Nesrin Nas
يناير 06 2019

فوضى سلطة قمعية تفرّغت لصبّ جام غضبها على الشرفاء بقضاء مُوالٍ

 

لم يعد لدينا قدرة على التحمّل. كل شيء من حولنا يجعلنا نعتقد أننا نعيش حياة غير حقيقية؛ نشعر معها كما لو كنا نعيش في فوضى عارمة؛ فوضى نخسر معها قيمنا ومقدراتنا.
نعيش اليوم في تركيا أوضاعاً سيئة؛ حيث تصب السلطة الحاكمة جام غضبها على كل من يعارضها الفكر والرأي، أو حتى يقترح طريقاً لحل ما نعاني من مشكلات، وعلى الذين ينادون بحياة أفضل..
وبعد أن ينال هؤلاء نصيبهم من الغضب والقهر، تنتقل بهم هذه السلطة القمعية إلى المرحلة الثانية؛ حيث ينالون عقابهم على يد قضاء موالٍ، وقوات أمن تطيع ما تؤمر به. ولا يكتفون بهذا! فيخرج أولئك الذين يريدون أن يغتسلوا بدماء هؤلاء الأبرياء إلى الميادين وعلى الشاشات، مُطالبين بقطع رؤوس هؤلاء الشرفاء.
فلم يتوقف أنصار الحركة الشعبية الخاصة (حركة ظهرت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، تزعمها فاتح كايا، وتحرّكت في عدد من المحافظات التركية بتعليمات من حزب العدالة والتنمية، وانتشرت بين المواطنين بزعم التصدي للانقلاب وحماية مؤسسات الدولة) حتى الآن عن ممارسة نشاطهم.
وراح هؤلاء، بالإضافة إلى ذلك، يروجون لفكر السلطة الحاكمة من خلال منشورات، يطلقون عليها مسمى "صحيفة"، بمقالات فجة لا تكاد تخلو، حتى عناوينها الرئيسة، من أقذر أشكال السباب والامتهان لآدمية الآخرين. إنهم لا يُراعون اللياقة في كتاباتهم. ولعلّ السبب في هذا أن السلطة الحاكمة قد أطلقت يدهم يكتبون، ويقولون ما يشاؤون. من أجل هذا، لم نجد أحداً يحاسبهم، أو يقول لهم "عفواً، نحن لا نعيش هنا في إحدى جمهوريات الموز".
وإذا أردتُ الدقة، فنحن لا نجرؤ على قول هذا من الأساس... والسبب وراء هذا أن تركيا تحتل المرتبة رقم 101 في مؤشر نزاهة القضاء بين 113 دولة شملها مؤشر شفافية القضاء المنشور في عام 2017. لقد تذيلنا القائمة خلف إيران وسورينام والسلفادور وزامبيا وميانمار ونيكاراغوا وغواتيمالا..
لم نقم بإدارة ظهورنا لسيادة القانون فحسب، ولكننا عمدنا إلى الخروج إلى الميادين لاستثارة المواطنين بفن خطابة حماسية ممزوجة بالغضب الذي انفجر في وجهنا جميعاً، ولم يستطع المحتجون في غيزي والأكاديميون والأكراد والعلويون والمثقفون والفنانون والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان من النجاة بأنفسهم، ومغادرة المحاكم. بدأت رحلة الكثيرين منهم بمداهمة الشرطة لمنازلهم مع ساعات الصباح الأولى، وانتهت بالوقوف خلف القضبان الحديدية، والزجّ بهم في السجون.
يذكرني هذا الوضع بالفنان المسرحي القدير لفنت كيرجا، وهو يتندر في أحد المشاهد الكوميدية على خشبة المسرح. كان يمثل دور أب حثَّ شرطي على وضع ابنه، الذي يستعد للدخول إلى الجامعة، في السجن، وعندما سُئل هذا الأب عن سبب إقدامه على هذا الفعل، رد قائلاً  "إن الدورات الدراسية الخاصة بالالتحاق بالجامعة باهظة الثمن، وليس لديّ ما يكفي من الأموال لهذا، وعندما علمتُ أن جميع أساتذة الجامعة يقبعون في السجون الآن، قمت على الفور بإرسال ابني إلى نفس العنبر الذي يقيمون كي يفيد منهم".
لقد كان واحداً من أفضل المشاهد الكوميدية في مسرحية "المحظورات"، التي عبَّرت عن أحداث 12 سبتمبر على مسرح ديفيكوشو كاباري. والحقيقة أننا نكاد نجد فارقاً كبيراً بين ما نعيشه الآن، وما يتحدث عنه هذا المشهد.
