فضيحة برامج التجسّس تكشف معايير ألمانيا المزدوجة تجاه تركيا

 

توضح قضية إمداد شركة غير مشهورة السلطات التركية ببرامج تجسس للتلصّص على ناشطي المعارضة إلى أي مدى تختلف العلاقات التجارية مع الحكومة التركية المستبدة عن الخطاب السياسي لبرلين.
فعلى الرغم من أن عدد الشركات الألمانية العاملة في تركيا تراجع منذ أن شنّ الرئيس رجب طيب أردوغان حملة على مُعارضيه السياسيين في عام 2013، توافق برلين على عقود مدنية وعسكرية مهمة تدعم نظامه الاستبدادي.
واستخدمت حكومة أردوغان برنامج "فينسباي" الإلكتروني، وهو برنامج طورته شركة فينفيشر التي تتخذ من ميونيخ مقرا، للتجسس على أعضاء حزب الشعب الجمهوري – وهو حزب المعارضة الرئيسي– ونشطاء آخرين بحسب ما ذكرته وسائل إعلام ألمانية. واستُخدم البرنامج بشكل أساسي في يوليو من العام الماضي خلال احتجاج استمر على مدار ثلاثة أسابيع ضد حكم أردوغان نظمه زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو. وذكرت تقارير أن حسابات زائفة على موقع تويتر قادت المحتجين إلى موقع يمكنهم من خلاله تحميل تطبيق كان يعد بإطلاعهم على أحدث أخبار التظاهرات، لكنه كان بدلا من ذلك يُنَصّب برامج تجسس على أجهزتهم.
ولم يتوافر أحد للتعليق في فينفيشر لدى الاتصال بالشركة هاتفيا.
وبينما تعهدت الحكومة الألمانية بفتح تحقيق –حيث دعا نواب من المعارضة التحالف إلى توضيح الموقف بصورة عاجلة – تؤكد تصرفات تحالف المستشارة أنجيلا ميركل أن هناك القليل من الثقة في أن نهجه هذا سيتغير.
ووافق تحالف ميركل على مبيعات أسلحة بنحو 30 مليار دولار لقوى خارجية خلال الفترة بين عامي 2014 و2017، بزيادة مقدارها الخُمس عن السابق. وقفزت المبيعات إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي 47 بالمئة إلى 15 مليار دولار.
وتركيا أردوغان من بين المستفيدين من هذه السياسة الألمانية الرخوة. فعندما قرر أردوغان غزو سوريا في يناير لمحاربة المسلحين الأكراد – حلفاء حلف شمال الأطلسي الأكثر تأثيرا في التخلص من تنظيم الدولة الإسلامية – كانت الدبابات التي دخلت من إنتاج ألمانيا.
وبينما رضخت ميركل لضغوط سياسية لتأجيل تحديث 354 دبابة من طراز ليوبارد 2 جرى توريدها من شركة كراوس مافاي فيغمان للهندسة الميكانيكية التي تتخذ من مدينة كيل الألمانية مقرا خلال الفترة بين عامي 2005 و2011، تتشكك أحزاب المعارضة في أن هذا يمثل تغيرا حقيقيا في سياسات برلين المتناقضة تجاه تركيا وأنظمة أخرى مستبدة.
ويسعى البلدان إلى تطبيع العلاقات بعد أزمة أحدثتها تعليقات أردوغان التحريضية تجاه برلين قبيل استفتاء في أنحاء البلاد حول سلطات رئاسية موسعة في أبريل من العام الماضي. وكانت ميركل، المتعطشة إلى دعم تركيا في الحد من تدفق اللاجئين القادمين من سوريا، هي التي زارت أردوغان قبل الانتخابات العامة في نوفمبر 2015 مباشرة وسمحت بالتقاط صور معه، وهو الأمر الذي انتقدته الصحافة الألمانية.
ويقول نواب، ومن بينهم أوميد نوريبور من حزب الخضر، إن الحكومة لا تتخذ الإجراء اللازم.
وعلق على ذلك بالقول بأنه "كان يكفي أن تلتزم الحكومة الألمانية بقواعدها الاسترشادية، لكنهم لا يفعلون".
تأسست فينفيشر عام 2008، وهي واحدة من عشرات الآلاف من الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة الحجم التس تُعرف "بالطبقة الوسطى"، وهي شركات ذات ملكية خاصة وغالبا ما تكون شركات تديرها عائلات. وهذه الشركات ليست لها أسهم متداولة في البورصة، وهو ما يسمح لها بتنفيذ أنشطة في دول مثل تركيا من دون الخضوع لإجراءات الفحص الدقيق التي تخضع لها الشركات الأكبر المدرجة في البورصة. 
