ألين تاشجيان
مارس 26 2019

فيلم يحكي عن تعقيدات العلاقات الإنسانية في تركيا

يبدأ الفيلم التركي غوفين (الثقة) بمنظر لشبه جزيرة صغيرة، تتحطم الأمواج على قاعدة منحدراتها الصخرية التي تغطي قممها بنايات تبدو كما لو كانت على وشك الإنزلاق إلى البحر.
تنزل الكاميرا من السماء إلى أحد البيوت، وتركز على وجه امرأة شابة. تجمع مريم الخس من مشتل. يفزعها صوت الرياح وصوت هدير الرعد من بعيد. تنظر بقلق إلى السماء وتنادي على زوجها. "علي، ضع الدلاء في الخارج! يوشك أن يهطل المطر".
تعيش الأسرة الصغيرة التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في بيت يشبه سقفه الغربال. وابتلت ملابسهما بعدما تسربت المياه إلى خزانات الملابس.  
يوجد بالبيت والسقف الكثير من الشقوق فيما يجعلهما غير محميين. ووعد علي بإصلاح الأمر، لكن مريم لا تصدقه، لأنها سمعت منه هذا الوعد مرات كثيرة من قبل. 
وعلي ليس من الرجال القادرين على إصلاح السقف، لكن ما يمكنه فعله هو أن يضع الدلاء تحته لجمع المياه. لا يستطيع زراعة الخس، لكنه يتمشى في المشتل. يحب اختلاس النظر إلى النساء. علاوة على ذلك، فهو يعمل في الأمن، لكن لا يمكن الوثوق به. 
نقطة الضعف في فيلم غوفين (الثقة) هي أنه يفرط في التعبير عن مفهوم السلامة والأمن والثقة (غوفين بالتركية). تعبر الشخصيات مرارا عن أحاسيسها بشأن الثقة وانعدام الأمن، ويتناول الحوار هذا المفهوم. 
ويبدو كما لو أن اسم الفيلم لا يكفي الجمهور لفهم الفكرة، التي يجري التعبير عنها مرارا مع مضي أحداث الفيلم، متناولة أفكارا مختلفة بشأن الثقة. 
ومن الأحداث الأولى للفيلم إلى الطريقة الساخرة التي يجري بها ربط أحداث النهاية بالبداية، يتابع الجمهور فيلما من الأفلام السوداء يختبر فيه كل من علي (بولنت جولاك) ومريم (غوزده جياجي) ثقة الآخر. 

