جان تيومان
ديسمبر 02 2017

فقاعة المقاولات تُهدّد البنوك وتُحذّر من أزمة رهن عقاري

الرغبة في النمو عبر قطاع الإنشاءات والإيجارات تلقي بظلالها على فترة حكم حزب العدالة والتنمية، ولذلك فقد أثرت بشكل كبير على ميزانيات القطاع المصرفي أحد أهم المؤشرات على الوضع الاقتصادي في تركيا.
وقد انعكس حرص المصارف ورغبتها في كسب الأموال بسهولة من الإنشاءات على سياساتها الائتمانية، وهو ما تكشفه حصة هذا القطاع من إجمالي القروض المصرفية؛ فقد تضاعفت هذه الحصة مرتين منذ 2004 وحتى اليوم، وحطمت الرقم القياسي حيث بلغت 24%.
وبينما بلغ إجمالي القروض الائتمانية المخصصة لأنشطة شركات الإنشاءات والعقارات والوساطة العقارية ومشتري الوحدات السكنية الذروة نهاية سبتمبر بإجمالي قدره 483.1 مليار ليرة تركية (حوالي 125 مليار دولار)، تم لأول مرة في القطاع المصرفي التركي تخصيص هذا القدر الكبير من الائتمان والمجازفة به قطاع اقتصادي واحد.
وعندما نتذكر أن حجم الدين المحلي للخزانة التركية يبلغ 530 مليار ليرة تركية أي 135 مليار دولار يتضح بشكل لافت مدى عظم هذا الخطر والمجازفة.
لا ريب أن للسياسة دور كبير في أن يجازف القطاع المصرفي هذه المجازفة الضخمة إلى هذا الحد بالاستثمار في قطاع واحد فقط.
ولا يمكن إنكار تأثير أردوغان والمقربين منه في توجيه المصارف إلى قطاع الإنشاءات الحيوي بالنسبة للسلطة الحاكمة؛ مستخدمين نفوذهم وسلطاتهم لتحقيق ذلك.
لكنه يُشار أيضًا إلى التأثير والدور الكبير الذي تقوم به "هيئة تنظيم العمل المصرفي ومراقبته (BDDK)" في توجيه الموارد المصرفية إلى قطاع العدالة والتنمية المفضل، والتي أصبحت تحت سيطرة الحزب تمامًا.
ومن ذلك مثلًا أن هذه المنظمة (BDDK) أجرت هذا العام سلسلة من الترتيبات والتعديلات، سمحت من خلالها لعملاء القروض الائتمانية بأن يقدموا كل شيء تقريبًا كضمانات للبنوك، بدءًا من سياراتهم التي يستعملونها حتى ماكيناتهم ومعداتهم وآلاتهم المستخدمة.
وتعليقًا على هذه السلسلة من التعديلات التي حولت النظام المصرفي إلى نوع من خدمة الرهن يقول أحد الخبراء المصرفيين:

 

إن أخذ هذه الأشياء القديمة المستعملة كرهن وتوزيع القروض الائتمانية على أصحابها أمرٌ لا يتفق مع المعاملات المصرفية التقليدية في العادة. نحن لا نرغب في إعطاء مثل هذه القروض الائتمانية.
إلا أننا نخاف إن لم نفعل ذلك في مثل هذه الأوضاع من أن نتعرض لهجوم شرس من قطاع كبير وواسع بدءًا من السياسة وصولًا إلى (BDDK)، ومن وسائل الإعلام إلى البيروقراطيين...

 

