مصطفى قيليتش
أبريل 02 2018

فنان تركي: لنتصدّى للظلم.. الفن، خاصة المسرح، ليس صنعة الجبناء

 

أجرينا هذا الأسبوع مقابلة مع  الفنان التركي الكبير، أورخان آيدين الذي بلغ عدد سنوات عمله الفني 47 عامًا، شارك خلالها في 94 عملا مسرحيا، وأكثر من 40 فيلما سينمائيا، ومسلسلا تلفزيونيا.
وخلال هذه المقابلة تطرقنا مع الفنان آيدين إلى تناول العديد من الموضوعات بدءًا من الوقفة التي نظموها يوم 27 مارس في منطقة قاضي كوي بالطرف الآسيوي من مدينة إسطنبول، بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، والتي كانت من أجل "الفن الحر"، مرورًا بالضغوط التي يتعرض لها باستمرار لقيامه بمثل هذه الأمور.
قال الفنان التركي في حديثه لموقع "أحوال تركية" إن هناك نحو 21 دعوى قضائية مرفوعة ضده لأسباب مختلفة. وأوضح أنه عاش نفس الضغوط التي يعيشها الآن، أيام انقلابي 12 مارس 1971، و12  سبتمبر 1980. ولفت أن الفرق بين فترة الانقلابات، والفترة الحالية، هي أن مواقف الطغمة العسكرية إبان الانقلابات كانت واضحة ومعروفة. وردًا على صمت أصدقائه الفنانيين حيال ما يحدث في تركيا حاليًا قال آيدين في ذات الصدد "الفن ليس صنعة الجبناء".
 
يوم 27 مارس، وبالتزامن مع يوم المسرح العالمي، قمتم بوقفة احتجاجية بمنطقة قاضي كوي، فهلا تحدثتم إلينا عنها، وقلتم لنا سببها؟
المسرح يعتبر المهنة الأقدم والأكثر احترامًا في تاريخ البشرية. فلقد كان هو المجال الفني الوحيد الذي لم تتمكن الأنظمة المستبدة من القضاء عليه في البلدان التي كانت تحكمها، عجزت تلك الأنظمة عن فعل ذلك في جميع الفترات، وفي كافة الحروب، بدءٍا من شيلي، والأرجنتين، مرورًا بألمانيا حتى الوصول إلى بلدي، وفي حروب الشرق الأوسط، والحربين العالميتين الأولى والثانية عجزت تلك الأنظمة عن فعل الشيء ذاته.
وبعبارة أخرى يمكنني القول إن المسرح باقٍ ببقاء الإنسان على ظهر البسيطة. ومن ثم فإنه حينما يأتي نظام في القرن الحادي والعشرين يتولى قيادة هذا البلد، ويحظر كل شيء، ويراقب الجميع بمفهوم سياسي استبدادي، حينما يستبد ويستأسد بالحكم، يتعين على كل فناني المسرح الخروج للشارع. وكانت الفعالية أو الوقفة يوم 27 مارس مؤشرًا لما كان ينبغي أن يحدث في هذا السياق.
هذه الوقفة تتم كل عام، لكن التي حدثت في ذلك اليوم كانت أكثر حماسة لأننا عاندنا فيها الأجواء الماطرة. غير أن أصداء تلك الوقفة في الصحافة المحلية كان الأكثر غرابة. إذ لم تغطه من وسائل الإعلام المحلية سوى قناة "سي إن إن" الناطقة بالتركية، في حين أن هناك قنوات فرنسية، وألمانية، وإنجليزية كانت تتابع الأمر عن كثب. وذلك لأن العالم أجمع يعرف ويدرك مدى الضغوط والمراقبة والمحظورات المفروضة على الفن والمشتغلين فيه بتركيا.
والقول الفصل أمام كل هذه التحديات، هو أنه لا يقوى أي ديكتاتور فاشي أيًا كان، على إنهاء المسرح أو عالم الفن طالما استمرت الحياة. وأؤكد أن كل ما ننادي به ونطلبه هو الحرية، وللحرية فقط لا غير.
 
