"فرّق تَسُدْ"... سياسة الدولة التركية في التعامل مع القضية الكردية

 

يمكن أن يتحقق السلم الاجتماعي عندما ينجح المجتمع ويبرع في توفير حلول لقضايا مناطق النزاع الذي ينشأ بأشكال شتى، وذلك حين يتم استخدام ثقافة التوافق والتمثيل والأساليب السياسية والاستفادة منها، وعندئذ يتسنى للعلاقة بين المركز- والمجتمع أن ترتقي إلى مستوى المجتمع والفرد- المواطن بصورة أكثر. وحيث يحدث هذا يمكن أن تظهر دولة-ديمقراطية ترتبط بالقانون العالمي، وعلى الأكثر يظهر مجتمع وفرد-مواطن.
أما حين تعجز السياسة عن حل المشكلات ويستحيل التوصل إلى التوافق في الآراء تظهر في مواجهة المجتمع حكومة مستبدة وقمعية تستطيع الخروج على القانون، وتكون مستقلة غير مسؤولة في مواجهة المجتمع والمؤسسات السياسية.
ومهما تحافظ الدولة على وجودها عبر المهام التي تتحملها فلا بد من تخلص المجتمع من المؤسسات الهرمية القمعية وإعادة صياغة القوانين والإجراءات الرسمية، وتكوين مؤسسات وحكومات شفافة تتبنى فلسفة تحررية، وضمان سلامة الفرد قانونيًا وعدم المساس به تصديًا لتدخلات الحكومة.
وثمة بُعدٌ آخر لتطهير الدولة يتمثل في إجبارها على التخلي عن ممارسة القمع ومحاولة إعادة رسم المجتمع وتصميمه من جديد وقيامها بعملية توجيه عقلي لغرس معتقدات وأفكار وأيديولوجيات بعينها.
إن تنشئة شباب ملتزم دينيًا أو كمالي فكريًا أو اشتراكي أيديولوجيًا وتقييد الشباب في قوالب أيديولوجية لا يدخل في نطاق مسؤولية الدولة. وما يجب استهدافه والتطلع إليه هو توفير مناخ من الحرية للشباب بحيث يكونون باحثين متطلعين للمعرفة ومبتكرين قادرين على التفكير بأسلوب نقدي وتحليلي، وعلى تكوين وجهة النظر الخاصة بهم.
إن إعادة مناقشة مهام الحكومة وواجباتها تحتم طلبًا متحررًا يقترح إلغاء المؤسسات السلطوية القائمة على الفهم المركزي. ولأجل هذا أيضًا ثمة حاجة ماسة وحتمية للتصدي للمفاهيم المركزية الساعية إلى تأميم كل المجالات وإخضاعها للدولة.
إن الميول إلى تحقيق المركزية تؤدي إلى انحسار السيادة والهيمنة في "حكومة مستبدة"، وتحويل المجتمعات إلى ميليشيات مسلحة، وبينما يحدث هذا تتطور تقنيات لصالح تقوية تلك المؤسسات السلطوية.
وحين تُثار المشاعر القومية وتُحرك تؤدي في الواقع إلى حماية المركزية التي تخلق نوعًا من التأثير المنفّر، ويتم حظر الاختلافات الثقافية الإقليمية، ومن ثم خلق مظاهر شتى من القمع والضغوط على الأقليات العرقية والدينية. وهذا هو المشهد الذي تعيشه تركيا اليوم.
إنه لحتمي وإجباري أن يتم إلغاء المؤسسات المركزية وذلك بقيام المجتمع والإدارة الذاتية بتوسيع قدراتهما على تحديد الذات بصورة ذاتية. وهذه الحتمية تمثل أهمية حيوية بالنسبة لتركيا.
إن النقلة التي سيتم الوصول إليها عبر تحويل الدولة إلى مؤسسة اجتماعية تتمثل في قدرة الفرد تحديد هويته بنفسه وإدارته لنفسه وحكمه إياها اعتمادًا على التعاون الاجتماعي، وأن تصبح السياسة أكثر تحريرية في المحتوى والمضمون.
