ألين تاشجيان
مايو 15 2018

فيلم"تقسيم هولديم".. دليل المخادع لاحتجاجات غيزي

شق أول فيلم روائي للمخرج التركي مايكل أوندير واسمه "تقسيم هولديم" طريقه ليعرض عالميا للمرة الأولى في مهرجان طوكيو السينمائي، ثم في مهرجان فيلنيوس وبعدها في مهرجان إسطنبول.

اسم الفيلم الساخر مشتق من لعبة "تكساس هولديم" وهي واحدة من طرق ممارسة لعبة البوكر. وينبثق الهدف من الفيلم من مناقشة جرت بين مجموعة من الشبان من "الطبقة المتحكمة" الذين يشكلون رأيا خاصا بهم عن احتجاجات متنزه غيزي عام 2013، وهي أكبر مظاهرات ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.

عناصر سيناريو الفيلم مستلهمة من جوانب في لعبة البوكر، ونفسية اللاعبين، والطريقة التي يعتمدون فيها على بعضهم البعض؛ مثلما يحدث على سبيل المثال لدى تقسيم الرهانات، ووضع الرهانات وطي الأوراق وبدء اللعب.

من يلعبون البوكر من مشاهدي الفيلم سيفهمون على الفور ما جرى في غيزي وكيف تأثر الناس. أما من لا يمارسون اللعبة فسيكون عليهم قراءة بضع فقرات على الإنترنيت عن قواعد اللعب، وهو الأمر الذي قمت أنا شخصيا به.

لكن هذا ليس ضروريا: ففيلم "تقسيم هولديم" ليس لعبة بوكر، بل يوجه انتقادات للرجال الأتراك من الطبقة الوسطى المتعلمين ذوي الميول الديمقراطية أو الليبرالية. ينتقد الفيلم كذلك من يُتوقع منهم السير على دروب آبائهم.

في فيلمه الأول، يتجنب مايكل أوندير الوقوع في فخ التحليل الاجتماعي والنفسي العميق. يلمس الفيلم التناقضات في الميول نحو المواجهة والشك والعدمية والمتعة.

من وجهة نظر مراقب من الداخل، يرصد المخرج محيطه وسلوك المظلومية الذي يظهره جيله في سياق الأحداث التي كان شاهدا عليها.

يمكننا القول إن الانتقادات التي يطرحها أوندير في الفيلم هي نقد ذاتي، خاصة بالإشارة إلى النفاق، لكنه يقول إنه لا يأخذ موقف الحكم. 

يمتع أوندير الجمهور بالسخرية والتهكم من خلال عرض كل شخصية وقدرتها على التمييز بين الصواب والخطأ، ولعب دور "محامي الشيطان" في بعض الأحيان، وكذلك تمييز الأخطاء قبل لوم الآخرين على أخطائهم.

وبين الجوانب الإيجابية للفيلم التصوير الدقيق والمونتاج الجيد، الذي تحقق بفضل تصوير الفيلم في موقع داخلي واحد فكان النص خير معين للصورة وأداء الممثلين.

يعرض فيلم "تقسيم هولديم" خلاصة تجربة أربعة أصدقاء تجمعوا ذات ليلة للعب البوكر في أولى ليالي احتجاجات غيزي، بينما بدوا مترددين حائرين ما بين لعب الورق أو الخروج للمشاركة في الاحتجاج.

يصف الفيلم كذلك تجربة المحتجين الذين يفدون إلى المنزل.

بدأت احتجاجات غيزي في صيف عام 2013، حين اعترض مجموعة من النشطاء على خطة حكومية للبناء على متنزه غيزي، في منطقة تقسيم، وهي واحدة من أكثر ضواحي إسطنبول ازدحاما. امتدت الاحتجاجات إلى مختلف أنحاء البلاد في الأشهر التالية، وزادها الغضب من خطط البناء غير المقيد وبموافقة الحكومة، لكن الغضب تفاقم بسبب عنف الشرطة التي اعتقلت المئات من المحتجين.

يبدأ الفيلم بعرض شخصية ألبير، وهو مالك المنزل وهو يتشح بغطاء طاولة ويستمع إلى أغنية. تعرض الكاميرا صورة على جهاز الكمبيوتر المحمول لتظهر مشاهد للشرطة وهي تلقي قنابل الغاز المسيل للدموع. بدا ألبير وكأنه غير مدرك أو غير مبالٍ بما يجري.

يعرف المشاهد التركي جيدا ما حصل من أحداث في غيزي، وبالنسبة لنا، من الواضح أن ما يعرض هي احتجاجات غيزي. لكن الفيلم لا يحكي لنا ما حدث هكذا بصورة مباشرة، بل إنه لا يحدد لا التاريخ ولا الحدث، ويكتفي بالتركيز على أفكار شخصياته.

