جان تيومان
فبراير 03 2019

فشل فكرة التجارة بالعملة المحليّة.. ومصير مادورو وأردوغان

يشهد سعر صرف الدولار الأميركي حالة هدوء في أسواق المال التركية في الفترة الحالية، ولذلك لا نسمع كثيرًا عن الحملات والخطابات المناهضة للعملة الأميركية. فمثلًا لا يتمّ ترديد عبارات التهدئة اللطيفة مثل التجارة بالعملة المحلية بهدف كسر هيمنة الدولار على النطاق العالمي. 

ولكن بعد استهداف مادورو زعيم فنزويلا الأوتوقراطي مِن قِبَلِ الرئيس الأميركي ترامب، والذي لا يختلف عنه كثيرًا في الحقيقة، يُحتمل أن تبدأ حملة جديدة قريبًا.

فمن المعلوم أن ترامب يحاول إسقاط مادورو بالدولار أي بالقوة الاقتصادية.

والواضح أن الرئيس أردوغان أيضًا الحاكم الأوحد في تركيا، والمتهم بالاستبدادية، أصبح، وهو على الجانب الآخر من المحيط، طرفًا في المعركة الدائرة بين هذين الزعيمين المستبدّين. وكما هو متوقع أن يصبح أردوغان طرفًا، فإنه وقف إلى جانب مادورو الذي أقام معه علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة في السنوات الأخيرة.

ويبدو زعماء فنزويلا، دولة أميركا الجنوبية الغنية بالثروات باطنًا الفقيرة ظاهرًا، وكأنهم فرع في القارة الجديدة في التحالف المناهض للدولار والمخطط لإقامته منذ فترة طويلة. حيث تعمل فنزويلا أيضًا مثل إيران وروسيا وتركيا، والصين بعض الشيء، كعضو في الجبهة الراغبة في رفع راية التمرد ضد هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم من خلال عملتها.

ومثلها مثل الآخرين؛ تسعى فنزويلا إلى إقامة اقتصاد عالمي يعتمد على الذهب أو على أفكار أخرى بديلًا عن الدولار الأميركي. حتى إنها جربت العام الماضي إصدار عملة إلكترونية شبيهة بالـــ"بتكوين" كبديل للدولار. وهذه العملة التي من الواضح أن تركيا أيضًا استثمرت بها لم تتجاوز كونها كارثة.

من جانب آخر، وبينما تحدث كل هذه الأمور، أي بينما تسعى كتلة من الدول المتمردة على الهيمنة الأميركية في العالم إلى زعزعة عرش الدولار الأميركي بأساليب مختلفة، بدا واضحًا أن الدولار أيضًا عزّز عرشه في الحقيقة.

وعلى الرغم من أن هذه الدول التي تشكل نحو خمس اقتصاديات وسكان العالم لجأت في السنوات الخمس أو الست الأخيرة إلى إطلاق حملات مناهضة للدولار؛ فإن أرقام البنك المركزي الأميركي تشير إلى أن كمية الدولارات المطبوعة في العالم اليوم هي خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل 10 سنوات. وبينما بلغ حجم الميزانية العمومية للمجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتي تظهر قيمة الدولار في السوق، 900 مليار عام 2008، فإنه الآن قريب من 4.5 تريليون دولار.

علاوة على ذلك لا يوجد خلال هذه الفترة انخفاض في قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية. فمؤشر الدولار الذي يقيس قيمته مقابل أكثر ست عملات تداولًا وتعاملًا أعلى بنسبة 10 في المائة تقريبًا مقارنة بالعام 2008 عندما بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي تشغيل مطبعته المالية.

أي إن قيمة الدولار حاليًا أعلى من قيمته قبل 10 سنوات بالرغم من التوسع النقدي. وعلى الرغم من هذا، لا يزال معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة الأميركية أقل من 2 في المائة، وتاريخيًا يبدو عند المستويات الأكثر اعتدالًا.

من ناحية أخرى انتشرت وفرة الأموال التي أوجدها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في جميع أنحاء العالم مما خلق تأثيرًا مضاعفًا من خلال سوق الائتمان. واليوم فإن العالم، وعلى رأسه الدول النامية، مدين أكثر للولايات المتحدة الأميركية.

فمثلًا زادت الديون التركية الخارجية بالدولار الأميركي بنسبة 91 في المائة مقارنة بما قبل 10 سنوات، لترتفع من 137 مليار دولار إلى 262 مليار دولار. والوضع في كل من روسيا والصين اللتين رفعتا راية العصيان على الدولار الأميركي ليس مختلفًا.

وبالنظر إلى أن قوة العملة تنشأ من استخدامها وانتشارها أساسًا، أي من تعدد الطلب عليها، فإن القوة الاقتصادية الأميركية الحالية زادت بشكل يعادل هذا النجاح في الدولار. لهذا السبب فإن أميركا تختار طريقة إخضاع خصومها من خلال استخدامها القوة المالية بدلًا من الحرب الساخنة كما كان في القرن العشرين.

ومن انعكاسات قوة الحرب الاقتصادية هذه الحرب التجارية مع الصين، والعقوبات على روسيا وإيران، وتهديد تركيا بالقضاء عليها اقتصاديًا ردًا على عملياتها في سوريا، وأخيرًا عملية التغيير القسري للرئيس في فنزويلا.