هلا أوضحتم لنا أنت كفنان ما هي الأشياء والعقبات التي تواجهكم؟
هناك ما يقرب من 21 قضية مرفوعة بحقي. فباستمرار تلاحقني الغرامات والعقوبات. فتراني بين الحين والآخر أدفع غرامات مالية. إذا أن معظم هذه الدعاوى متعلقة بسب وقذف، في حين أني لا أسب أحدًأ على الإطلاق، كل ما في الأمر أنني أعبر عما يجول بخاطري من أفكار قد لا تروق البعض..وكل ما أقوله هو أنه لا توجد هناك عدالة أو مساواة، وبين الحين والآخر أوجه سهام النقد لتنال من اغتصاب حقوق العمال والمتقاعدين، فضلا عن انتقادي اللاذع لفشل النظامين التعليمي والصحي في البلاد.
كما أنني أقوم بتوثيق العداوة التي تنصب للفن، وأكتبها بالعديد من اللغات مثل الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، وأنشرها ليعلم العالم حقيقة الأمور كما هي. ولا شك أنني ارى أنه يتعين أن تكون هناك ردة فعل غاضبة، وانتفاضة في بلدي رافضة لحالات اغتصاب الأطفال، والعداوة الموجهة لسيدات، وللوقوف بجانب الشباب المسلوبة حقوقهم، ردة فعل تتصدى لما نعيشه حاليًا من فوضى رجعية في كل شيء. وأنا كمواطن أعيش على هذه الأرض وأتنفس هوائها، أسعى جاهدًا لقول كل هذا بصوت عالٍ مرتفع.
فنان تركي: لا بدّ من التصدّي للظلم

 

هل سبق وأن عشتم أو تعرضتم طيلة حياتكم لمثل هذه الضغوط التي تتعرضون لها الآن؟
هذه الضغوط والمضايقات التي نراها الآن سبق وأن عشناها ، أيام انقلابي 12 مارس 1971، و12  سبتمبر 1980. لكن مواقف الفاشية العسكرية في تلك الفترات كانت واضحة وضوح الشمس في كبد السماء. فكان أحد أفراد الطغمة العسكرية آنذاك يأتي بكل بساطة ويوصد أبواب المسارح.
لكن الآن يقومون بالعكس من ذلك، ومنهجهم الذي يتبنوه هو إعلانك عدوًا مع العمل على إقصاءك من كافة مناحي الحياة. والمؤسف أن من يتبنى هذا وبصوتٍ عالٍ هو الرجل الموجود على قمة هرم الدولة. فترى أحدهم يخرج علينا ذات مرة ويقول "إني أبصق على عالم الفن "، وثاني ينعت تمثال لـ"محمد آقصوي" بالمسخ والخلقة البشعة.
والجميع يرى بأم عينيه ما حل بمركزي "محسن أرطغرول"، و"أتاتورك" الثقافيين بإسطنبول...لذلك يمكنني القول إن الصمت حيال كل هذا خسة وندالة. يجب أن نتحدث بعلو أصواتنا لرفض كل هذه التصرفات؛ كي يدرك العالم حقيقة الأمور وبواطنها.
 
