ألين تاشجيان
فبراير 05 2018

فيلم "من العدم" للمُخرج التركي فاتح أكين: عدالة كاتجا...

 

"من العدم" (Paramparça) فيلم جديد للمخرج فاتح أكين يحصد جائزة الكرة الذهبية. قصة الفيلم مستوحاة من قضية حركة النازيين الجدد اليمينية المتطرفة التي تطلق على نفسها حرفياً اسم "سرية قومية - اشتراكية NSU".
يُعدّ فيلم (من العدم) من أفضل أفلام المخرج التركي فاتح أكين الذي استطاع- على الرغم مما أثير حوله من جدل- أن يحصد جائزة الكرة الذهبية عن فئة أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية. وقد نافس الفيلم- بالإضافة إلى هذا- على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان (كان) بدورته السبعين. لقد كانت لأحداث هذا الفيلم الذي يُعدّ فيلماً سياسياً من الطراز الأول؛ لانتقاده السلطات الألمانية بسبب تبنيها أفكاراً مسبقة ضد المهاجرين، وعدم اتخاذها خطوات جادة للتصدي للجماعات العنصرية المتطرفة. الأمر الذي دأبت على توجيهه المعارضة الألمانية والنخبة المثقفة في المجتمع الألماني للسلطات للأسباب نفسها وإشارته لحركة النازيين الجدد المتطرفة وعلاقتها بأوروبا الوقع الذي جعل منه مادةً مهمةً، لافتة للنظر، تتواكب والتوترات السياسية الراهنة. لقد نجح فيلم (من العدم) في خلق جو من التوتر "الطبيعي" لدى المُشاهد؛ لكون قصته بعناصرها المتشابكة المتداخلة مختلفة عن قصص السينما المعهودة.
 
الفيلم التركي من العدم
 
تركز قصة الفيلم على قضية التخلص من المنظمات والحركات العنصرية في المجتمع، خاصة وأن المحققين الألمان يصدرون أحكاماً متسرعة عند التحقيق في أي حوادث كالهجوم بالأسلحة- على اختلاف أنواعها - والقنابل، وحرق المباني والمؤسسات، وتصفية الحسابات بين أفراد المافيا، وقضايا الثأر...إلخ. التي يمكن أن تقع في المناطق التي يسكنها المهاجرون ذو الأصول التركية الذين يشكلون نسبة لا يستهان بها من حيث عدد السكان، مقارنة بأعداد المهاجرين الآخرين. وقد راح مؤخراً عدد من الضحايا جميعهم من الأتراك المهاجرين عدا اثنين؛ إحداهما شرطية، والآخر مواطن يوناني، تم القبض عليهما، ووُجِّهَت إليهما تهمة الانضمام إلى "مافيا القمار التركية"، وسيظل هذان الشخصان رهن الاعتقال حتى يتم الكشف عن هوية الخلية العنصرية المعروفة بحركة النازيين الجدد "سرية قومية - اشتراكية" المنتشرة حالياً في ألمانيا... أعتقد أنه من الأفضل لو تابعنا أحداث المحاكمات التي أقل ما توصف به أنها مهزلة قضائية.
تدرك، وأنت تشاهد الفيلم، مدى العناية التي أولاها القائمون عليه؛ من إعداد، وتصميم قاعات التحقيق، والمحاكمة التى دارت بشكل خدم السيناريو المكتوب بشكل جيد... ولكننا عندما نطالع الصور والتسجيلات الحقيقية نرى أن المدعي العام لم يكن يفتح فمه بالحديث إلا عند الضرورة، وأن الحوار كان يدور دائماً مع محامي الادِّعاء (جسَّد ممثل فاتح أكين المفضل دينيس موسكيتو دور فافا محامي كاتجا). وعندما نقرأ تفاصيل أخرى عن هذه القضية؛ مثل كيفية إدلاء عميل المخابرات الألمانية الذى كان موجوداً في المقهى التركي وقت وقوع الحادث الإرهابي بتصريحات تنافي ما ذكرته الشرطة عن الحادث، وشهادته بعد ذلك أنه لم يدرك - بشكل مؤكد - ما حدث يومها، نتأكد حينها أن فيلم (من العدم) قد صور أحداث المحاكمة بشكل واقعي استند في الغالب إلى فيلم وثائقي عن الحادث...
يمثل فيلم (من العدم) نموذجاً متزناً، مفعماً بالحيوية، مترابط الأفكار لتيار السينما الوثائقية والتسجيلية (التي تقوم بتصوير مشاهد حية حقيقية)، يصور المؤلف من خلاله صداماً مؤلماً يدور رحاه داخل نطاق السياسة. فهو يسعى جاهداً إلى التخفيف من آلام سيدة تفقد زوجها وابنها في حادث إرهابي عنصري؛ بالبحث عن العدالة المنشودة طلباً للقصاص من  الجناة، ثم يتحول الأمر عندما تتكشف خيوط الإرهاب الدولي الذي يقف وراء الجريمة إلى رغبة ملحة في الثأر في جو مأساوي يضفي بعداً نفسياً عميقاً على الفيلم. بيد أن الطرق القانونية لم تشفِ آلام كاتجا، ولم تكبح جماح رغبتها في الانتقام. رأت كاتجا فجوة كبيرة بين ما تؤمن به من قيم ومبادئ وما تراه في المجتمع الذي تعيش فيه. وعلى الرغم من هذا، تختار طريق العدالة وحده لأخذ حقها ممن قتلوا زوجها وابنها. برعت الممثلة الألمانية ديانا كروغر في تجسيد دور كاتجا المكلومة، الحازمة بشكل مفعم بالأحاسيس والمشاعر، جعل منها شبيهة ببطلة التراجيديا اليونانية القديمة انتيغون (انتيغون اسم لامرأتين مختلفتين في الأساطير اليونانية؛ فهي ابنة الملك أوديب وشقيقته في آن واحد بعد علاقة آثمة أقامها الملك مع أمه). بل يُذكِرنا دورها هذا بشخصية كلومبا الحازمة التي تعيش في جزيرة كوسيكا، وتسعى للثأر لأبيها في قصة الكاتب الفرنسي بروسبر مريميه التي تحمل نفس الاسم "كلومبا" (جعل  بروسبر مريميه عمله هذا مرآة لصراع بين العقلانية والعفوية من خلال رسم صورة لامرأة واحدة في رأسين أو في مكانين مختلفين). 
 
