أبريل 01 2018

فرنسا في مواجهة النزعة العسكرية التركية: التصعيد الذي يتجاوز الدبلوماسية

لا تريد تركيا بحسب استراتيجيتها التي انطلقت مع الشهر الاول من العام 2018 أن تدخل في أية مواجهة مباشرة مع أي من الحكومات الاوربية ولا مع أي دولة هي عضو في الناتو. 
تلك كانت الفرضية التركية التي هي اقرب ما تكون الى المثالية منها الى المنطق الواقعي، فتركيا الرسمية تريد من الجميع في الداخل والخارج السمع والطاعة ومن يخرج عن ذلك ستتصدى له الدعاية التركية وتتهمه بتهم شتى اقلّها التعاطي مع الارهاب او دعمه او التستّر عليه او العجز عن مواجهته. 
تلك التهمة الجاهزة سبق وأن الصقتها الدعاية التركية بدول صديقة وحليفة واخرى جارة، ابتداءا من الولايات المتحدة فألمانيا فهولندا فالعراق ففرنسا فغيرها. 
الرضا بالامر الواقع الذي يملى على السواد الاعظم من الشعب التركي يريد الرئيس رجب طيب اردوغان تطبيقه على السياسة الدولية من منطلق الذات العثمانية المتضخمة التي ترى في تركيا دولة عظمى ومجد امبراطوري يبيح لها ما يباح للاعبين الكبار على الساحة الدولية. 

لنشاهد في هذا الفيديو حديث الرئيس التركي ومقاربته للازمة الراهنة مع فرنسا

(عن موقع فرنسا 24)

ولكن يبدو أن صبر الدول الحليفة والصديقة الكبرى صار ينفد تباعا، ابتداءا من هولندا والنمسا وصولا الى فرنسا.  
هذه الدول الثلاثة كانت لها مواقف شديدة اللهجة ضد النزعة الغريبة في السياسة التركية التي تتودد اوربا للدخول في الاتحاد في يد وفي يد أخرى تشكّل ندّا صريحا ومباشرا لدول الاتحاد وترفع الدبلوماسية التركية عقيرتها بأشنع الانتقادات. 
لا يبدو المشهد مريحا ولا مطمئنا للرئيس التركي، الا وهو مشهد العلاقات الفرنسية - التركية، وليس اردوغان مرتاحا لمواقف وتصريحات رئيس فرنسا. 
فمنذ بدء الغزو التركي المعلن للاراضي السورية والحرب الطاحنة التي خاضها الجيش التركي ضد المسلحين الاكراد السوريين المدعومين غربيّا، منذ البدء كانت المقاربة الفرنسية مختلفة تماما عمّا تتوخاه ادارة الرئيس اردوغان. 
بذل اردوغان شخصيا جهدا مضنيا لأحتواء فرنسا واحتواء رئيسها وذهب لملاقاته والجلوس معه وأكثر الاتصالات الهاتفية معه، لكي تمضي خطة اردوغان الى نهاياتها، لا يخالفه فيها احد خاصة من دولة مهمة ومؤثرة كفرنسا. 
لكن تلك الاماني الجميلة لم يكن لها مكان على ارض الواقع، التصريحات الفرنسية المنتقدة لم تتوقف منذ انطلاق ما يسمى عملية غصن الزيتون التي خاضتها اغلب صنوف القوات المسلحة التركية ضد وحدات حماية الشعب الكردي والمتحالفين معها. 
وكلما اطفأ مولود جاويش اوغلو، وزير خارجية تركيا، نيران تصريح حتى اقضّ مضجعه تصريحا أشد. 

عرف عن الرئيس الفرنسي الاسبق تشدّده تجاه موضوع انضمام تركيا الى الأتحاد الاوربي
عرف عن الرئيس الفرنسي الاسبق تشدّده تجاه موضوع انضمام تركيا الى الأتحاد الاوربي

 إن تركيا أقل أوروبية من روسيا ولا مكان لها في الاتحاد الأوروبي. هذا لا يعني بتاتا أني أضمر عداوة للأتراك. نحن بحاجة لهم وهم حلفاء لنا ضمن الناتو. 
أما آفاق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فانها تتعارض مع المنطق والفكر السليم لأن هذه الدولة وفي الكثير من المعايير تعتبر أقل أوروبية من روسيا. 
تركيا تقع في آسيا الصغرى ورغم عظمة حضارتها تبقى فقط بمثابة الجسر بين آسيا وأوروبا. عندما نقول إن تركيا هي أوروبا فهذا يعني أن الحدود الأوروبية تمر عبر سوريا وهذا يتعارض مع الفكر السليم. 
 الدولة التركية الحديثة لا تتوافق مع الكثير من المقاييس الديمقراطية الأوروبية وهي بعيدة كل البعد تاريخيا وثقافيا واقتصاديا عن أوروبا ومن يقول عكس ذلك يتمنى الموت للاتحاد الأوروبي. 