وتفتخر فينفيشر على موقعها الإلكتروني بعلاقاتها الوثيقة بأجهزة الشرطة والاستخبارات في أنحاء العالم، والتي تقول إنها تستخدمها "لمنع الإرهاب والجريمة على نحو فعال والتحقيق فيهما". كما خضعت الشركة للفحص الدقيق فيما يتعلق بتعاملاتها مع حكومات إثيوبيا والبحرين ومصر. وتسوق الشركة منتجاتها عبر جاما إنترناشيونال ليميتد، وهي شركة مقرها بريطانيا يديرها أشخاص عملوا سابقا في مجال الأمن.
وتساعد شراكة ألمانية تركية أخرى أردوغان على إنتاج الدبابة المقاتلة الخاصة ببلاده، وهي الدبابة ألتاي. ويريد أردوغان أن يكمل المشروع بحلول الذكرى المئوية التركية في عام 2023 لإظهار النجاح الذي حققته حكومته.
وستنتج راينميتال، الشريك الألماني، أول 100 إلى 200 دبابة من نحو ألف دبابة مخطط لإنتاجها. كما وقعت راينميتال وشركة بي.إم.سي التركية المتخصصة في صناعة السيارات – والمملوكة لحليف أردوغان التجاري إيتام سانجاك منذ العام الماضي، اتفاقا في يناير لتحديث الدبابات ليوبارد.
وذكرت صحيفة صباح اليومية أنه خلال الفترة من 18 ديسمبر إلى 24 يناير، قبل غزو تركيا لسوريا مباشرة، أصدرت ألمانيا 31 تصريحا لتوريد أسلحة لتركيا.
ويوفر نهج الأعمال الذي تتبعه شركة الطرود الألمانية دي.إتش.إل – وأكبر مساهميها الدولة الألمانية – المزيد من الدلائل على مدى استفادة ألمانيا من سياسات الرئيس التركي الاستبدادية المشكوك فيها اقتصاديا. 
ووقعت دي.إتش.إل اتفاقا بقيمة 60 مليون يورو لتحويل ثالث مطارات إسطنبول إلى مركز لوجيستي إقليمي يربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وقالت الشركة في مارس إن المشروع سيستغل أرضا بمساحة تصل إلى 42 ألف متر مربع في المنشأة الجديدة.
وسيكون المطار البالغة تكلفته 10.2 مليار دولار الأكبر في العالم إذا وصل إلى طاقته الكاملة، وهو المشروع الرئيسي في برنامج أردوغان للاستثمار الوطني الذي يشمل أيضا جسورا وطرقا ومستشفيات.
وما زال المطار المترامي الأطراف تحت الإنشاء ولم يطلق عليه اسم بعد، على الرغم من أن هناك تكهنات واسعة بأنه سيحمل اسم الرئيس نفسه، وهو محور لحملة أردوغان لانتخابات يونيو في المحافل السياسية في أنحاء البلاد.
واستخدم أردوغان مثل هذه الاستثمارات، التي تشكلت إلى حد كبير من خلال شراكات بين القطاعين الخاص والعام، في قيادة النمو الاقتصادي وزيادة شعبيته بين الناخبين الأتراك وتعزيز نفوذ حكومته في الخارج.
وأحدث أهدافه هو استبدال الديمقراطية البرلمانية التركية بنظام رئاسي بالكامل بعد انتخابات مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو.
ووقعت دي.إتش.إل اتفاق الاستثمار مع شركة آي.جي.ايه المشغلة للمطار. والكونسورتيوم مملوك لخمس شركات أخرى تربطها علاقات تجارية وثيقة جدا بأردوغان – وهي جينغيز إنزات وكولين ومابا وكاليون وليماك. وتدير تلك الشركات فيما بينها حصة كبيرة في أكبر مشروعات التنمية في تركيا.
وعلى سبيل المثال، فإن جينغيز وليماك وكولين شركاء أيضا في إنشاء طريق سريع بتكلفة قدرها 2.3 مليار دولار يدور حول اسطنبول ويربط المطار الجديد بجسر ثالث يمر فوق مضيق البوسفور. ووفقا لتقارير صحفية تركية فإن محمد جينغيز، مالك جينغيز إنزات والصديق المقرب من أسرة أردوغان، دفع تكلفة الالتحاق بالجامعة في الولايات المتحدة لابنتي أردوغان.
وبينما انضمت ميركل إلى جوقة انتقاد التداعي السريع لسجل الديمقراطية في تركيا في ظل حكم أردوغان، تسعى دي.إتش.إل وشركات ألمانية أخرى إلى تعزيز مصالح البلاد في أوروبا.
وقال الرئيس القُطري لدي.إتش.إل في تركيا كلاوس لاسن إن تركيا يجب أن تستفيد أكثر من اتفاق الاتحاد الجمركي الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي، فضلا عن اتفاقات التجارة الحرة الأخرى. وتعارض ميركل العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي لكنها تدعو إلى بدائل أخرى تستثيها.