وحين اشتبك الناشطون مع الشرطة وبدؤوا في التوجه صوب الشقة، أدركنا ساعتها أن الشقة قريبة من ميدان تقسيم.

باستعراض الشخصيات الموجودة في الفيلم، يمكننا أن نخلص إلى أنها موجودة في جيهانغير، وهو حي قريب من تقسيم، ويعد مركزا للمفكرين والكتاب والفنانين. وتمثل مجموعة الرجال في الفيلم نخبة الطبقة الوسطى والتيار الاجتماعي الديمقراطي، ويعملون جميعا في الإعلام.

يميل أبير الذي يلعب شخصيته الممثل كنان إيجي إلى المتع المادية، التي تجعله أقرب إلى الشخصيات الساعية وراء المتع لكن افتقاره للإحساس يجعله على شفا التحول للعدمية.

وبينما قد يبدو ألبير وكأنه شخص يحب المواجهة، فإننا نكتشف أن هناك الكثير من الأشياء التي تشعره بالقلق. ويظهر فؤاد (الذي يلعب شخصيته الممثل بيرك هاكمان) كغريم مفاجئ لألبير في الجزء الثالث من الفيلم، لكن ألبير يطيح به ويكشف حقيقة الاثنين.

ويبرز فؤاد الغامض، الذي يتحدى ألبير للقول إن اللاعبين يتصرفون تماما مثلما ينتقدهم، كلاعب حقيقي، سواء في البوكر أو في الحياة. ويبدو الصراع بين الاثنين أكبر أهمية من الضعف الأخلاقي لدى شخصيات أخرى.

مرة أخرى نسمع نفس الأغنية التي كان ألبير يستمع إليها في بداية الفيلم، لكن هذه المرة لدى استعراض أسماء الممثلين، بينما تظهر كلمات الأغنية أثناء الفيلم. من المثير أيضا الإشارة هنا إلى أن المخرج هاكمان هو كاتب كلمات الأغنية وموزعها الموسيقي.

وبينما يصرخ الجار في زوجته ويصاب بالانهيار، تقترح ديفني خطيبة ألبير أن يذهبا لحضور مؤتمر صحفي. لكن ألبير، الذي لا يتزحزح في العادة قيد أنملة، يخرج بدلا من ذلك في عشاء عمل.

أحد لاعبي البوكر في الفيلم، واسمه كان، هو رب أسرة ويعمل محاميا وسيحتفل بالعيد الثالث لميلاد ابنه في اليوم التالي مباشرة ويعتزم تربية طفل ليصبح عضوا منتجا في المجتمع. لكننا نعرف من خلال أحداث الفيلم أن لديه مشاكل كبيرة مع القانون سواء في محيطه العام أو في حياته الخاصة.

هناك أيضا ألتان، الذي لعب دوره الممثل إيمري ييتيم، وهو رجل يميل بشدة للبقاء في المنزل على أن يذهب أصدقاؤه للتظاهر بدلا منه. ويكتب ألتان الكثير من التغريدات على موقع تويتر ويمنح آخرين عنوان منزل ألبير كمنزل آمن للنشطاء للاختباء.

لكنه يتعرض أيضا لأشد الانتقادات في الفيلم بسبب جبنه وتقاعسه.

فيما يتعلق بتويتر، هناك حلقة موضوعها البيتزا وهي تساوي كل قرش دفع فيها! نجد رافي، الذي لعب دوره الممثل تانسو تاشانلار، يستقيل من وظيفته في قناة تلفزيونية بدافع من مبادئه، ويبادر بالتحرك حين يتخذ القرار.
ورغم أنه أقل الموجودين حديثا، فإنه الأكثر شجاعة بين من يوصفون بالنشطاء.

الحوار في الفيلم قائم على اتهامات يكيلها اللاعبون لبعضهم بعضاً من قبيل "أنت ابق في المنزل ودع الناس يناضلون من أجل حقوقك" و"إن لم تقاوم اليوم، فمتى؟"، أو "حين تذهب إلى العمل، فإنك لا تلتزم بالقانون، لذا لا تندهش إن لم تلتزم به الشرطة أيضا."

وفي نهاية الفيلم في المشهد الأخير تظهر طاولة البوكر.

ينتهي الفيلم بلعبة بين ألبير القادر على إخفاء ما بداخله، تماما كلاعبي البوكر، وكان المخادع، وألتان المحتال، وديفني وفؤاد. ويحدث في النهاية أيضا عراك مع الجار.

تعرض النسخة الإنجليزية من الفيلم باسم "شرق بوخارست" ويستعرض الفيلم تأثير الثورة التي أطاحت بحكم الديكتاتور الشيوعي نيكولاي تشاوشيسكو (أو عدم تأثيرها) على قرية صغيرة في رومانيا.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/movie-review/bluffers-guide-gezi-what-happened-streets&nbsp