وبالطبع فإن الدول التي رفعت راية العصيان على هذه القوة الأميركية تبحث عن حلول جديدة كشراء الذهب بدلًا من الدولار؛ فمئات المليارات من الدولارات في روسيا والصين وتركيا تم استثمارها في شراء الذهب خلال الــ 5- 6 سنوات الماضية؛ إذ تنوي هذه الدول استخدام الذهب كرافعة في الحرب العالمية ضد الدولار.

لكن ثمة مشكلة هنا؛ فأسعار الذهب لا تزال تُحدد عالميًا في لندن. ومن يحددون هذه الأسعار ليسوا سوى بنوك أميركية وبريطانية وبضعة بنوك أوروبية شركاء لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بالبنك المركزي الأميركي. والواقع أن كمية احتياطيات الذهب في الولايات المتحدة الأميركية وفي الكتلة الغربية أكثر بكثير مما لدى تلك الدول التي بدأت حديثًا تنتبه إلى الذهب وتعشقه.

لذلك فإن سياسة التمرد على الدولار، أي النظام النقدي الذي وضعته الكتلة الغربية، من خلال تخزين الذهب تبدو عملًا مثيرًا للسخرية تمامًا.

أما التجارة بالعملة المحلية، والتي هي أداة سياسية أخرى تم طرحها في السنوات الأخيرة كوسيلة للتصدي لقوة العقوبات السياسية والاقتصادية الأميركية فهي مأساة أخرى. فليس هناك سوق هكذا على الرغم من الخطوات التي تم اتخاذها بقيادة تركيا في السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من رغبة أردوغان استخدام العملة المحلية في التجارة الثنائية التي حاول استعمالها كبديل للهيمنة الأميركية فإن الأرقام في هذا المجال وعلى رأسها التركية تمثل خيبة أمل كاملة. والجدول الآتي يظهر حجم استخدام الليرة التركية في تجارة تركيا الخارجية:

التجارة الخارجية بالليرة التركية (بقيمة مليار دولار)

العام

التصدير

الاستيراد

الإجمالي

2012

4.490

9.482

13.972

2013

5.356

11.394

16.750

2014

6.695

12.421

19.116

2015

6.090

13.557

19.647

2016

7.787

14.274

22.061

2017

13.947

17.730

31.677

2018*

6.979

10.866

17.845

2017*

13.170

16.463

29.633

*: يناير- نوفمبر

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

تشيرالأرقام إلى أن معاملات التجارة الخارجية بالليرة التركية قد انهارت العام الماضي بينما كانت تصاعدت سريعًا لاسيما في عام 2017 نتيجة تحفيزات الرئيس أردوغان. والمعاملات التجارية الخارجية التي جرت بالليرة التركية في الفترة يناير- نوفمبر 2018 تبدو قد انخفضت بنسبة 40 في المائة مقارنة بالعام الماضي. ومما شك فيه أن التقلب الكبير وانعدام الثقة الذي عانت منه الليرة التركية خلال العام قد لعب دورًا أساسيًا في هذا.

من ناحية أخرى فإن التطورات التي شهدتها التجارة الخارجية التركية لا تتضمن أية علامة على أنها قطعت مرحلة كلية رغم محاولات إنزال الدولار من على عرشه.  وفي الجدول الآتي تُصنف حصص الليرة التركية والدولار من إجمالي حجم التجارة الخارجية التركية:

نسبة الدولار الأميركي والليرة التركية في التجارة الخارجية التركية (%)

العام

الليرة التركية

الدولار الأميركي

2012

3.59

57.09

2013

4.15

57.48

2014

4.78

57.10

2015

5.60

54.20

2016

6.47

50.40

2017

8.11

50.69

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

تكشف الأرقام أنه بالرغم من كل الجهود لم يتسنَّ تحقيق كثير من النجاح في الحرب الاقتصادية التي أعلنتها تركيا ضد أميركا التي أصبحت منذ فترة طويلة العدو الأهم في السياسة الخارجية لتركيا ولا سيما لسلطة أردوغان.

لقد بات من الواضح كم تحولت إلى خيبة وفضيحة فكرة التجارة الخارجية بالعملة التركية التي أطلقها أردوغان وكتلته من أجل إسقاط الدولار الذي يعتقد أنه يُستخدم كوسيلة للحرب.

ولذلك فإن زعيم تركيا الاستبدادي يبدو وكأنه في حاجة إلى الكثير من الشعارات مثل "نريد أن يصل حجم التجارة مع أميركا إلى 75 مليار دولار" والذي يبدو أمرًا أكثر عقلانية بالنسبة له، بدلًا من مخاوف من قبيل "إن يسقط مادورو يتوجهون إلى أردوغان".

وإن لم يُرضِ هذا التحول في السياسة معارضي الولايات المتحدة الأميركية في كتلته فربما يكون الأفضل بالنسبة للأفكار الخيالية مثل تحدي الغرب من خلال إقامة شراكة مع روسيا وإيران والصين.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/tlyle-ticaret-fiyaskosu-ve-erdogan-ile-maduronun-kaderi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.