وعلى الرغم من المناخ المرعب الذي عشناه في أيام 12 سبتمبر، فلم يكن ليخطر ببالنا أن يُقتاد الفنان القدير متين أقبينار، الذي شارك في مسرحية "المحظورات" تحت حراسة الشرطة من منزله بعد 38 عاماً.
لكن للأسف، لم يسلم أيضاً أبطال نشأنا على فنهم في شبابنا، مثل متين أقبينار وموجاد جيزين، وبعثوا فينا الأمل بفنهم وتندرهم على الأيام السوداء التي عشناها في 12 سبتمبر، وتركوا بصمة كبيرة في حياتنا، من بطش السلطة الحاكمة، عندما اقتادتهما الشرطة من منزليهما في صباح أحد أيام ديسمبر الباردة إلى دار القضاء.
مرة أخرى يحكم عليهما بالعيش في هذا الواقع المرير، حيث الديمقراطية على الطريقة التركية، التي رافقها المزيد من الكلمات الغاضبة، والعناوين القبيحة، وفئات تنادي بإعدامهما دون محاكمة.  لقد حُظر عليهما مغادرة تركيا، وسيضطران إلى الذهاب إلى المخفر كل أسبوع للتوقيع.
إنني على يقين بأنّ الملايين، ممن صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية، لا يزالون يتذكرون تركيا، التي ناضل فيها هذان الرجلان، بفنهما خلال سنوات الانقلاب. وعلى الرغم من هذا يتناسون كل هذا، ويدوسون عليهما اليوم. لقد كانا بمثابة الأمل بالنسبة لنا في تلك الأيام.... 
إذا كان لدى هؤلاء قدر من الإحساس بالعدالة والأخلاق؛ أي بهذين العنصرين اللذين يصنعان الإنسان، فلابد أنهم سيدركون أنهم يتحملون كذلك مسؤولية ما يتعرّض له هذان الفنانان الآن؛ لأنهم فضَّلوا الصمت عن الإفصاح بالحقيقة..
وكما هو الحال في جميع قطاعات المجتمع، من الأسرة إلى العامة، هناك قواعد ومعايير غير مكتوبة في الحياة السياسية كذلك. من هذه القواعد؛ إظهار روح التسامح تجاه الفنانين والكُتَّاب والأكاديميين الذين يساهمون في رسم مستقبل البلدان، والقبول بشرعية المعارضة.
وكثيراً ما تكون القواعد والمعايير غير المكتوبة أكثر أهميةً من القوانين المكتوبة نفسها؛ لأنها تتحول إلى ما يشبه الضمادة التي تُخفِّف من وطأة الصدام مع النظام الحاكم.
وبالتالي لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على أي دستور أو قانون مكتوب لجعلنا مجتمعاً حقيقياً فاعلاً، ما دمنا ننظر إلى كل شخص أو جماعة لا تروق لنا آراؤها بأنها تشكل تهديداً لوجودنا؛ فالديمقراطية لا تزدهر في المجتمعات التي يرى فيها أصحاب النفوذ خصومهم أعداءً أو خائنين للوطن، وستكون النتيجة أن هذه المجتمعات ستنفجر من الداخل.
من هذه القواعد والمعايير غير المكتوبة كذلك قاعدة "الحفاظ على الذات على المستوى المؤسسي" التي يقول عنها ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبلات (*):
"إن المصابرة على ضبط النفس أو الحفاظ على الذات على المستوى المؤسسي يعني الامتثال لروح القانون، جنباً إلى جنب، مع القوانين المكتوبة. وإذا عمل الساسة بهذا المعيار بشكل قوي، فإنهم لا يضطرون حينئذٍ إلى استغلال كافة الامتيازات الممنوحة لهم على مستوى المؤسسات بشكل كامل، حتى إن كان القانون يكفل لهم الحق في هذا؛ لأن الإسراف في استخدام هذه السلطات قد يعرض النظام الحالي للخطر".