نيكولا ساركوزي

الرئيس الفرنسي الاسبق

واضح ان المقاربة الفرنسية للأزمة مختلفة تماما للنظرة التركية التي تريد تسطيح الامور وتبسيطها وحذف استحقاقات الجغرافيا السياسية من الاجندة الدولية والمضي في حملات فوضوية لا نهاية لها تتعدى سوريا الى العراق وربما الى دول اخرى، فاردوغان يجب ان يعود الى شعبه عشية انتخابات 2019 وقد صال وجال وعاد محملا بالانتصارات وقد تهاوت المدن والحواضر تحت سرفات دبابات جيوشه. 
كانت الصفعة الفرنسية الأولى لتركيا والتي حاول اردوغان تناسيها، هي التي سددها الرئيس الفرنسي ابان زيارة اردوغان لفرنسا في مطلع يناير الماضي، يومها اقترح ماكرون بحضور اردوغان نفسه بصدد علاقة فرنسا بأوربا، اقترح على تركيا شراكة مع الاتحاد الاوروبي كبديل عن الانضمام بهدف الحفاظ على ارتباط هذا البلد باوروبا. 
وقال ماكرون اثر اجتماعه بنظيره التركي بباريس" يجب ان ننظر في ما اذا بالامكان اعادة التفكير في هذه العلاقة ليس في اطار عملية انضمام بل ربما في اطار تعاون وشراكة مع هدف الحفاظ على ارتباط تركيا والشعب التركي باوروبا والعمل على جعل مستقبله مبنيا على التطلع الى اوروبا ومع اوروبا". 
تصريحات لم ترض الجانب التركي لكن رد اردوغان لم يكن يعني شيئا كثيرا لدى الاليزيه بسبب الرؤية الواضحة التي انتهجها الجانب الفرنسي  في علاقته مع تركيا. 
فرنسا سواء في عهد ما كرون او قبل ذلك كان لها موقف واضح واستراتيجي في مسألة انضمام تركيا الى الاتحاد. 

وتُعد فرنسا فيه قائدة التيار المتشدد المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الأليزيه أصبح الموقف الفرنسي أكثر تشددًا، خاصة أنّه كان قد اتخذ مواقف قوية ومعادية لتركيا عندما كان وزيرًا للداخلية عام 2005، رفض من خلالها الانضمام التركي للاتحاد، وفُهم منها أن أوروبا نادٍ مسيحي ولا يمكن لتركيا "رغم علمانيتها" أن تدخل هذا النادي. 

تصريحات مقابلة متشددة اطلقها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم جاء فيها اذا كانت فرنسا تريد ان تكون وسيطا للأرهابيين فلتفعل
تصريحات مقابلة متشددة اطلقها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم جاء فيها اذا كانت فرنسا تريد ان تكون وسيطا للأرهابيين فلتفعل

تركيا الرسمية، على أية حال، كانت ترى في سياسة ساركوزي الشخصية انها معادية للأتراك، وهناك من وصفه  بالعنصرية وهنالك من حذر من مدى كرهه للأتراك، على مستوى الاعلام التركي، ويدلل على ذلك بملاحظات عديدة، منها مواقفه السابقة من دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، ومنها طريقة تعاطيه مع المسؤولين الرسميين الأتراك والتي كان منها رفضه أن يرد على اتصال رئيس الجمهورية التركية السابق عبدالله غول، عندما اتصل به ليحذره من تمرير مشروع قانون يتضمن تجريم إنكار وقوع عمليات إبادة بحق الأرمن من قِبل العثمانيين في عام 1915. 
في مقابل ذلك لا يمكن تجاهل حقيقة أن تركيا هي ثالث أكبر سوق لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي، وتعمل فيها حوالي ألف شركة فرنسية، وتزيد الاستثمارات فيها عن 11 مليار دولار، كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ حوالي 13.5 مليار دولار. 
كلا الطرفين حريصان على ابقاء تلك العلاقات وتطويرها لكن مواجهة النزعة العسكرية التركية المتضخمة يبدو انه صار اولوية فرنسية تتعدى حدود المصالح وتتجاوز مستوى الدبلوماسية. 
تصريحات وزير الخارجية الفرنسي، جان ايف لودريان،  قاربت تلك النزعة العسكرية التركية المتضخمة فلنقرأ قسما منها: 

 إن مخاوف تركيا المشروعة بشأن أمن حدودها لا تبرر مطلقاً العمليات العسكرية في منطقة عفرين في سوريا. 
وإذا كان القلق حيال الحدود شرعياً بالنسبة لتركيا فإن هذا لا يبرّر على الإطلاق التوغّل العميق للقوات التركية في منطقة عفرين. 
إن السلطات الفرنسية ذكرت هذا مرارا للمسؤولين الأتراك وأبلغتهم بأن فرنسا تأسف للتدخل ضد المسلحين الأكراد في عفرين، و نصحت أنقرة  بوضع نهاية لتدخلها.

