سليم أيوب أوغلو
فبراير 06 2018

فكرة الانتقام في فيلمي من العدم وثلاث لوحات خارج إيبينغ ميسوري

البطل إثان في فيلم "الباحثون" (1956) الذي يعتبر أحد الكلاسيكيات الغربية، زار أخيه وعائلته بعد مدة طويلة. لكن بعد هذه الزيارة مباشرة شن هنود من قبيلة الكومنتشي هجومًا، قتلوا فيه جميع أفراد العائلة، واختطفوا  فتاتين من أولاد أخيه. وظل البطل إثان يتعقب أفراد القبيلة طيلة 5 سنوات حتى تمكن في النهاية من قتل زعيمها، لينتقم بذلك لأفراد عائلته.
لا جرم أن تجسيد العدالة في الأفلام، وتحقيقها من قبل البطل بدلًا من قوات الأمن والجهات المعنية، يعتبر واحدًا من أكثر الموضوعات الفنية رسوخًا في السينما الأميركية. 
لكن الأمر الذي يضفي على هذه الموضوعات قيمة واعتبارًا، هو أن مثل هذه الأعمال يقوم بدور المنتقم فيها بطل ذكر وليس أنثى. قمثلا نجد فيلم "أنا أبصق على قبرك" (1978)، يجري أيضا في دائرة الانتقام، لكن دور البطولة تؤديه سيدة شابة تعرضت للاغتصاب، وظلت فيما بعد تتعقب أثر من فعلوا بها هذه الفعلة. وبعد أن وصلت لهم أذاقتهم صنوف الرعب والخوف التي عاشتها، وانتقمت منهم بقتلتهم واحدًا تلو الآخر.
وفي هذا الفيلم الذي خلق حالة كبيرة من الجدل وقت عرضه، وفي أفلام أخرى على شاكلته يكون المنتقم فيها سيدة، نجد أن الانتقام لم يترك انطباعًا إيجابيًا بالنسبة للبطلات بنفس الإيجابية التي حظي بها البطل أثان الرجل في فيلم "الباحثون". بل على العكس من ذلك الانطباع الذي يخرج به المشاهد من رؤية منتقمات سيدات، هو أنهن لا يختلفن كثرًا عن المعتدين الساديين.
لكن فيلما "ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري" و"من العدم" اللذين بدأ عرضهما في الثاني من شهر فبراير الجاري، فقد قدما حلولًا مختلفة من حيث للسيدات اللاتي يقمن بأدوارٍ فيهما.

البطلتان في الفيلمين لما سئمن من عدم ضبط المجرمين الذين ارتكبوا جرائم بحق أقاربهن اللائي فقدنهن، ولما يأسن من تحقيق الجهات المعنية، للعدالة والانتقام لهن بالطرق المعروفة، لما تأكدن من ذلك قررن الانتقام بأنفسهن، وتحقيق العدالة. الفيلمان تناولا هذا لكن بحبكات فنية ونتائج مختلفة.
تبدأ أحداث فيلم "من العدم" بزواج يجري في أحد السجون: حيث تزوج نوري الذي كان يقضي عقوبة سجن بسبب إتجاره بالمخدرات، بـكاتجا التي يبدو أنها شخصية متمردة، ولعل السبب في هذا الانطباع هو تلك الرسومات والوشم التي تغطي جميع جسدها.
ابة رد على تلك المقاربة التي تبناها فيلم "من العدم". لأنه طالما أن هناك خيارات للتفاؤل، فكل شيء مهما كان يمكن تحمله ولو قليلًا.