وهناك نحو ستة آلاف شركة ألمانية لها نشاط في تركيا. وقد نفذت تلك الشركات استثمارات بأكثر من عشرة مليارات دولار منذ أن وصلت حكومة أردوغان إلى السلطة في عام 2002. وبلغ إجمالي حجم الصادرات الألمانية إلى تركيا 21.5 مليار يورو في عام 2017، بينما بلغ حجم الواردات نحو 15.6 مليار يورو وفقا لوكالة الإحصاءات الألمانية الحكومية.
لكن ليست جميع الشركات الألمانية مستمسكة بالبلاد.
فقد دفع فرض أردوغان لحالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في عام 2016، وتشديد قبضته على الصحافة المحلية، أكسل شبرينغر – وهي أكبر شركة إعلام ألمانية – إلى سحب استثماراتها التركية قبل الوقت الذي كان مخططا له. وتبيع أكسل شبرينغر حصتها المتبقية في تلفزيون دوغان، والبالغة نسبتها سبعة بالمئة، مقابل 160 مليون يورو بعد أن أصبحت الشركة الألمانية "فاقدة للثقة بسبب التطورات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية" بحسب قول رئيسها التنفيذي ماتياس دويبفنر أوائل شهر مايو. وجاء القرار بعد بيع الشركة الأم الرئيسية إلى حليف تجاري آخر للرئيس، وهو أردوغان ديميرورين أواخر شهر مارس. وتسيطر وسائل الإعلام الموالية لأردوغان حاليا على نحو 90 بالمئة من القطاع.
وما زال انسحاب أكسل شبرينغر يبدو حالة متفردة فيما يتعلق بالاستثمارات الكبرى.
وبينما حذر اتحاد الصناعات الألمانية من انحدار الديمقراطية في تركيا منذ أن سحق أردوغان الاحتجاجات العامة ضد حكمه عام 2013، فإنه ما زال يشجع أعضاءه على الاستثمار مشيرا إلى تعداد السكان البالغ نحو 80 مليون نسمة والآخذ في الزيادة بسرعة، وإلى معدل النمو الذي فاق نظيره في الصين العام الماضي.
بيد أن بعض الشركات الألمانية تضررت من حدة سياسات أردوغان الاقتصادية ونهجه في مجال الأعمال. ويثير هبوط الليرة في الآونة الأخيرة مقابل الدولار شبح الكساد في البلاد. يذكر هنا أن البنك المركزي اضطر إلى رفع أسعار الفائدة بشكل عاجل هذا الأسبوع بعدما صار هبوط العملة الحر ينذر بأزمة شاملة.
ويأتي هبوط الليرة – التي خسرت نحو 20 بالمئة من قيمتها هذا العام – بعد سلسلة من إجراءات الحوافز الاقتصادية التي اتخذها أردوغان، والتي ركزت على قطاع البناء وحوافز الاستثمار على وجه الخصوص. وينذر انخفاض قيمة العملة بوضع الكثير من الشركات التركية المتعددة الأنشطة تحت ضغط مالي كبير، إذ إن حجم ديون الشركات بالعملات الأجنبية يصل إلى نحو 227 مليار دولار، وهي ديون يجب سدادها ودفع خدمة الدين عليها بقيمة العملة بعد الخسارة التي منيت به الليرة.
ومالكو المطار الجديد من بين من يسعون للحصول على تمويل جديد. وذكرت بلومبرج الشهر الماضي أنهم يعقدون مباحثات مع الدائنين للحصول على مبلغ إضافي بقيمة مليار يورو (1.2 مليار دولار) لإكمال المرحلة الأولى من المشروع. وتقول الحكومة إن مطارا موجودا في غربي اسطنبول سيُغلق وستُحول الرحلات إلى المطار الجديد في شهر أكتوبر.
ووافقت بنوك تركية على قرض مبدئي أجله 16 عاما بقيمة 4.5 مليار يورو للكونسورتيوم في عام 2015. وستساعد الأموال الإضافية الكونسورتيوم على الانتهاء من أعمال إنشاء المطار الذي يضم ستة مدارج، والمصمم لاستيعاب 90 مليون راكب سنويا في مرحلته الأولى.
وحتى أبريل، لم يكن قد اكتمل سوى مبنى ركاب ومدرج واحد. وما زالت مناطق انتظار سيارات الأجرة وطرق الربط وأبراج التحكم لم تظهر بعد وفقا لمراقبين زاروا الموقع وطلبوا عدم الكشف عن هوياتهم.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:
https://ahvalnews.com/germany-turkey/spyware-scandal-underscores-german-double-standards-turkey-ahval-series-business
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.