خلال الأيام الماضية التقطت لكم صور وأنتم في أروقة إحدى المحاكم، غالبًا كانت هناك قضايا لكم على ما أعتقد..فهل حكم في تلك القضايا؟
نعم كانت عندي جلسة بالمحكمة تزامن موعدها مع عيد ميلادي. إحدى تلك القضايا متعلقة برجل الأعمال، رضا ضراب التركي المنحدر من أصول إيرانية..فلقد رفعت ضدي دعوى قضائية لأني قلت إنه لص، ومزور، ومحتال، وكما تعلمون فالعالم أجمع ينعته بهذه الصفات، وليس أنا فحسب.  ولقد رفع هذا الرجل العام الماضي 3 دعاوى، دفعت في إحداها 4 آلاف ليرة كتعويضات.
وفيما بعد شاهدتم مجريات القضية التي كان يحاكم فيها ضراب في الولايات المتحدة الأميركية، وعلم الجميع ما حدث له والتهم التي وجهت له، لذلك أعلنوه خائنًا للوطن. لدرجة أن محامييه لم يأتوا جلسة القضية الأخيرة، ما ترتب عليه سقوط الدعوى بشكل نهائي.
وهناك دعوى قضائية أخرى متعلقة بسمية نجلة الرئيس رجب طيب أردوغان. وهذه خسرت فيها 4 آلاف ليرة تركيا دفعتها كتعويضات أيضًا.  وفي شهر إبريل ثمة قضية متعلقة بأحمد محمود أونلو الشهير باسم جبه لي أحمد خوجه. فهذا الرجل أحد سماسرة الدين كان قد أصدر فتوى من قبل تجيز الزواج بالبنات الأطفال في سن التاسعة. وهنا لا أخشى أن أقول إن سبب حالات الاغتصاب والتحرش بالسيدات، واستغلال الأطفال، هو كل من على شاكلة هذا الرجل من سماسرة الدين.
فأن أُحاكم بسبب كتابات ومقالات كتبتها حول كل ما ذكرت من شخصيات. أثق تمام الثقة أنني سأنتصر في القضية التي أحارب من أجلها؛ لذلك أنادي بأعلى صوتي ولا أهاب أحدًا على الإطلاق.
فنان تركي: لا بدّ من التصدّي للظلم

 

قبل قليل تحدثتم، وقلتم إن تصريحاتكم نشرتموها بعدة لغات مثل الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية؛ لكنكم تعلمون  أن هذا الأمر ينظر إليه في الداخل على أنه "استقواء بالخارج على الداخل"، ويقولون على من يفعل ذلك "يشتكي بلاده للخارج". فهلا قيمتم لنا ردة الفعل هذه ؟
فليقولوا ما يقولون، فأنا جزء من هذا العالم وأنتمي إليه. وأنا أعرف هذه اللغات، وكل ما في الأمر أنني أعبر عن نفسي بهذه اللغات. ولعل سبب انشغالهم بالحديث عن ذلك، هو عدم قدرة عدد من نواب البرلمان، وحتى الوزراء على الحديث حتى بلغاتهم الأم...فهناك مثلا نواب منتمون لحزب العدالة والتنمية، يقولون نحن أكراد، ومع الأسف لا يستطيعون الحديث بالكردية، كما أن هناك وزراء ونواب لا يستطيعون التفوه ولو كلمتين باللغة اللإنجليزية.
 
ثمة تصريحات وفتاوى  غريبة نشاهدها هذه الأيام، تلك الفتاوى التي تسمم العقول، و من بينها فتوى إمكانية الزواج بطفلة في سن التاسعة من عمرها، وأخرى تتحدث عن خلوة الرجل بالمرأة في المصعد الكهربائي، فما رأيكم بأصحاب مثل هذه الفتاوى المثيرة للجدل؟
كل هذه الأقوال عمل من صنع سماسرة الدين. وهذا كله يوضح لنا بالشكل القاطع كيف باتت هذه البلاد مستسلمة لإمرة هؤلاء السماسرة، ومن المؤسف أن النظام الحاكم على نفس الشاكلة...وما هذه الفتاوى إلا التطور الطبيعي للفتوى التي تبيح الزواج بأربع نساء. وعلى إثر تلك الأفكار غير الطيبة شهدت السنوات الست الماضية،عددًا مهولًأ من الجرائم بحق النساء، وحالات كبيرة من الاستغلال الجنسي والديني بشكل لم تشهده الجمهورية على مدار امتدادها طيلة 93 عامًا. والسبب في كل هذا هم سماسرة الدين الذين نتحدث عنهم.
 