لكن هناك رسم وشم يحمله الزوجان يختلف عن الرسومات المتبقية، فعلى إصبعيهما وشم لخاتمين لجأ إليه ليكون بديلًا عن الخواتم الحقيقة، وليرمز إلى أبدية حبهما واستمراريته إلى ما لا نهاية.
وبعد مرور عدة سنوات، أنجب الزوجان طفلًا يسمى "روكو". كما أن نوري أسس شركة تقدم خدمات الاستشارات الضريبية، والترجمة، والسفر والسياحة.
لكن في يوم من الأيام تركت كاتجا ابنها لزوجها في محل عمله، وذهبت مع صديقتها إلى حمام تركي، لكن في ذلك اليوم فجرت عناصر منتمية لحركة النازيين الجدد، زوجها وابنها بواسطة قنبلة.
 وهنا ينتهي الجزء الأول من الفيلم المكون من ثلاثة أجزاء. وفيما بعد تبدأ أحداث الجزء الثاني المسمى "العدالة". 
الشرطة في تحقيقاتها تصر على أن مقتل الزوج نوري جاء إما على يد مافيا ألبانية، أو تركي أو حتى كردي، وذلك على خلفية أنه كان تاجرًا للمخدرات.
وفي هذه الفترة الصعبة لم تتلقَ كاتجا أو عائلة نوري أي دعم يذكر. كما أن الشرطة لم تهتم بمعلومة أفادت بها الزوجة حول مشاهدتها دراجة بخارية مشبوهة في مكان الحادث في اللحظات الأخيرة من التفجير.
"فيلم من العدم" يتحول إلى فيلم دموي مباشر عند النقطة الحاسمة. والمقصود بالدموي المباشر هنا، مشهد جسدته كاتجا وهى تقطع شرايين معصميها في حوض الاستحمام، وهي في غاية اليأس والفراغ. 
وفي هذه الأثناء سمعت من المجيب الآلي للهاتف صوت المحامي الموكل بمتابعة القضية، إذ كان يتحدث عن تطورات جديد بخصوص الحادث، وهي أن شخصين متهمين بارتكاب عملية القتل تم توقيفهما وعرضهما على المحكمة.
كاتجا في لحظة اكتست باللون الأحمر بسبب الدماء، وفور سماعها صوت المحامي قامت من فورها وربطت معصميها بمنشفة، وارتدت ملابسها بسرعة، واتجهت للمحكمة مباشرة. وابتداءً من تلك اللحظة لم تفقد بطلة الفيلم ولعها بتطبيق العدالة.
والتفصيلة المثيرة للخوف بشأن المتهمين، هي كونهما من الأنواع التي أقصاها المجتمع، حليقي الرأس، يرسمون وشمًا لصليب معقوف، فضلا عن انهما أشقران، يتمتعان بوجه نظيف.
 والأكثر بعثًا على القلق من ذلك هو أن الهجمات العنصرية انتشرت بين شرائح المجتمع المختلفة، ما يعني أنه من الآن فصاعدًا سيكون من الصعب معرفة الأشخاص المنتمين للنازيين الجدد.
تجدر الإشارة أنه في وقت من الأوقات كانت هناك منظمات تسمى (كو كلوكس كلان/Ku Klux Klan) وهى منظمات أخوية ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية.
 تؤمن هذه المنظمات بالتفوق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية. كان عناصر تلك المنظمات دائما ما يخفون وجوههم بالأقعنة. لكن الآن نرى أن النازيين الجدد يخفون أنفسهم بكونهم أناسا عاديين، ويشبهون الناس الطبيعيين.
وعودًا لقصة فيلم "من العدم"، فإن جلسات محاكمة المتهمين لم تعد تجدي بشيء سوى تكرار ما يقال في كل مرة من توضيح كيف أن المسامير التي اشتملت عليها القنابل قد اخترقت جسد الزوج نوري ونجله.
وفي ختام جلسات نظر القضية، أصدرت المحكمة قرارًا برّأت من خلاله المتهمين الإثنين، وعندئذ نرى في أحد المشاهد تبسمهما، وتبادلهما القبلات خلف القضبان فرحًا بالحكم. وفي المقابل وفي ذات اللحظة، نرى وجه كاتجا، وهي تحاول التغلب على هذا الوضع. 
