أحوال تركية
مارس 16 2019

فرهاد تونج: سياسات أردوغان قضت على فرصة تاريخية للسلام

استضافت إذاعة "أحوال بود" التابعة لموقع "أحوال تركية" المطرب الكردي المعروف فرهاد تونج، الذي غادر تركيا بعد قرار الحبس سنتين ورفع دعاوى جديدة ضده. 

لقد تحدث تونج في حواره معنا عن أسباب مغادرته تركيا، وكيف سيواصل كفاحه في الفترة الجديدة، وخارطة الطريق التي سيتبعها في سبيل تأسيس السلام. 

للاستماع إلى الحوار اضغط على الزر:

وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار: 

لا شكّ أن ما أتعرض له ليس سهلاً. لقد قضيت آخر ثلاث سنوات من عمري بالتردد على المحاكم بسبب عدد من الدعاوى المرفوعة ضدي، بتهمة الإساءة إلى رئيس الجمهورية، أو الدعاية لصالح تنظيم إرهابي أو عضويته وما إلى ذلك. هناك سبع دعاوى ضدي في الوقت الراهن وملفات جديدة في الطريق للأسف.  

لقد بات الدفاع عن السلام إزاء الحرب جريمة في تركيا. نحن دافعنا عن الحياة في مقابل الموت، لكن الحكومة اعتبرت ذلك دعاية للإرهاب، لم أهرب من بلدي؛ لأني لم أرتكب أي جريمة تقتضي الهروب، في الحد ذاته كنت أعيش حياة السجين في منزلي، إلا أن السلطة سعت إلى تشكيل إدراك معين عنّي ولا تزال. إنها تحاول إشاعة هذا الإدراك المغلوط عبر الصور التي التقطتُها مع المقاتلين الأكراد الذين حاربوا ضد تنظيم داعش الإرهابي في كل من العراق وسوريا أثناء مفاوضات السلام التي أجرتها حكومة أردوغان مع حزب العمال الكردستاني. تلك المفاوضات كانت فرصة تاريخية لحل المشكلة الكردية المزمنة، نحن عشنا طيلة عقود طويلة أملاً في الوصول إلى هذه الأيام، وتغنينا بأناشيد السلام.

وأنا شخصيا قدمت إسهامات لنجاح عملية السلام الكردي، لكن السلطة تعتبر اليوم بعض الإجراءات والمبادرات جريمةً بعدما كانت تراها قانونية في فترة مفاوضات السلام، وهذا غير منطقي، وهي تبادر الآن إلى اتهامي بالإرهاب بسبب تصرفات وخطوات كانت قانونية، بل شجّعت عليها عندما كانت تجري مفاوضات السلام. لا يمكنكم أن تحولوا فنانًا نذر حياته للسلام إلى إرهابي وخائن لوطنه، لا بد أن أعلن ذلك للجميع. 

ماذا يمكنكم أن تفعلوا لو ضيقوا الخناق عليكم بحيث لا تستطيعون التنفس؟ صدِّقوني إن الادعاءات التي تلصق بي خالية من أي سند وصحة ولا تستحق الرد عليها.

كل شيء بدأ بالتزامن مع تدخلي في حرائق الغابات التي اندلعت في بلدة درسيم الكردية عندما تقاعست السلطات في إخمادها، فبعدما قال وزير الداخلية سليمان صويلو: "إن ذلك المطرب الصوري يحاول عرقلة مكافحة الإرهاب من خلال دعوة قوات الأمن إلى إخماد الحرائق بدلا من مكافحة المسلحين الأكراد." 

هذه التصريحات اعتبرها القضاء أمرًا له من السلطة السياسية بفتح تحقيق في حقي، ولم أكن أنتظر شيئًا آخر من القضاء الذي تحول إلى عصا بيد الحكومة لضرب وتركيع المعارضين، لذلك نظرت السلطات القضائية إلى تصريحات وزير الداخلية فرصة للتحقيق معي. فهي تعدّنا أعداء، وفعلا استغلت هذه الفرصة جيدًا، ولو دخلت السجن لما سمحوا لي بالخروج منه أبدا. كنت قد أعددت نفسي وأفراد عائلتي لقضاء الحبس. وكان بإمكاني قضاء عقوبة الحبس بدلا من مغادرة تركيا؛ لأنني أعلم صعوبات الحياة في الغربة أو النفي. أعلم مدى الألم الذي يشعر به الإنسان عندما يعيش بعيدًا عن بلده وحياته المعتادة والأماكن التي عاش فيها فترة طفولته.