مضى على وجودكم في عالم الفن 47 عامًا شاركتم فيها بـ94 عملًا مسرحيًا، الآن إذا نظرتم للخلف على تاريخكم الطويل، هل ستكون هناك أشياء تتمنى ألا تكون قد فعلتها، وأخرى تتمنى لو أنك فعلتها؟
لا على الإطلاق، فأنا في حقيقة الأمر أهتم في أعمالي عادة بالمسرح الواقعي الاجتماعي، وكل ما قمت به من أعمال كان في هذا النطاق. لذلك لم أسلم من الأذي طيلة هذه المسيرة. وإذا لزم الأمر التوضيح أكثر من ذلك، أقول إنني في بعض الأحايين وقعت مشاجرات بيني وبين الاشتراكيين، تشاجر مع الديمقراطيين الاشتراكيين رغمي أني منهم قلبًا وقالبًا. لا سيما في الفترة التي كانوا فيها بالسلطة، ففي تلك الآونة كنا نحن أول من انتقدهم. وذلك لأنهم لم يتمكنوا من إضفاء الطابع المؤسسي على مجالات الفن؛ فعلى سبيل المثال أي من السهام التي تشكل مبادئي حزب الشعب الجمهوري يعيش بيننا الآن ؟ وهي ست مبادئ: "الجمهورية" و"الشعوبية"،”و القومية" و"العلمانية"، و"الدولانية"، و"الثورة".
هل ثمة مبدأ من هذه المبادئ يعيش بيننا حاليا؟ من قضى عليها جميعًا...فهل رجب طيب أردوغان هو من فعل ذلك؟ لذلك ينبغي أن يكون المرء واقعيًا، ومن ثم أتبنى في أغلب الأحيان منهجًا قائمًا على نقد ما لا يصح..
حزب الرجل الذي قال إن الثقافة هي أساس الجمهورية (في إشارة لمصطفى كمال أتاتورك مؤسس حزب الشعب الجمهوري) أغلق معهد القرى، والبيوت الشعبية التي كانت تعمل على تثقيف أهالي وسكان المناطق الريفية لرفع نسبة الوعي بينهم. فهذا شيء يمكنني أن أقول يا ليته ما كان، ولا حدث..ويا ليت الكتاب، والشعراء، والموسيقيين، والنحاتين، وفناني المسرح، ما استسلموا، وصمتوا بهذا الشكل، ويا ليتنا كانت لدينا القدرة لتحويل الشوارع إلى أماكن أفراح ومهرجانات، تعتبر هذه هي أمنياتي الوحيدة التي تراودني في الحياة.
 
اضطلعتم بأدوار في نحو 40 فيلما سينمائيا، من بينها فيلم "الرصاصة لا تسأل عن العنوان" الذي اشتركتم في بطولته مع الفنانة "بيلغه أولغاج"، وكذلك فيلم "نراك على خير يا غد" الذي قمتم ببطولته مع الفنان "رئيس جليك"، وهو فيلم يحكي فترة محاكمة كل من "دنيز جزمش"، و"يوسف آصلان"، و"حسين إنان". هذا إلى جانب المسلسلات التلفزيونية التي لعبتم فيها أدوارًا مهمة. لكن الآن بات من المستحيل رؤيتكم في أية أعمال فنية تلفزيونية، هذا الوضع كيف يؤثر فيكم؟
في حقيقة الأمر، أنا لا أرغب على الإطلاق في الاشتراك بأي عمل تلفزيوني حاليًا. فكل المعروض بات أشبه ما يكون بحملة دعائية، لذلك انسخلت عنها واتجهت للمسرح، كما أنني أكتب مقالات، وأشارك في الندوات والمؤتمرات. وأسعى للوصول إلى كل مكان يمكنني الوصول إليه، وتلبية الدعوات التي توجه لي للمشاركة في أية فعالية ثقافية.
ولا أخفي عليكم، المسرح هو أكبر سلاح أنا أمتلكه... ومن أعمالي المسرحية ذلك العمل المسمى "العصيان" الذي بدأ عرضه في ربيع العام 1968، وانتهى في  مقاومة يونيو 2013 (في إشارة لأحداث منتزه غزي بميدان تقسيم". ذلك العمل يمثل ذاكرة عقلية لن يمحوها الزمن..نعم قد تكون بعض قنوات الإنتاج قد أُغلقت أمامي، لكني مستمر في المشاريع السينمائية، والإنتاج المسرحي.
فنان تركي: لا بدّ من التصدّي للظلم