فكاميرا المصور لم تفارق وجهها في هذا المشهد، وفي مشاهد أخرى كثيرة؛ لدرجة أن المشاهد كان يستوعب جميع التطورات، ويبدي تعاطفًا مع تعبيرات الوجه التي كانت تذهب وتجيء بوتيرة مسرعة بين الانكسار، والعزيمة، وهي تفاصيل أدتها ببراعة منقطعة النظير الممثلة الألمانية، ديان كروجر.
لكن كاتجا لا تستطيع القبول بحكم البراءة، وليست لديها رغبة في ذلك. فلا هي استطاعت من خلال مراسم جنائزية بسيطة وداع عائلتها الصغيرة التي رحلت، وإعلان الحداد، واستئناف حياتها مرة ثانية، ولا تريد قبول الخيار الكئيب وهو التمسك بذكريات الزوج نوري والإبن روكو، وقضاء ما بقي من حياتها في حالة من الحزن والحداد.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن فيلم "ثلاث لوحات خارج إيبينغ" الذي يعرض حبكة فنية تراجيدية كوميدية، يتناول في أحداثه مقاربة مختلفة تمامًا لحكاية سيدة وقعت في وضع مشابه لما حدث لبطلة فيلم "من العدم".
 الحبكة هنا تدور حول بطلة تعرضت ابنتها للاغتصاب وتم قتلها، والعدالة لم تأخذ مجراها أيضًا. لكن البطلة، ميلدريد هايز،  بعد مرور أشهر دون الوصول للجاني، تتخذ خطوة جريئة.
وبناء على ما فعلته الأم تغيرت الأجواء، وبدأ الجميع يسعون لثنيها  عن فعلتها هذه، بما في ذلك قس الكنيسة، أما رد ميلدريد التي لم تكمن لديها أية نية لقبول أية أعذار، فكان قولها "غالبًا ليس لديكم الوقت لتخصصوه من أجل العثور على قاتل ابنتي، فقط تعذبون السود".
أما ديكسون قليل العقل الذي يقل رتبة عن المأمور ويلوغبي، فدون غيره شَخْصَنَ الواقعة بشكل كبير، وتعمد مضايقة كل من قدم المساعدة لميلدريد. وكان يتعمد باستمرار وكلما سنحت له الفرصة أن يخرّب اللوحات. 
وفضلا عن ميلدريد، كان المأمور ويلوغبي أحد الشخصيات الأخرى المثيرة في العمل، التي أداها بنجاح الممثل وودي هيرلسون. المأمور الذي كانت تتغير تعابير وجهه بسرعة بين الغضب، والاستهزاء، والتذلل الناجم عن الفشل في تنفيذ عمل ما.
 يقول إنه أصيب بمرض السرطان، وأن هذا الأمر حال دون أداء عمله كما ينبغي بخصوص مقتل نجلة ميلدريد التي رأت فيما يقول المأمور مجرد ابتزاز عاطفي، وطلبت منه أن يؤدي عمله بخصوص القضية. 
ولا شك أن نقطة التحول في الفيلم، هي تلك الرسائل التي بعث بها المأمور ويلوغبي إلى عدد من الأشخاص المحيطين به، من بينهم ميلدريد، وديكسون. 
فالمأمور الذي بدا حتى تلك اللحظة شخصية سلبية، كشف لنا عن جانب آخر ومختلف من حياته، إذ نرى  كيف كان لمجاملاته الصغيرة التي تضمنتها الرسائل، أثر كبير في تغيير حياة الناس. 
حتى إن حياة ديكسون تغيرت وهو الذي دائما ما كان يسعى لتغطية الفشل الذي يعانيه في حياته، بإضمار الكراهية والحقد من هذا وذاك لأسباب واهية. وبذلك نرى أن أحداث الفيلم استطاعت تحويل قلة الحيلة واليأس إلى تفاؤل نسبي.
لا شك أن مقاربة هذا الفيلم، تعتبر بمثابة رد على تلك المقاربة التي تبناها فيلم "من العدم". لأنه طالما أن هناك خيارات للتفاؤل، فكل شيء مهما كان يمكن تحمله ولو قليلًا.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا:

https://ahvalnews.com/tr/sinema/iki-intikam-filmi-iki-apayri-yaklasim-paramparca-ve-uc-billboard-ebbing-cikisi-missouri