فنانون أتراك يشككون في "أوروبا المحصنة"

تتكون جمهورية مالطا من أرخبيل من ثلاث جزر في البحر المتوسط، وتقع على بعد 93 كيلومترًا إلى الجنوب من صقلية و284 كيلومترًا إلى الشرق من تونس. ومالطا هي عاشر أصغر دولة في العالم من حيث عدد السكان حيث يبلغ تعداد سكان مالطا 475 ألف نسمة.
لكن موقع مالطا في وسط البحر المتوسط منحها أهمية استراتيجية كبرى على مر التاريخ. وتعاقبت قوى على حكم مالطا: من الفينيقيين إلى القرطاجيين، والرومان، واليونانيين، والبيزنطيين، والعرب، والنورمان، والصقليين، والإسبان، والفرنسيين والبريطانيين.
ودافع الصليبيون بأمر من القديس يوحنا عن المدينة ضد الغزو العثماني، وتم بناء العاصمة فاليتا بعد آخر حصار تعرضت له في عام 1565. ويوثق متحف بناة الحصن، الذي يقع بالطبع في الحصن، التاريخ المروي للحصون في مالطا.
وكان المصور الأكاديمي مراد غيرمان، الذي يقوم بزيارة قادمًا من إسطنبول، يقف في شرفة بناة الحصون في فاليتا، في مواجهة نقطة على البحر المتوسط شهدت الكثير من المعارك البحرية. 
وقال غيرمان وهو يبتسم "مكان مذهل ملئ بالروابط التاريخية مع إسطنبول ... قمت بالفعل بالسير حول نصف الجزيرة – الحصون في كل مكان".
وبالإشارة إلى الاستعارة "حصن أوروبا"، أُقيم مؤخرًا معرض أُطلق عليه "منزل مشاركة المحلة" وهو جزء من مهرجان المحلة، ويشير إلى تناقض الحوار السياسي الحالي حول منع المهاجرين من دخول الاتحاد الأوروبي.
ومهرجان المحلة هو حدث فني متنقل بدأ العام الماضي ببرنامج مواز في بينالي إسطنبول. ويوجه الدعوة كل عام لدولة مختلفة لتُشكيل سرديات جديدة عن المواضيع السياسية الحالية: من الهجرة إلى والصراعات المسلحة، والتدمير البيئي، وتحويل المدن، وما إلى ذلك.
والهدف الرئيسي من المهرجان هو التشكيك في الواقع البائس لاستبعاد "الآخر" في شكل الهجرة، والفقر، والجنس الآخر، والحيوانات، والبيئة، والمجهول. ويُشير العنوان إلى كلمة مستخدمة في لغات ودول كثيرة بمعنى الحي أو المكان، وهي مأخوذة من اللغة العربية "محلة". ويعني الجذر اللغوي للكلمة "الاستقرار" أو "الاحتلال" وهي مشتقة من الفعل "حل"، مثل فك الحصان أو الجمل للتخييم.
وشارك في المعرض أكثر من 50 فنانًا من 14 دولةً وأدوا عروضًا خلال الحفل في مالطا، ليبرهن على روح التنوع والوحدة المطلوبة بصورة كبيرة في أوقات الاستقطاب هذه. والفنانون المعاصرون من الشرق الأوسط هم الأصوات الرئيسية للتشكيك في الواقع البائس حول أزمة الهجرة الحالية التي تتجاهل المنطقة المحيطة بسوريا، والعراق، وإيران، وإنها ليست محور الشر، لكن أحد مناطق مهد الحضارة.
في إحدى الغرف، تم وضع صندوق أدوات على منصة، يعرض أشياءً مصنوعة من الراتنج مثل القلائد. وتستخدم الفنانة الفرنسية من أصل تركي ماتيلد ميليك آن ألبومات العائلة وصفحات غلاف المجلات النسائية التركية من الخمسينات من القرن الماضي لعمل قلائد من الراتنج، وأشياء يمكن ارتداؤها من الذاكرة التاريخية الجماعية.
 إنها تقدم النماذج المختلفة للنسوية التي تعرضت لها كطفلة نشأت وترعرعت في أسرة تركية فرنسية. ويقف أسلوبها المبهج الغني بالألوان في تناقض تام مع الرثاء السودوي المطابق لعمل الكثير من الفنانين المرتبط بالهجرة. وصندوق أدواتها عبارة عن صندوق كنز للهوية متعددة الثقافات. 
وقالت خلال مهرجان المحلة "خلفيتي متعددة الثقافات هي دائمًا أداة لفني... أنا أعيش وأُنتج في إسطنبول .. لكنني أُسافر كثيرًا."
ويقع استوديو 87، وهو المطعم الخاص بالمالطي جوستين بالزان داماجو، في مستودع سابق قريب من الواجهة البحرية لفاليتا، حيث ترسي سفن الرحلات البحرية. ووجهت المؤلفة والفنانة رازيا (راضية) كوبات الدعوة إلى جمهورها على طاولة راكي تخليدًا لذكرى جارتها كاترين في إسطنبول. ولطاولة الراكي وظيفة اجتماعية محددة في تركيا، فهي مكان يلتقي فيه الأصدقاء للشرب والأكل والحديث حول المواضيع الشخصية والسياسية ومواضيع أخرى.