 

قد لا يكون هذا مجال اهتمامكم بشكل مباشر، لكني سأسل على اعتبار أن الفن كله من بعضه، والقواسم المشتركة بين جميع ضروبه كثيرة، كما تعلمون أن "رابطة أصحاب المهن الموسيقية" ترأسها "عارف صاغ" بعد "أورهان كنجباي" الذي انزعج لذلك. فقامت الحكومة على إثر ذلك بتعيين وصي على الرابطة، وهو "ياوز بينغول" الذي رفض الأمر بعد ردود الفعل الغاضبة حيال ذلك، ليترأس الرابطة بعد ذلك "جوشقون صباح"، فهل كان بإمكانكم تتبع هذه التطورات؟ وكيف تعلقون لنا على هذه الأحداث؟
هل تعلم أنه بسبب تعليق لي سابق على هذه الأحداث التي ذكرتها، رفعت ضدي دعوى قضائية أمام المحاكم. طلب فيها من المحكمة حظر الوصول إلى حسابي الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" مع 40 آخرين من أبناء جلدتي، والمحكمة وافقت على ذلك. ومن ثم قمت على الفور بكتابة هذه التغريدة على حسابي: "كان فنانًا، وله اعتباره،لكنه أُهين، ورفعت دعوى ضده لغلق حسابه على تويتر مع 40 آخرين، ومن المؤسف وافقت المحكمة ! هذا المرحلة حتمًا ستنقضي.."
 
عند الحديث عن الفن، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن الولايات الكبرى في تركيا وعلى رأسها إسطنبول. وذلك على عكس بعض المدن في منطقة الأناضول (الجزء الآسيوي من تركيا) التي لا تشهد أية مشاريع باسم الفن فيها. وبات دور الثقافة بها أماكن لإقامة الأفراح وليالي الزفاف. كما أن هناك مدن لا تشهد أية فنون مطلقًا، وفي مقدمتها المناطق ذات الغالبية الكردية. فكيف يمكننا أن نؤكد للقاصي والداني أن الفن حاجة وضرورة من ضروريات الحياة؟
بالفعل ما ذكرتموه في هذا السؤال المطروح حقيقة واقعة نراها بأعيننا...فكما تعلمون هناك أوصياء على بلديات حزب الشعوب الديمقراطي، الكائنة بالمناطق الكردية، وفي مقدمتها ولاية ديار بكر التي كانت في وقت من الأوقات مركزًا فنيًا وثقافيًا يضاهي الموجود حاليًا بمنطقة "أيجه" بولاية إزمير.
فولاية ديار بكر كان بها قاعة ثقافية كان يقدم فيه أصدقائنا عروضًا من الأوبرا، إلى جانب أعمال مسرحية، وورش رسم ونحت وما شابه. لكن كان أول عمل قام به الأوصياء المعينون هو تشذيب تلك المجالات الفنية والثقافية، كان هذا أول عمل يباركون به مهمتهم في ديار بكر، فأغلقت على إثر ذلك الأماكن الثقافية.
أما البلديات التابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، فكانت لا تتيح لنا فرصة استخدام القاعات والمسارح، حتى ولو مقابل نقود. وبتنا الآن في حال تقطعت فيه السبل بيننا وبين الإدارات المحلية، وأهلنا في منطقة البحر الأسود، وكذلك المنطقة الكردية. بل وخلال السنوات الخمس الأخيرة لم أدخل اية جامعة تركية لتقديم الأعمال الفنية إذا أغلقت كافة القاعات في وجوهنا.
ومن هنا أريد أن أتوجه بشكري العميق لبلديات حزب "الشعب الجمهوري" الديمقراطي الاشتراكي، لأنها الوحيدة التي منحتنا القاعات، ولم تعرقل طريقنا..
ومع هذا نحن لسنا مضطرين للاستسلام أمام كل هذه المضايقات، فأنا على سبيل المثال في المدن والبلدات التي نحرم من دخول المسارح فيها، أقوم بتحويل صالات الأفراح إلى قاعات ثقافية، وأنقل مسرحي على متن حافلة، وأحافظ بنفسي على بقاء شمعتي مضيئة. ورغم الضغوط التي تمارس علينا تمتلئ القاعات عن بكرة أبيها عندما يكون هناك عرض ما. وبدلًأ من مسرحية واحدة نعرض ثلاثة... وبالتالي يصبح موقف من يمنعوننا دخول المسارح، هو الأسوأ، وليس موقفنا.
 