إن تركيز القطاع المصرفي على قطاع اقتصادي واحد يذكرنا بالوضع السابق على أزمة الرهن العقاري التي حدثت في أمريكا، كما أن الاضطراب الذي يشهده القطاع المالي الذي استفاد من أزمة 2001 يتزايد يوميًا.
يعتمد قطاع الإنشاءات على نموذج "أنشأ- ثم سوّق وبِع" تمامًا ولا سيما في قطاع بناء الوحدات السكنية، كما يعتمد هذا النموذج أيضًا على النمو الاقتصادي المتواصل، ومع ذلك فإن القلق والمخاوف من حدوث أزمة تظل في تزايد بسبب الانخفاض السريع في الطلب المحلي على الشراء نتيجة تأثير السياسية التركية داخليًا وخارجيًا.
فمثلًا تراجعُ مؤشر ثقة المستهلكين الذي قيمته المتوازنة 100 إلى 65.2 - وهو أدنى مستوياته- في نوفمبر من العام الحالي يعتبر واحدًا من أهم المؤشرات السلبية في هذا المجال.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الاحصاءات الأخيرة إلى أن عدد المنازل التي تم الحجز عليها لصالح البنوك وطرحت للبيع يفوق 10 آلاف حاليًا، وهو ما لا يبشر بالخير.
خصوصًا أن هناك ما يقرب من مليون شقة تعذر بيعها حتى الآن في قطاع الوحدات السكنية، وبالتالي فإن التكهنات بشأن ما قد تتعرض له البنوك تزداد سوادًا وتشاؤمية.
إذن؛ ما مدى خطورة هذا الوضع من الناحية المصرفية؟ هل يدخل القطاع المصرفي في أزمة بسبب حالات الإفلاس في مجال المقاولات؟ لن يحدث هذا في الوقت الراهن حسبما تشير البيانات الرسمية.
لأنه توجد نسبة 0.5 % من خسائر القروض الائتمانية المخصصة للإنشاءات في جانب المستهليكن، بينما هناك نسبة 2.9 % منها في جانب المنتجين، وهذه النسبة معقولة للغاية بحسب المعايير الدولية.
وبالرغم من الوضع الإيجابي في الأرقام الرسمية فهناك العديد من المقاولين وخاصة الذين تولوا مشاريع البناء العملاقة يعانون وضعًا صعبًا حاليًا، ولم يعد خفيًا ما يدور من شائعات حول "تعويم" البنوك القروض الائتمانية بدلًا من إغراقها، بل هذا صار حديثًا علنيًا.
هناك أدلة كثيرة على هذا يمكن مشاهدتها مثل لوحات الإعلانات عن عقارات للبيع والإيجار تنتشر على امتداد الشوارع، ووجود العديد من مراكز التسوق صارت تفرغ من المحلات والمعارض تدريجيًا، كل ذلك يلعب دورًا محفزًا في زيادة الشائعات وتكهنات الإفلاس.
وأخيرًا، فقد حدث انخفاض في نسبة مبيعات المساكن بلغت نسبته 5.7 % مقارنة بشهر أكتوبر من السنة الماضية، وذلك بحسب البيانات الرسمية التي أعلنتها هيئة الإحصاء التركية في 23 نوفمبر ، وهو ما يبدو كأحد العوامل الداعمة لانتشار الشائعات السلبية.
وبطبيعة الحال؛ يؤدي هذا الوضع بمؤسسات التصنيف الائتماني الدولية أن تدرس وتتقصى الوضع المالي للمصارف والبنوك التركية.
وبالرغم من كل ما في الأرقام الرسمية من إغراءات إيجابية، إلا أن "ليندسي لينديل" (Lindsey Lindell) المدير المسؤول عن المؤسسات المالية التابعة لوكالة فيتش (Fitch) للتصنيف الائتماني قد أشار إلى قضية "رضا ضراب"، وصرّح بأن من أكبر مشاكل القطاع المصرفي التركي إمكانية حدوث زيادة لا يمكن التنبوء بحجمها في القروض الائتمانية غير المُعادة.
وقد أدلى ليندسي بتصريح إلى وكالة أنباء "رويترز"، قال فيه: "إن رصيد البنوك التركية المالي كبير بما فيه الكفاية للتغلب على الصدمات والأزمات متوسطة الحجم.
غير أنّ صدور حكم بعقوبة كبيرة لا يمكن أن تتحملها الحكومة في قضية "رضا ضراب" أو حدوث زيادة غير متوقعة في القروض غير المعادة قد يؤثر بشكل واضح على التصنيف الائتماني للبنوك التركية."
ومن الواضح تمامًا أن درجة التصنيف الائتماني صارت أكثر أهمية خلال الفترة الماضية بسبب مخاطر القطاع المصرفي الذي يتزايد اعتماده على القروض الخارجية بشكل ملحوظ.
وبسبب الانخفاض المستمر في قيمة الليرة التركية أمام الدولار واليورو على نحو يتعذر إيقافه، فثمة احتمال بأن يتزايد خطر حدوث فجوة غير معلنة في النقد الأجنبي. وبحسب بيانات (BDDK) لا يبدو أن البنوك تتعرض لخطر حدوث عجز مالي كبير.
غير أنّ هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فالوضع مختلف في الواقع؛ لأن القطاع المصرفي التركي الذي يمتلك ودائعًا بقيمة 1.55 تريليون ليرة، ورأسمال أصلي قدره 300 مليار ليرة تركية (ما يعادل 75 مليار دولار) يبدو مدينًا بما يقرب من 50 مليار دولار تقريبًا من الخارج لكي يقوم بتمويل القروض الائتمانية.
وهذه الأموال لا تظهر بشكل واضح في الموازنة التجارية حيث تصدر للعملاء المحليين كقروض ائتمانية بالنقد الأجنبي.
ونظرًا لارتفاع سعر الصرف والتراجع الاقتصادي الراهن فإنه يتوقع حدوث حالات إفلاس كبيرة، يمكنها أن تتسبب بالنسبة للبنوك في أزمة وعجز كبير وغير متوقع في النقد الأجنبي.
وليس سرًا أن البنوك تفتح اعتمادات مالية كبيرة بالنقد الأجنبي، وخاصة لمشاريع الإنشاءات العملاقة وبناء مراكز التسوق.
ومع ذلك فإن الارتفاع الأخير في سعر الصرف والفائدة صار يشعر العملاء بأن القروض الائتمانية، تتركز أكثر في جانب حزب العدالة والتنمية.
وقد انعكس هذا الوضع حتى على جدول أعمال منظمة رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (MÜSİAD) منظمة الأعمال الدولية المقربة من حزب العدالة والتنمية، والتي تجري كثيرًا من التحسينات الاقتصادية الداعمة للسلطة دائمًا.
وقد أدلى رها يلتكين (Reha Yeltekin) رئيس مجلس إدارة موسياد للإنشاءات بتصريح لوسائل الإعلام في 23 نوفمبر؛ قال فيه إن ارتفاع أسعار الحديد بنسبة 70 % في العام الماضي نتيجة ارتفاع سعر الصرف أدى إلى حدوث عجز وخلل في حساب تكلفة مشاريع الإنشاءات. وحذّر من أنه قد تتوقف مشاريع الإنشاءات تمامًا إذا ما تعذّر التغلب على مسألة ارتفاع سعر الصرف.
ويبدو أن اقتصاد العقارات والإنشاءات الذي أضفى بظلاله على تركيا في الـ 15 عامًا الماضية يبتعد بسرعة عن بريقه الذي كان عليه وكأنه "أليس" (Alice) في بلاد العجائب، كما كان في الماضي. 
وشدد رها على أن هذا التحول والتغير لا يؤرقه هو فحسب، بل ويؤرق القطاع المصرفي الذي يُدفع إلى هذا الكابوس المخيف.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: