فخّ الاستبداد في تركيا

ليتنا استيقظنا من غفلتنا عندما حذرتنا أيسون قَيَاجي، حين كُنا نتجه بخطى واثقة على طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بقولها "صوتي ليس كصوت راعٍ يسكن الجبال". لو استمعنا إلى تحذيرها، ربما كانت الأمور قد أخذت مساراً أفضل مما نعيشه اليوم. لم نفهم قصد أيسون حينها، أو ربما أسأنا فهمها. 

لم تقل ابنتنا إن صوتها أعلى درجةً، أو أرقى من صوت أي شخص. لم تقل كذلك إن صوت الراعي في القرى النائية أقل قيمة من صوتها، إنما بدت كلماتها، وكأنها تستشرف المستقبل، كأنها تنبأت بما حدث من تلاعب في أصوات الناخبين في القرى القصية!

لقد وقعنا رويداً رويداً في الفخ، الذي غلَّفته حكومة حزب العدالة والتنمية بصبغة إسلامية. وبدلاً من أن نتكاتف جميعاً، ونبحث عن مخرج من البئر العميقة، التي سقطنا فيها، أخذ كل منا ينظر إلى حال الآخر، مكتفياً بالتنهد والتحسر لحاله.

وعلى الجانب الآخر، كانت الصورة العاجزة المنقسمة للمعارضة واحدة من أكبر الإنجازات التي حققها القائمون على السلطة، الذين يمارسون السياسة بمنطق الغريزة الحيوانية، وليس استناداً إلى موروث ثقافي أو أكاديمي لتركيا.

ليتنا فهمنا ما قصدته أيسون قَيَاجي بقولها..

دعونا على أية حال نستقي العبرة من التاريخ.

لم يقدم هتلر الدعم الملائم لألمانيا، في وقت كانت برلين على وشك السقوط، ولم يتغير هذا الوضع كثيراً عندما كان الروس يغتصبون 70 ألف امرأة ألمانية في برلين.

وكذلك عندما كان صدام حسين يبيد الأكراد ومعارضيه من الشيعة، كان المحافظون من السنة ينظمون الاحتفالات للاحتفاء بقادتهم، ويطلقون النيران من بنادق الكلاشينكوف في الهواء.

نعم كانت هناك معارضة في هذين النموذجين، ولكنها معارضة ضعيفة؛ يكنّ كل طرف منها الضغينة للطرف الآخر.  

أصبحت جبهة المعارضة الديموقراطية، التي انفرط عقدها، في مواجهة بعضها بعضا؛ إذ أصبحت داعمة للأنظمة السلطوية، التي تقوم على سلطة الرجل الواحد؛ لذا لا يحق للذين لم يأخذوا ما يحدث على محمل الجد، حتى دقت قوى الاستبداد أبوابهم، أن يسخروا من أيسون قياجي.

هل كان الذين لم يتأثروا لأجل رجال اعتُقلوا بسبب تغريدة واحدة كتبوها، أو الذين هلّلوا لإطلاق سراح آخرين من السجن بعد أن قضوا به سنة أو اثنتين بسبب رسالة كتبوها على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي معتبرين ذلك انتصارا للعدالة، هل كانوا أكثر براءة من أيسون قياجي، هل اعتبروا أنفسهم كذلك؟

ربما كان بعض العاملين في صحيفة "قرار"، ممن ظنوا أن الإسلاميين سيأتون بنموذج جيد للديمقراطية، يعتقدون أنهم بذلك سينالون الحظوة لدى رؤسائهم.

ربما لم يكن يخطر ببالهم، ولو في أحلامهم، أن أشخاصاً مثل أحمد داوود أوغلو، وعبد الله غول، وبولنت أرينج وآخرين سيتلقون تهديدات من أحزابهم، أو من أعضاء ينتمون إلى هذه الأحزاب.

لم ندرك، ونحن نحاول الفرار بأنفسنا في الماضي من محظورات المحكمة الدستورية، ومؤيدي الفكر الكمالي المدعومين من الجيش التركي أننا سنقع في فخ جديد؛ يقوم على نظام استبدادي، وحكم سلطوي؛ يضع كافة الصلاحيات في يد فرد واحد فقط. 

كانت أتعس المواقف التي رأيتها بنفسي عندما أعرضت أعداد من المواطنين عن التصويت في الانتخابات. لم يدرك هؤلاء حينها أنهم لن يرحلوا عن السلطة. ولماذا يرحلون؟ فأنتم عندما تمتنعون عن التصويت، فإنهم سيسرقون الأصوات، وتتعاظم قوتهم ومقاومتهم.

ومن ناحية أخرى، أود أن ألقي السؤال التالي على كل من يعتقد أن "قوتهم ستتهاوى عندما تشتد الأزمة الاقتصادية، وبالتالي سيظهر من حلفائهم من سيحجم عن التصويت لهم":

هل تعتقدون أن شخصاً ينفق مائة مليون دولار لبناء قصر مَصِيف، ويستقل طائرة شديدة الرفاهية بمئات الملايين من الدولارات، تزامناً مع انهيار الاقتصاد، هل تعتقدون أنه يفكر في الرحيل؟

كان أكثر سؤال يُوجَّه إلى نجم الدين أربكان، وهو يخوض غمار المعترك السياسي "سيدي، هل من الممكن أن يمنحك الجيش صلاحيات في حكم تركيا، حتى لو استطعت الفوز بالأصوات؟ وكان أربكان يدافع حينها ويقول "سترون أنهم سيعملون لصالح الوطن أيضاً..".  

وبالمنطق نفسه، طُرِح هذا السؤال على محرم إينجه على النحو التالي "سنعطيك أصواتنا، ولكن هل تثق أنك ستحقق الفوز؟" وبالفعل كانت هذه الانتخابات واحدة من أكثر الكوابيس المفزعة للذين انتخبوا محرم إينجه.. 

لم يعد بعدها مكان للإعلام الحر أو للقانون أو للحريات الفردية الأكاديمية – الاجتماعية أو للحريات..

يمكنكم القول، بعد كل هذا، إن تركيا قد تحوَّلت مع الإسلاميين، الذين جاؤوا إلى الحكم، رافعين راية الحريات، إلى دولة التسلط والقمع. وكيف لا، وهي تشرع في بناء سجون جديدة، وتعلق تنفيذ حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن إطلاق سراح صلاح الدين دميرطاش.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/otoriterizm/yeni-baslayanlar-icin-otoriterlesme &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.