الفيلم التركي من العدم
 
تلطخت أيدي كاتجا في ارتكاب أعمال مخالفة للقانون، وهي مازالت في سن الشباب، ومع هذا لم تحتمل رؤية زوجها الذي طوى صفحة ماضيها الملوثة، وهو يتعرض للظلم (نعمان أجار واحد من أفضل الممثلين ذوى الأصول التركية الذين يعيشون في ألمانيا). لم يغفل فاتح أكين أن يلفت نظرنا في بداية عرض الفيلم إلى طبيعة العلاقة بين هذين الزوجين اللذين هام كل منهما بالآخر من خلال عرض مشهد لمراسم زواجهما. ظل الإحساس بالذنب يطارد كاتجا التي أحبت نوري شكرجي وتزوجته رغماً عن أهلها؛ لأنها تركت ابنها ذا السنوات الست مع أبيه في العمل؛ فكانت النتيجة أنه قُتِلَ هو الآخر في هذا الهجوم الإرهابي؛ من أجل هذا وضعت الأم على عاتقها مسئولية تعقب منظمة عنصرية لها اتصال بجهات دولية. لم يغفل فاتح أكين في فيلمه (من العدم) كذلك الإشارة إلى حركة النازيين الجدد التي استشرى خطرها في أوروبا بأكملها وصولاً إلى دولة اليونان.
استطاع فاتح أكين بهذا الفيلم أن يجدد طاقته الإبداعية التي ظهرت جليةً من خلال فيلميه (ضد الجدار)، و(على شاطئ الحياة)؛ فاتخذ من شخصية تلك المرأة بؤرة تدور حولها أحداث الفيلم؛ ليجعل منها نموذجاً لشخصية المرأة الأمازُونية (امرأة من عرق خُرافي من المحاربات)، حيث تتحول تلك المناوشات والصراعات التي عاشت في كنفها إلى قوة تكتيكية ممنهجة لأخذ الثأر ممن أتى على زوجها وابنها. المدهش في الأمر أن شخصية كاتجا تركت - بما لا يدع مجالاً للشك - تأثيراً نفسياً مؤلماً عليّ وعلى جمهور غفير من المشاهدين أيضاً. وعلى الرغم من ذلك، فهي شخصية متزنة من الناحية الدرامية... إن المُشاهد عندما ينظر إلى النجاح الذي حققته كروغر عند تجسيد أبعاد هذه الشخصية؛ في عشقها، وهيامها، وإحساسها بالصدمة، وألمها، وتمردها، وعندما يرسخ لديه – بشكل يقيني - أنها كانت تذرف من عينيها الدمع حقيقيةً، عندئذ سيقتنع حتماً بأي شيء قامت به كاتجا، أو كانت تودّ القيام به... من هنا استحقت ديانا كروغر الفوز بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان في عام 2017.
 
الفيلم التركي من العدم
 
على الرغم من هذا، فقد هزّت أحداث الفيلم؛ بما أثارته من نقاش وجدل أحاسيس بعض المشاهدات من اللاتي عشن نفس حالة كاتجا، وبالتالي سيُعَبِّرن عن رأيهن بشكل غاضب جريح، بل قد تهتز مفاهيم العدالة في أذهانهن... كان فاتح أكين موفقاً عندما اختار ديانا كروغر لتجسيد هذه الشخصية؛ لأنها تنتمي للطائفة الأرْيوسية (إحدى الطوائف المسيحية التي تنسب إلى الكاهن آريوس)، كما كان في اختياره ألمانية شقراء، زرقاء العينين لقبها شكرجي لهذا الدور تعبير ساخر عن خيبة أمله، وصدمته في النظام القضائي السائد. ولعل في الجوائز التي حصدها الفيلم، والاستحسان الذي ناله على كافة المستويات دلالة على أن أكين كان موفقاً في اختياراته تلك. أما الفائدة المرجوة بعد مشاهدة الفيلم فتكمن في لفت النظر إلى قضية حركة النازيين الجدد العنصرية...

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/sinema/paramparca-katjanin-adaleti