سابين كوبر بوش
أغسطس 23 2018

فنّ الهجاء في تركيا: المجال الذي لا يقهر

تلقى رسام الكاريكاتير التركي سفر سلفي خطابًا من مكتب المدعي العام في إسطنبول يخبره أنه يخضع للتحقيق بشأن رسم أو آخر من رسوماته للاشتباه في إهانته للرئيس، أو مؤسسة من مؤسسات الدولة الأخرى، أو التحريض. ويواجه سلفي حاليًا قضية تنظر فيها المحكمة بتهمة إهانة رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم.

سفر سلفي، إيفرينسيل
سفر سلفي، إيفرينسيل

ويشير الرسم الكاريكاتيري إلى اتهامات بالفساد على مستوى أعضاء كبار من حزب العدالة والتنمية الحاكم. وقال سلفي وهو يبتسم ابتسامة عريضة "النقطة المثيرة في هذه القضية هي أنه لا يوجد أحد قد اتهمني بالتشهير. إنهم يحاولون إثبات أنني أقوم بإهانة يلدريم". 

وفي مكتب تحرير مجلة "لومان"، وهي واحدة من المجلات الساخرة الرائدة في تركيا، يرتشف رسامو كاريكاتير آخرون الشاي فيما يقومون بالعمل على النسخة التي ستصدر الأسبوع المقبل. وقد تعلم الكثير منهم مهنتهم خلال عملهم في "غيرغير"، المجلة الساخرة الأفضل مبيعا في الفترة من عام 1972 وحتى 1989 في الوقت الذي كانت تعاني فيه وسائل الإعلام التركية في ضوء انقلابين وقع أولهما في عام 1971 والثاني في عام 1980.

غيرغير، 1980
غيرغير، 1980

ودرب أوز أرال، رئيس تحرير "غيرغير" الموهوبين من جميع أنحاء تركيا فيما يُطلق عليه "مدرسة غيرغير"، مستخدما شخصيات محلية ولغة يمكن للشخص العادي أن يفهمها وفي نفس الوقت يُمتع الجمهور المثقف من خلال الرسومات التوضيحية خفيفة الظل وذات الجودة العالية. وطور تونكاي أكغن رئيس تحرير لومان شخصية "بيزغين بكير" (بكير المشاكس) في غيرغير. وهو نموذج للهيبي المسن، والمحبط من السياسة، لكن يظل ملتزماً التزامًا عميقًا بالمبادئ الإنسانية الأساسية.

تونكاي أكجن، لومان 2017
تونكاي أكجن، لومان 2017

ونجا أكغن من قضايا عديدة في المحكمة، لكن في بعض الأحيان، يشعر بألفة مع شخصيته. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في شهر يوليو من عام 2016، نشرت المجلة عددًا خاصًا وكان غلافه يصور يدي شخص غير مرئي يُحرك حشدًا غاضبًا ضد مجندين خائفين. وقال أكغن إنه بعدما تشارك الرسم على موقع تويتر للتدوين المصغر "كانت هناك إهانات وتهديدات غير معقولة... فقد نشروا عنواننا وكانوا يرغبون في أن ينتهي بنا الأمر مثلما انتهى بزملائنا في شارلي إبدو. وتمت مصادرة المجلة في المطبعة قبل توزيعها".  

وتجمعت مجموعة من أنصار الحكومة الغاضبين أمام مكاتب لومان. وقال سلفي وأكغن إن الضغط عليهما لم يكن بتلك القوة من قبل.

وقال سلفي "لقد تجاوز الأمر الضغط الحكومي، إن النقد الذي يقوم به رسامو الكاريكاتير على وسائل التواصل الاجتماعي أسوأ بكثير بالنسبة لنا. وبصورة طبيعية بدأنا جميعًا فرض رقابة على أنفسنا". ويسير رسامو الكاريكاتير على حبل مشدود بين المقاضاة وتوضيح انتقادهم المشفر. 

لكن في الوقت الذي تتزايد فيه سيطرة وتأثير الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المجلات ما تزال تجد سبيلًا للهجاء المرح لأولئك الموجودين في السلطة. فقد نشرت لومان على غلافها عشية عيد الأضحى مجموعة من الخراف تبتهج بالهبوط الحاد الذي تشهده الليرة التركية، لأن هذا يعني أن عددًا أقل من الناس سيكون باستطاعته شراء الخراف والتضحية بها.