ولمدة 25 عامًا، كانت لرازيا كوبات جارة من أصل أرميني في إسطنبول اسمها كاترين، فرت مع أسرتها من منزلهم في الأناضول منذ فترة طويلة. واعتادت كاترين استضافت طاولة راكي في منزلها حيث يتم تقديم المزة إلى جانب مشروب روحي قوي مصنوع من اليانسون.
ومع مرور السنوات، جلعت تجمعات الراكي من المرأتين قريبتين جدًا. وفي مالطا، تم توجيه الدعوة للزوار للانضمام إلى التجمع كإيماءة صداقة. وقد افتتح حدث الراكي مهرجان المحلة في مالطا. وتفاجأ الزوار بالطعام اللذيذ، وجو البهجة والحديث. 
وشدد زفيزدان ريليتش وهو مصور من صربيا على أوجه الشبه بين ثقافة حسن الضيافة في دول البلقان، التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لمئات السنين. وقال وهو يرتشف الراكي من كوبه ويأكل محشي ورق العنب الذي أحضرته رازيا كوبات من بلدتها في مالطا والمحشو باللحم المفروم والأرز: "أشعر وكأنني في وطني".
وإلى جانب فاليتا، تم عرض أعمال فنانين من إسطنبول في قصر لم يتم تحويله في جبار (زبار). وتقع المدينة المشهورة بمدينة هومبيش جنوب شرق مالطا.
وحصلت جبار على لقب مدينة هومبيش من السيد الأكبر الأخير القديس يوحنا في مالطا، فرديناند فون هومبيش زو بولهايم. وخسر الارستقراطي الألماني الجزيرة لصالح فرنسا في عام 1799. ثم تحولت المدينة النبيلة إلى مكان للطبقة العاملة في القرن العشرين. 
وكان قصر جبار مركزًا للشرطة في الخمسينات من القرن الماضي وحرق السكان المحليون دراجة بخارية أمام المبنى خلال الانتفاضات ضد القوات الاستعمارية البريطانية وبدأت في عام 1958.
ويحتفل المهرجان بذكرى افتتاح القصر للعامة منذ هذا الحادث، بإقامة معرض مهرجان المحلة.
وقد قدم الفنانون أعمالًا خاصة بالموقع للتشديد على روح الفضاء. ووحد الفنانون المالطيون والدوليون إبداعهم وحولوا القصر إلى مكان يُقدم الروح في مهرجان المحلة في مالطا.
ونقل أنطونيو كوسنتينو حقيبة من إسطنبول إلى مالطا، وهي نموذج عتيق مذهل من الداخل. وهي عبارة عن ميناء على البحر المتوسط مصغر يُلمح إلى جميع السحر في البحر والمدن المطلة على الموانئ. ولوحته "بورتابل" (محمول) معروضة في مدخل القصر، وتُركز على أفكار السفر والهجرة.
وعلقت إيدا جيكميز عملًا يُطلق عليه "ذاكرة الطائر"، وهو عمل يرتبط بقصيدة "مؤتمر الطيور" للشاعر الفارسي من القرن الثاني عشر فريد الدين العطار. وتنقل الرسومات على قماش الكتان من القصيدة المكتوبة في العصور الوسطى وتُشير إلى الطيور المهاجرة والصعوبات التي تواجهها في السفر من الشرق الأوسط إلى أوروبا. ويرتبط عملها بصراعات الماضي حتى المعارك الحالية، وتشدد على استمرار الدمار والنزوح خلال التاريخ البشري.
وفي إحدى الغرف، عرضت الفنانة التي تتخذ من إسطنبول مقرًا غونيش تيركول "الحرير الرقيق الهامس"، وهي عبارة عن ستائر من الحرير الرقيق إلى جانب أحد جوانب جدار الطابق العلوي، والتي تُرفرف عندما تهب الرياح ومنقوش عليها زخارف اللبلاب. وتستحضر الحكاية الخيالية للجمال النائم المحمي بلبلاب شائك حول القلعة، أو انتشار النباتات في الأماكن الملوثة في البحر المتوسط، أو النمو المثمر لفكرة مثالية.

وفي الغرفة التالية، فإن الفنانة المالطية مارغريتا بول صنعت "مخبز الإسمنت" الذي يُقدم الخبز والكعك المصنوع من خليط من القمح والإسمنت. وسعت بول لزيادة الوعي بطفرة البناء في مالطا. فالقرية الهادئة التي كانت تعتمد على الصيد في فترة ما، أصبحت الآن مدينة تهيمن عليها ناطحات السحاب التي تم بناؤها بالقليل من التخطيط.
وقالت تيركول لبول "لابد أن أدعوك لزيارة إسطنبول ... إن مخبز الإسمنت الذي قمتي بصناعته سيكون له مغزى مهم هناك أيضًا".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/arts/malta-event-turkish-artists-question-fortress-europe
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.