وبهذا المعنى فإن عمل اليسار واضطلاعه بدوره في تحقيق هذا مهم جدًا. ويُعاب على اليسار عدم انتقاده الدولة، وعدم تبنيّه فهمًا إداريًّا لا مركزيًّا، ولا امتلاكه تصوراً لمجتمع يعتمد أساسًا على تنظيم نفسه وترتيب شؤونه بنفسه وعلى مركز/ حكومة مستعدة لتحقيق التوافق، ويكون مهتمًا بالتعاون، وفضلًا عن عدم نقد اليسار الدولة والحكومة هناك أيضًا عدم تفكيره في فلسفة وفهم ينتقد مشكلات الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية أيضًا.
لهذا السبب يجب على اليسار أن يتخذ موقفًا وسلوكًا مناهضًا للعنف والهيمنة، ويكون قادراً على إدارة الذات، مؤيدًا للحريات؛ فلقد بات من الضروري أن يعيد اليسار هيكلة نفسه من جديد على أساس يأتي بمقترحات وأفكار تضع خطة ومشروعًا لتصور اجتماعي بشأن تفعيل دور المجتمع والفرد بصورة أكثر، والدولة على نحو أقل، ويُسقط المؤسسات الاستبدادية في جميع المجالات والقطاعات.
وتاريخيًا أرادت البيروقراطية العسكرية التي كانت تمثل الدولة في تركيا أن تخلق شعبًا بمواصفات معينة كنتيجة حتمية للظروف، غير أن هذه البيروقراطية حين كانت تحاول خلق الشعب الذي ترغب فيه قد تعذر عليها تحقيق أي توافق مع فئات المجتمع التي تطالب بالحقوق والحريات. وكان التأكيد على الهوية العرقية التركية في هذه المؤسسة يجعل الإسلام السُّني وسيلة وذريعة للتحكم في الحكومة المركزية، وبذلك تم التوصل إلى توليفة تركية إسلامية. وجميع رموز هذه التوليفة لا تزال فاعلة ومؤثرة في الأحزاب السياسية كلها باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي.
لقد تشكلت السياسة في هذه المنطقة التي ورثتها من امبراطورية متعددة الشعوب معتمدةً على عقلية قهرية وعنصرية تقصي غير عناصرها، وتفرض التماثل عليهم. فلقد تم حل مفهوم الإرهاب والجرائم السياسية وتمويهه مع مفهوم القانون الجنائي الموروث عن العثمانيين في داخل التشريع الجنائي السياسي والاجتماعي والشخصي.
هذا الوضع لا يزال مستمرًا وقائمًا فيما يتعلق بظلم آلاف الناس من مختلف الفئات: الصحافيين والأكاديميين ورجال الأعمال والكُتَّاب والموظفين على المستوى الاجتماعي والفردي، عبر حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري على الصعيد السياسي.
إن الشيء الغريب في السياق التركي هو كون النظام الذي تم تصوره وتكوينه يستند أساسًا إلى الضغط والاضطهاد الذي يُمارس ضد الأكثرية والأغلبية أكثر من اضطهاد تمارسه الأكثرية والأغلبية. وبعمل مثل هذا النظام فقد أُريد ضمان بقائه بالمحافظة على وجود مجموعة من المخاوف والهواجس بصورة مستمرة.
إن دفع قطاع معين من المجتمع إلى الشعور بقلق دائم خوفًا من الشريعة والانقسام عبر الحداثة والعلمانية كان يشكل أساسًا وذريعة للتضحية بقطاعات تشكل الأغلبية والإضرار بها.
إن الجميع ضحايا في ظل هذا النظام؛ الأكراد والعلويون وغير المسلمين وكذلك المحافظون الذين هم خارج إطار صورة المسلم وفقًا للنمط الذي فرضه هذا النظام أيضًا. ولم يصل ممثلو المجتمع في تركيا حتى اليوم إلى الكفاءة والقدرة والعقلية التي تمكنهم من حل المشكلات القديمة التي تعيشها تلك القطاعات.