صورة

ويخضع سلفي للتحقيق بسبب رسم كاريكاتوري للمرة الثانية. وصور رسم في عام 2003 رجل الأعمال جونيت زاب صو المؤيد للحكومة وهو يجلس على ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكُتب تحت الرسم "الحاكم الخفي". وتلقى سلفي، الذي تم تغريمه بسبب إهانة من أصبح رئيسًا للوزراء فيما بعد، منذ شهرين خطابًا من مكتب الادعاء العام يخبره بأن شخصًا ما أقام دعوى ضده مفادها أن الرسم الكاريكاتيري يهين الرئيس الحالي.

صورة

ومع ذلك، فلا يبدو أن جريمة نتجت عن تصوير أردوغان بشارب أقرب إلى شارب هتلر. ومع بدء النقاش حول خطوة نظام الرئاسة التنفيذية للحكومة في بداية عام 2015، وهو التغيير الذي حدث بعد الانتخابات التي أجريت في شهر يونيو الماضي، أشار سلفي إلى مخاطر حكم الرجل الواحد.

سفر سلفي، لومان 2015
سفر سلفي، لومان 2015

لكن تصوير الزعيم بتصويرات الحيوانات يُعدّ أمرًا محظورًا. وتم تغريم الفنان موسى كارت في عام 2005 لتصويره أردوغان على أنه هرة، لكن محكمة الاستئناف أبطلت الحكم لاحقًا.

موسى كارت، جمهورييت 2004
موسى كارت، جمهورييت 2004

ويرى أردوغان أن التصويرات الحيوانية تحط من كرامته الإنسانية. وأظهر رسامو الكاريكاتير في مجلة بنغوين تضامنهم مع كارت في عام 2006 بصورة تحت عنوان "تايبلير أليمي" والتي يمكن ترجمتها بـ "حديقة حيوانات آل طيب" و"عالم آل طيب"، تسخر من تدين أردوغان.

بنغوين، 2006، "حديقة حيوانات آل طيب"، "عالم آل طيب"
بنغوين، 2006، "حديقة حيوانات آل طيب"، "عالم آل طيب"

واليوم، فإن رسامي الكاريكاتير يجب عليهم أن يكونوا أكثر حرصًا. فكارت ما يزال قيد المحاكمة باتهامات دعم الكثير من الجماعات الإرهابية. ويقول تورا بكين محامي كارت، إنه لكون كات رسام الكاريكاتير الرئيسي في صحيفة جمهورييت المعارضة، فإن كارت لا تتم مقاضاته بسبب رسوماته. وقال بكين "إن هذه صحيفة معارضة، وهذه هي الجريمة الرئيسة. ليس بسبب أعمال محددة.. ويبدو أن كونك من المعارضين كاف لمحاكمتك في تركيا 2018".

لكن على الرغم من التهديدات القانونية، فإن الساخرين ما زالوا قادرين على عرض الحماقة السياسية بصورة واضحة.

غالب تاكين، مسجد على القمر، أوكوسوس، 2017
غالب تاكين، مسجد على القمر، أوكوسوس، 2017

وفي هذا التجريد الكوميدي لغالب تاكين، يتم تصوير الرئيس على أنه راوي قصص عبقري يُسيء التقدير. ويصور مسجدًا دمرته الولايات المتحدة خلال هبوطها على سطح القمر كان دليلًا على أن المسلمين أول من هبطوا على سطح القمر. وفي عام 2014، أذهل أردوغان العالم بقوله إن كريستوفر كولومبوس قال إنه رأى مسجدًا على ساحل أميركا اللاتينية، مما يبرهن على أن المسلمين هم الذين اكتشفوا أميركا. ويظهر تاكين نفسه في آخر القصة، ويصور أردوغان على أنه أشهر روائي تصويري في تركيا. وتوفي تاكين بعد فترة قصيرة من ظهور هذا الرسم الكاريكاتيري، لكنه ما زال يُلهم جيلًا جديدًا من رسامي الكاريكاتير الأتراك. 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-satire/satire-turkey-enclave-indomitable
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.