جان ايف لودريان

وزير خارجية فرنسا

تصريحات وزير الخارجية الفرنسي المتكررة انتقدت الغزو التركي لشمال سوريا وحذر فيها من الاحتلال والاحتفاظ بالارض
تصريحات وزير الخارجية الفرنسي المتكررة انتقدت الغزو التركي لشمال سوريا وحذر فيها من الاحتلال والاحتفاظ بالارض

ولكي تتكامل الصورة لابد من النظر للطابع السّجالي الذي صار يطبع العلاقات الفرنسة - التركية، فهاهي تصريحات وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو تبدو وكأنها ترد الصاع صاعين على التصريحات الفرنسية متجاوزا لغة الدبلوماسية الى التصعيد اللفظي. 
إن أنقرة تعتبر تصريحات فرنسا عن العملية التركية في منطقة عفرين في شمال سوريا إهانات. 
  فرنسا لا يمكنها إعطاء دروس لتركيا، لا فرنسا، ولا أي دولة أخرى، يمكنها إعطاء دروس لتركيا. إنهم يعلمون جيداً ما هو هدف هذه العملية، نحن لسنا فرنسا التي اجتاحت الجزائر. إن دولاً مثل فرنسا يجب ألا تعطي دروساً في هذه المواضيع. 
لكن تصريحات الرئيس الفرنسي التي اغضبت الجانب التركي لم تكن الا بداية التصعيد الحقيقي الذي لم يتحسّب له الجانب التركي جيدا حيث قال" إذا اتضح أن هذه العملية ستتخذ منحى آخر بخلاف التصدي لتهديد إرهابي محتمل على الحدود التركية، وتبين أنها اجتياح عندها ستكون لدينا مشكلة فعلية معها. لقد دعوت على الفور إلى الحذر وضبط النفس وعبرت عن قلقنا منذ الساعات الأولى". 
ما تلا ذلك هو التصعيد الذي نشهده اليوم، ماكرون يلتقي وللمرة الأولى بوفد يضم ممثلين عن وحدات حماية الشعب الكردية، التي تحاول تركيا إبعادها عن حدودها، وذراعها السياسية حزب الاتحاد الديمقراطي، ومسؤولين مسيحيين وعربا. خلال ذلك يشيد ماكرون بتضحيات قوات سوريا الديمقراطية ودورها الحاسم ضد داعش. 

وزير خارجية تركيا مخاطبا فرنسا: " من انتِ ؟" ورافضا المواقف الفرنسية الاخيرة ومحذرا من عواقبها
وزير خارجية تركيا مخاطبا فرنسا: " من انتِ ؟" ورافضا المواقف الفرنسية الاخيرة ومحذرا من عواقبها

ثم ان ماكرون أكد لقوات سوريا الديمقراطية دعم فرنسا لمسعى إعادة الاستقرار إلى المنطقة الأمنية في شمال شرق سوريا في إطار نظام حكم شامل ومتوازن من أجل منع ظهور داعش مرة أخرى. 
تركيا من جانبها عادت للتصريحات الغاضبة وتعاقبت التصريحات ما بين اردوغان ووزير خارجيته والتي تتلخص بأن تركيا ترفض أي وساطة فرنسية لإجراء حوار بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطية، ثم سيل من الاتهامات بأنهم ثلّة من الارهابيين كانوا يتجولون في الاليزيه ويحضون بمقابلة الرئيس الفرنسي، ولا تكتفي التصريحات المتشنجة من الجانب التركي بذلك، بل تعيد المقولة التي يرددها اردوغان ضد اي من منتقديه: من انتَ او من انتم؟ وهكذا خاطب مولود اوغلو فرنسا قائلا: من انتِ؟ في سجال يتعدى حدود الدبلوماسية الى التصعيد الصريح والمفتوح على تطورات مقبلة لن تسرّ اردوغان ولا نظام حكمه على أكثر الاحتمالات التي يجمع عليها المراقبون.