إن الدولة منذ الإمبراطورية العثمانية وحتى اليوم، بما في ذلك الجمهورية، مارست وتمارس سياسة "فَرِّقْ تَسُدْ" في القضية الكردية. وقد استقطبت الدولة إلى صفها من استطاعت تطويعهم ومسخهم كما شاءت، بينما تجاهلت ونفت من قاوموا محاولات المسخ ونكَّلت بهم، وهجّرتهم، ولم يتم الوفاء بالوعود التي أعطيت للأكراد بشأن الاعتراف بحقوقهم. وتم تجاهل هويتهم وثقافتهم ولغتهم وإنكارها. وقد ظلت أساليب القمع تمارس ضدهم بسبب الخوف من الانقسام، أما غير المسلمين فقد تم استيعابهم بممارسات القمع والاضطهاد على المستوى الاجتماعي، وصُودرت ممتلكاتهم وأصولهم المالية، وكان الهدف من ذلك إجبارهم على ترك أماكنهم وأوطانهم. ومما يؤسف له أن تم النجاح في تحقيق هذا بنسبة كبيرة.
لقد أغلقت دور عبادة العلويين، ومنع قادتهم من استخدام ألقابهم الدينية. واستمرت محاولات مسخهم وإجبارهم على قبول المذهب السُّني في الإسلام.
وعلى خلاف مبدأ العلمانية وُضِعَ "الدين" تحت رقابة الدولة بواسطة رئاسة الشؤون الدينية، وحُوِّل إلى دُمية في يدها. وحُرم المسلمون المحافظون من التطور والدعم الاجتماعي للدين، وقُمعوا واضطُهدوا ببث مشاعر الخوف من الشريعة.
ولقد قامت البيروقراطية بتعميق هذه الأزمات والمآزق بصورة أكثر من خلال الانقلابات والتدخلات، أما السياسة فلم تستطع استخدام الصلاحيات والسلطات التي منحها الشعب إياها فتغاضت عن المشكلات وأهملتها. أما الوضع الذي نعيشه حاليًا بعد مرور 94 عامًا على تأسيس الجمهورية فليس مبشرًا ولا يدعو إلى التفاؤل، فمع تعميق المشكلات نفسها أصبح السلم الاجتماعي في خطر حقيقي.
أما لغة السياسة ووسائل الإعلام ولسان حالهما وشعارهما فهو ستر الحقائق، وقد منعا الضحايا من التعاطف مع بعضهم البعض، وشعور كل منهما بألم الآخر على نحو متبادل، والحيلولة دون انكشاف حقيقة أن الدولة هي من يقف أيديولوجيا خلف كل المشكلات أساسًا.
لقد انهار اليوم النظام الذي ينزلق وينجرف بسبب عقلية أحادية إقصائية ترفض قيم الحقيقة والعدالة والضمير والقانون، وغرق في القاع. فمن المهم بعد أن تستمع الفئات المظلومة والواقعة ضحية أساسًا إلى بعضها البعض، عن طريق الحقيقة وتفهم بعضها، وتتمكن من التعاطف فيما بينها فتصل إلى التوافق في الآراء.
إن جميع القطاعات الواقعة ضحايا لهذا النظام عليها أن تجتمع فيما بينها، وتضع سويًا مبادئ العيش في سلام ومساواة وحرية وفي ظل سيادة القانون رغم ما بينها من اختلافات وتباينات.
لا بدّ من صياغة عقد اجتماعي جديد يستطيع إنشاء ديمقراطية تعتمد أساسًا على دولة القانون العالمية والمشروعة التي تعترف بالتعددية والتشاركية والتحررية.
إن القضية الأساسية تتمحور في تحديد الجهة السياسية الفاعلة التي ستنجز هذا الأمر. وطالما أنه لم يطلب المجتمع هذا ولم يضغط من أجل تحقيقه فإن تحقيق هذا الأمر يبدو صعبًا غير يسير.
هناك أشخاص وأناس كثيرون يشكلون جزءًا مهمًا من المجتمع وينتمون إلى كل قطاعاته يؤمنون بصدق التحليل الوارد أعلاه وبضرورة اتخاذ خطوة جديدة. المهم هنا هو أن تتمكن قطاعات المجتمع هذه من الاتحاد وأن تصل إلى من ينتظرون في حالة من اليأس والقنوط فتبعث فيهم الأمل وتحركهم.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/demokrasi/hakikat-empati-uzlasi
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.