هل ترون أن قطاع المسارح دخل مرحلة الخدمة الفاخرة؟ فالتذاكر مقارنة بالحد الأدنى للأجور، لا زالت غالية الثمن. فما يمكن القيام به في هذا الصدد من وجهة نظركم؟
في الوقت الذي كان فيه فكري صاغلار، وزيرًا للثقافة، كنا قد قمنا بعمل ما في هذا الخصوص. إذ طلبنا تأسيس صندوق دعم من أجل كافة المجالات الفنية في تركيا، وبالفعل نجحنا في تنفيذ هذا. وبخصوص تذاكر المسرح، فكما تعلمون هناك ضريبة القيمة المضافة –التي تصل لنسب غير موجودة على الماس- و التي تضاف على الأسعار الأساسية للتذاكر. لكننا كنا قد خفضنا هذا في ظل الصندوق الذي تحدثت عنه.
قمنا بهذا على مدار عشر سنوات؛ لكن السنوات العشر الأخيرة لم تشهد أية دعم في هذا الصدد، وأصبحت الدولة تتقاضى أجورًا من المسارح أكثر من المصانع، في الوقت الذي تدخل فيه الكهرباء، والمياه للمساجد بالمجان.
أي أنهم يرون المسارح كأماكن استهلاك فاخرة، ويتعاملون معها على هذا الأساس. ومن المؤكد أن السبيل الوحيد لتغيير هذا هو إحداث تنظيمات، والخروج في وجه هؤلاء، وعدم الاستسلام بأي حال من الأحوال. لأن عدم خروجكم يعني استسلامكم.
فنان تركي: لا بدّ من التصدّي للظلم

 

عند نظركم إلى تركيا، هل ترون ثمة ضوءا يلمح في الأفق ويدعو للأمل؟
أقول لك إن هذه الديار لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستسلم للرجعية، وهي التي عاش فيها كل من الفيلسوف والمفكر الشيخ بدر الدين، والشعراء، دادال أوغلو ، وكاراجا أوغلان، وبير سلطان آبدال، والمخرج والممثل يلماز غوناي، والأديب والشاعر أحمد خاني، والأديبان، ياشار كمال، وناظم حكمت. هذه حقيقة ولا أقول ذلك لمجرد بث الأمل في النفوس. فلا شك أن الضمير والفضيلة إذا تحركا من سباتهما فكل شيء من الممكن أن يتغير، وحتمًا سيتغير. فكما ترون الرأسمالية العالمية، والعقلية الرجعية يتعاونان، ويومًا ما سيغرقان معًا.
 
في إحدى خطاباتكم قلتم إن "الفن هو من سينقذ تركيا"، فهلا أوضحتم لنا مقصدكم من ذلك؟
بالفعل قلت ذلك من قبل؛ لأن هذه هي الحقيقة في كل أنحاء العالم، فالفن متعة الحياة قبل أي شيء...ذلك الفن الذي يتجلى أمامكم أثناء الخروج للشارع في موسيقى تعزف هنا، وفي وقفة راقص هناك.. وفي مشهد ماثل على شاشات السينما، وآخر في مسلسل تلفزيوني...وكلوحة فنية ترونها أمامكم في أية مكان.
فهذه الأشياء هي الأمل..
هي البهجة والسعادة..
فالفن يشفي
الفن شجاعة
الفن ليس صنعة الجبناء، لا سيما المسرح
 

يُمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/soylesi/sanat-korkaklarin-isi-degildir-hele-tiyatro-hic-degildir