لقد غادرتُ تركيا إلى ألمانيا ليس هروبا بل للوقوف في وجه الممارسات التعسفية والضغوطات والظلم من جانب، والاستمرار في الكفاح والإنتاج الفني من جانب آخر. إنني أحمل في قلبي منذ 40 عاما آلام وأحزان تلك الأراضي التي عشت فيها من خلال أغنياتي. وأنا في مقدمة الشخصيات التي تؤمن باستحالة حل القضية الكردية عن طريق الكفاح المسلح. وفي الوقت الذي تؤكد كل أغنياتي منذ سنواتٍ السلامَ والتعايش المشترك فكيف يمكنهم أن يعلنوني إرهابيا. أي نوع هذا الجهل! لا يستمع إلى أغنياتي الأكراد والعلويون فقط، بل الجميع من كل فئات الشعب يستمعون لها. إنني أحزن كثيرًا؛ لأنني لم أستحق هذه المعاملة.

لم تعد تركيا دولة تسود فيها الديمقراطية والقانون، بل بدأت الدكتاتورية تسيطر على جميع مفاصل الحياة. إن الذين وصفوا حزب العمال الكردستاني أمس بالتنظيم الإرهابي بدؤوا يلصقون اليوم الوصف ذاته بحزب الشعوب الديمقراطي الكردي أيضًا. وذلك لأن الأكراد أبدوا إرادة سياسية قوية تدافع عن ضرورة تسوية المشاكل بالطرق الديمقراطية. هذه الإرادة نجحت في الحصول على دعم نحو 7 ملايين مواطن. لكن يقبع رئيس حزب الشعوب الديمقراطي السابق صلاح الدين دميرطاش حاليا في السجن. لماذا؟ أعتقد أن الحكومة تعاقب الناس بعقلية انتقامية لا تعترف بأي مبدأ أو قانون. فهل هذا أمر يمكن قبوله؟ سألت محامي عما إذا كان ظل في السجون مكان حتى ترغب الحكومة اعتقالي أيضًا؟"، فضحك وقال: "السجون ممتلئة عن آخرها ولا مكان. فالمعتقلون يفترشون الأرض." تركيا لم تستحق هذا المشهد المخجل. 

لا يليق بنا أن نقول بأن هذه الأيام ستمضي ونقعد حتى يأتي الفرج من السماء! يجب علينا أن لا نسكت، ولا بد من مواصلة الكفاح والنضال دون خوف ولو كنا في أرض الغربة والنفي. معظم الفنانين في تركيا معارضون لنظام أردوغان، لذا ينبغي عليهم أن لا يستسلموا لمناخ الخوف والصمت. فهذا سيكون أكبر خيانة لمبادئ الفن قبل كل شيء.

يجب على الجميع القيام بواجبهم حيثما كانوا، سواء في السجن أو أرض النفي. لن يذكر التاريخ أيا من أولئك الذين التزموا الصمت أمام الظلم والتعسفية.

إنني فضلت العيش بشكل مؤقت في أوروبا؛ لأنني أعتقد أنني سوف أتمكن من إدامة كفاحي هنا في أجواء أكثر حرية وفعالية. 

أتابع منذ أسبوع اللقاءات الجماهيرية التي يعقدها أردوغان. لم يبق هناك من لم يعلنه إرهابيا وخائنا. قال في إحدى خطاباته: "الإرهابيون لديهم 10 أو 15 طفلا." من هم الذين لديهم هذا العدد من الأطفال؟ هم الأكراد. إنني استحييت جدًّا وتألمت كثيرًا من هذا الكلام. أليس هذا الكلام دليلاً على نظرته للأكراد؟! كيف يمكن لرئيس الجمهورية أن يرى الشعب بأكمله إرهابيا؟ أنا لا أعتقد أن نسبة دعم أردوغان تبلغ 50٪. معنى ذلك أنه يرى 60٪ من الشعب خونة وإرهابيين وأعداء. لم يبق هناك أي نوع من الجنون إلا ارتكبه من أجل البقاء في السلطة. إنهم قتلوا ومزقوا واستقطبوا وأوقعوا بين الناس. إنهم أناس سيئون ولا يجيدون فن الإدارة. ويصرون على هذه العقلية الإدارية السيئة الشريرة دون هوادة.

يحكمون في تركيا بالأكاذيب والخزعبلات منذ 17 عاما. بينما شعبنا يستحق أن يعيش في ظروف أحسن، ويستحق السلام والحرية. كثير من زملائي اتصلوا بي خلال اليومين الأخيرين وقالوا لي: "نرغب بإرسال أبناءنا/بناتنا إلى خارج تركيا للدراسة، لأنه لم يبق في بلادنا شي من التعليم، فهل يمكن أن تساعدنا في هذا الموضوع؟"
لكن لا يستسلمْ أحدٌ لليأس، فإننا عازمون على إخراج بلدنا من هذا النفق المظلم مهما كان.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/konusa-konusa/ferhat-tunc-iside-karsi-mucadele-eden-kurt-savascilarla-fotograflarim-uzerinden
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.