد كان الوضع فيها مختلفًا تماماً؛ فقد تأخر نظام التعليم في المدارس ذات الطابع الديني، التي قطعت علاقتها بالفلسفة تماماً، على الرغم من أن الفلسفة هي باكورة عصر العلم والتفكير، ولم تلحق بركاب النظام التعليمي المتقدم في الغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الذي مهَّد الطريق أمام إفراز الكثير من الاكتشافات والاختراعات. وعلى الرغم من أن الاهتمام بالفلسفة قد بدأ مع بداية عصر الجمهورية والانفتاح على الغرب، إلا أنه ما لبث أن تراجع هذا الاهتمام مرة أخرى خلال الفترة الأخيرة. (اشتقت كلمة فلسفة من اللفظ اليوناني فيلوسوفيا= فيلو+سوفيا= حب الحكمة، وأُطلق عليها في اللغة العثمانية اسم "علم الحكمة").
كشف أحد الأبحاث، التي أجريت حول نظام التعليم في تركيا، النقاب عن وجود جوانب قصور لدى المتعلمين في تركيا من ناحية التواصل والعمل في فريق والقدرة على حل المشكلات والقدرة على التعلُّم. وأرجع البحث المشكلة في الأساس إلى نظام التعليم في تركيا، الذي يهتم بالتلقين عبر منح المعلومة في شكل قوالب جامدة لا تشجع على التفكير الإبداعي لدى الطلاب.
الابتكار، هو قدرة الفرد على استغلال طاقته الكامنة، وما لديه من إمكانيات بوعي وحرية. من هنا يجب على الفرد، الذي نمت لديه القدرة على الإبداع، أن يتوجه إلى مجال الإبداع الذي يراه مناسباً بشكل أكبر للخطوط العريضة لنمط شخصيته.
ويقتضي الإبداع كذلك أن يتمتع المبدع بقدر من الحرية في المحيط الذي يعمل به. ولهذا السبب عجزت الدول الإسلامية، ومنها تركيا، التي ابتعدت عن الديمقراطية الداعية إلى الحرية والإبداع، عن امتلاك أداوت التطور والقوة في هذا المضمار. 
ومن ناحية أخرى، لم يشجع نظام التعليم الحالي في تركيا القائم على الاستظهار، الذي يقيس مهارة الطلاب بنظام الاختبار، المبدعين والباحثين على العمل الإبداعي.
وفي الإطار نفسه، خرج بحث آخر بنتيجة مفادها أن نظام التعليم في تركيا نظام مغلق؛ يعتمد على بنية لا تركز على كيفية حل مشكلات المجتمع التركي، بقدر ما تعمل على ترسيخها وتراكمها.
من هنا يتعين على الدولة التركية أن تعمل على تطوير هذا النظام بكل مراحله؛ حتى يمكنها أن تحقق جودة التعليم بشكل عام؛ فيتعين عليها أن تسير وفق نظام تجديدي قادر على الابتكار، يشجع على العمل من خلال فريق، وينمي مهارة إيجاد حلول للمشكلات لدى الطلاب؛ بداية من المرحلة الابتدائية، ووصولاً إلى الدراسة الجامعية.
يتعين على الدولة كذلك أن تولي اهتمامها لتخريج أفراد يتمتعون بثقة كبيرة في النفس، ويحملون صفات إبداعية، ولهم المقدرة على التفكير الحر وحل المشكلات؛ الأمر الذي يفتقده نظام التعليم في تركيا في الوقت الحالي؛ مما يعيق حدوث طفرة اقتصادية أو مجتمعية في تركيا.   
أضف إلى هذا أن الإبداع كان عنصراً أساسياً في تكوُّن الثقافات؛ فالمجتمعات يمكنها أن تصل إلى العالمية بقدر نسبة الإبداع فيها، والأمم لا تصير عظيمة بعدد المدارس أو بحجمها؛ فعندما تكون الأمة عظيمة فهذا مؤشر على أن لديها مدارس، أو أن لديها نظاماً تعليمياً عظيماً كذلك؛ لأنه لا توجد أمم بهذا الشأن ولا تملك نظاماً تعليمياً جيداً.  وينطبق الوضع نفسه على السياسة والاقتصاد والقضاء والدين أيضاً؛ فإذا كانت الدولة صغيرة على المستوى السياسي والاقتصادي فلا تعوِّل على نظام التعليم في مدارس هذه الدولة.
ويرتبط النظام التعليمي في المدارس والجامعات بالمناخ العام للمجتمع الموجود فيه أكثر من المناخ التعليمي الموجود بين جدران هذه المؤسسات فحسب؛ فالجامعة تكون جيدة عندما يكون التأثير متوازنا بين الطرفين. كما أنه من الصعب بمكان نقل نماذج من التعليم إلى مكان آخر حتى إن كانت جيدة، مثل الجامعات الفرنسية والإنجليزية على سبيل المثال؛ لأن هذه المؤسسات هي جزء من هذه الدول، ويرتبط النظام التعليمي فيها بما هو مطبق على أرض الواقع في هذه الدولة.
من الطبيعي أن يطلب الباحثون العلم من الدول الأجنبية. ولكن تطبيق نفس النموذج في بلدنا يقتضي منّا أن نسعى بأنفسنا لتهيئة المناخ لذلك...
وهذا يقتضي منا أيضاً أن نبحث عن إجابة للسؤال التالي: "ما هي المسؤولية التي يجب أن تضطلع بها المدارس والجامعات حيال ذلك؟"
ينبغي أن يرتبط الالتحاق بالجامعة بدرجات الطالب في المرحلة الثانوية، وبالأنشطة الاجتماعية التي شارك فيه، وبالمشروعات التي نفَّذها أو شارك في تنفيذها، وبهذا لن نحتاج إلى هذا الكم من اختبارات القبول النظرية التي يخوضها الطالب من أجل الالتحاق بالجامعة...
تولي الدول المتقدمة والطامحة للتقدم أهمية كبيرة للأبحاث العلمية، وتبذل جهدها للحصول على براءات اختراع بأعمالها، وبالتالي تتوصل إلى اكتشافات واختراعات؛ كي تفيد منها في تنمية الصناعة لديها، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتحقق التنمية في مثل هذه الدول التي لا تهتم بالدراسة النظرية وحل الاختبارات فقط.
ذكر تقرير المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية عن عام 2016 عن وجود طلبات من جامعات مختلفة من أجل تسجيل براءات الاختراع. وفي الوقت الذي جاءت فيه جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة في المركز الأول بعدد 434 طلباً، وتلتها جامعة ماساتشوستس بالولايات المتحدة أيضاً بعدد 236 طلباً، وجامعة هارفارد في المركز الثالث بعدد 162 طلباً، لم تتقدم أية جامعة تركية بأي طلب في هذا الاتجاه.
ألم نسأل أنفسنا لماذا تخطى طلاب كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وشنغهاي واليابان كل دول العالم في اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلاب؟
أعتقد أن السبب في هذا هو أن هذه الدول قد اتبعت نظاماً تعليمياً يركز بشكل أكبر على الإبداع والابتكار في ظل مناخ من الحرية، وليس بالتلاعب بأنظمة الاختبارات التي لا طائل من ورائها.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا ً :