على سبيل المثال، تنظم المادة 299 من القانون الجنائي العقوبة الخاصة بإهانة الرئيس. وبناء على هذا، تم اقتياد موجاد جيزين إلى مكتب المدعي العام في حراسة من الشرطة، ووجهت إليه تهمة إهانة الرئيس بسبب تلفظه بعبارة "لا تتعد حدودك!"، ثم أفرجت عنه المحكمة بعد ذلك شريطة ألا يغادر تركيا، وأن يذهب للتوقيع أسبوعياً في مخفر الشرطة.
وبعد ذلك، سيتم إعداد لائحة الاتهام، وسيُقدَّم للمحاكمة. السؤال الآن، ما دامت السلطات تعتبر أن هذه العبارة تنطوي على إهانة للرئيس تستدعي العقاب، فلماذا إذن لا تفعل المثل مع أردوغان نفسه، وهو الذي دأب على تكرار اللفظ نفسه مع العشرات، على شاكلة الصحفي فاتح بورتكال ومحرم إينجه وكمال كليجدار أوغلو ودولت بهجلي.
عندما كانت السلطة الدينية، في الماضي، تمنح السلطة والنفوذ للحكم الملكي، وتضفي على حكم الملوك صفة القدسية، لم يكن بمقدور أي مخلوق آخر "فاني" أن ينازع الملك، الذي يحكم من قبل الإله، سلطته وسلطانه. ومع هذا، كانت هذه الممالك تحافظ على وجودها  في عصر ما قبل الديمقراطية في أوروبا، وسبب هذا أن التفويض من قبل الإله كان يقتضي، بحسب قول ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبلات "التحلي بقدر كبير من الحكمة والسيطرة على الذات".
ومع هذا، لم يكن لأحد أن يراجع الملوك أحكامهم، أو ينازعهم سلطانهم؛ لأنهم يستخدمون سلطتهم بالكامل؛ إذ أنّ القوانين كانت تستمد قوتها وتأثيرها من الملوك أنفسهم. لكن إذا حدث ما هو عكس ذلك؛ أي إذا استخدم الملوك نفوذهم بشكل يفتقد للحكمة، فحينها يكون الملك قد خرج عن التقاليد التي وضع على العرش وفقاً لها. وهذه التقاليد هي بمثابة اللبنات الأساسية التي تحافظ على الشكل المؤسسي للدولة، وتعد في الوقت نفسه عنصراً مهماً للغاية في بناء الديمقراطيات؛ لأن القوانين تفقد تأثيرها بمجرد انهيار هذه اللبنات.
وبالمنطق نفسه، كان السياسيون الذين لا يتحلون بخلق التسامح، ولا يشعرون بضرورة لوضع حد لجماح غضبهم، هم في الغالب الذين يستغلون نفوذهم وسطوتهم المؤسساتية والقانونية إلى أبعد الحدود. وهم يعتبرون أن الإخفاق في الانتخابات وفقدان أصوات الشعب خروجاً عن المسار الطبيعي للعملية السياسية كما يريدونها هم.
وفي النهاية، لن نجد أمامنا سوى هيكل يبث الخوف والذعر بين أبناء شعبه؛ رغبة في الوصول إلى هدفه، ويعمد إلى تدمير أية قوة خلاقة منتجة داخل المجتمع، وتقضي على المعايير والقيم الثابتة، التي إن فُقِدت ضاع معها التسامح، وفقد المجتمع الضمير الجمعي وكافة القيم الأخلاقية.
لم تعد هذه الأنظمة تقوم بمسؤوليتها في حماية الحقوق كما يكفلها القانون، بل عملت، في المقابل، على تسخير كامل طاقتها من أجل إنزال العقاب بالمعارضة دون أن تدري أنها، بهذا المسلك، تجر البلاد نحو فوضى عارمة.
ربما لا تدري هذه الأنظمة كذلك أن مئات الأحداث، التي قد  تبدو مستقلةً عن بعضها البعض، يمكن أن تتحد مع بعضها البعض، في غياب القوانين والمعايير غير المكتوبة، وتتحول إلى فيضان يغرقنا جميعاً.
قال شكسبير "الغضب مثل جواد يركض كالمجنون، لا يجني إلا التعب".
 
 

(*) ستيفن ليفيتسكي ودانييل زيبلات، كيف تموت الديمقراطيات؟

 

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/ofke-deli-gibi-kosan-bir-ata-benzer-kendi-kendini-yorar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.