يبدأ (غوفين) بعواطف متنوعة ثم يمضي بحيل مختلفة، ويحاول كشف خيوط جريمة قتل وغموض علاقة حب ثلاثية، في أعقاب معركة حول الغيرة وحب التملك. لا يوجد شيء مقدس في هذا الفيلم، وهو يعتمد على توجهات ماركسية وأخرى نسوية داعمة للمرأة إلى جانب نظرية الأسرة لتوجيه انتقادات خفية ضمنية. 
بعد انتهاء العاصفة المطرية، يرتدي علي ومريم ملابسهما المبتلة ويذهبان إلى عرض للعشاء والموسيقى تنظمه شركة الأمن التي يعمل بها. يظهر على المسرح ممثل محلي، يعرف بنجم البوب في زونغولداك. يسأل الضيوف "هل نحن مستمتعون؟". تصرخ مريم ضاحكة "نعم!". وبرغم مساحيق التجميل التي تجعلها أشبه بالمهرج، فهي تبدو جذابة بردائها الأزرق الغامق. 
ورغم أن أحداث الفيلم تدور في بلدة صغيرة وبين عدد قليل من الناس، إلا أن الخلفية هي مدينة زونغولداك المتفتحة نسبيا في شمال غرب البلاد. 
نكتشف أن علي يحصل على المتعة الجنسية من اختلاس النظر، ونعلم أن زواجه من مريم لم يكن بدافع الحب وإنما بسبب إحباط مريم وانتهازية علي. رغم ذلك لا يظهر أبدا موضوع "الشرف".
كما نكتشف أن شقيق مريم الأكبر قد نبذها بعدما حملت بينما كانت في المدرسة، وأن علاقتها ليست وثيقة مع أختها. 
بعد ليلة من الترفيه، تختفي حالة الصفاء النفسي لدى مريم، وتتبدد بهجة المساء في اللحظة التي تبلغ فيها إسراء (فريدة جيتين) مريم بأن فريد (أحمد كايناك)  والد طقل مريم وحبيبها السابق قد ظهر في البلدة. 
يصل فريد ومعه شاحنة صرف حي ويخطط للبحث عن كنز دفين. يستعين بعلي ليكون شريكا في الجريمة ويعطيه الشاحنة. يجلب هدايا لابنه ويحاول كسب ثقة مريم، لكن هدف فريد الحقيقي والأمور التي تحدث له تشكل جوهر الفيلم. 
ويمثل الكنز المدفون وشاحنة الصرف الصحي رمزين مهمين في الفيلم، يشيران إلى الأحلام الفارغة للناس الذين يريدون أن يصبحوا أغنياء سريعا بالبحث عن كنز. 
وربما يشيد الفيلم بفيلم أوموت (الأمل) للمخرج التركي يلماظ غوني، لكنه لا يشير إليه بشكل مباشر في الشخصيات أو الأحداث. 
ولا يتضح ما إذا كان فريد يحاول نصب فخ لعلي أم أنه في الحقيقة يشارك في مؤامرة تمتد إلى أعلى المسؤولين. وترمز شاحنة الصرف الصحي التي تقوم بإفراغ البالوعات في النهاية إلى تنظيف القذارة. 
والرموز والصور المجازية جزء أساسي في (غوفين). ويتم خلق أجواء قاتمة بالطريقة التي يظهر بها كلام وسلوك الشخصيات، فضلا عن التصوير السينمائي الرائع لفيزا جالديران الذي يظهر السماء الملبدة بالغيوم والبحر والمطر ومنحدرات زونجولداك المرتفعة والخطيرة. ومثلما تصطدم الأمواج بالشاطئ وتتسبب في تآكله، يشعر الناس كما لو أن الشكوك تلتهمهم شيئا فشيئا.
ومريم امرأة تعيش في مجتمع ذكوري. في المجتمع الذكوري، يرجع اتخاذ القرار إلى الرجال فقط، فالرجل هو من يقرر الرفض أو القبول، والمنح أو الأخذ، والزواج أو الطلاق. في المقابل، بوسع الرجال أخذ ممتلكات دون أي سند قانوني، ولا يوجد رجل يعمل عملا طيبا دون أن يتطلع إلى أن يكسب شيئا لنفسه. 
مريم هجرها الرجل الذي أحبته بينما كانت حاملا في طفله. ومن أجل البقاء، تزوجت من رجل انتهز وضعها الصعب. شقيقها الأكبر لم تكن له أي علاقة بها. ولا توجد فرصة تذكر أمامها لأخذ أي مبادرة في حياتها، ومثلما تقول جارتها العجوز (صبريا كارا)، فإن إحدى تلك الفرص هي إعطاء زوجها المتعة الجنسية.
والانتقادات الماركسية والنسوية في الفيلم لمؤسسة الأسرة تتكشف في بحث (غوفين) بالتفصيل الشديد في القيود التي تكبل المرأة بسبب افتقارها إلى الاختيار في المجتمع وفي الأسرة وكذلك افتقارها إلى الحرية الاقتصادية.
والرمز المجازي للسقف الذي لا يمكن إصلاحه بسبب عدم وجود المال، يظهر كيف يدمر عدم المساواة هذا قدسية الأسرة. 
عندما تلتقي مريم وإسراء، يسأل علي مريم "هل معك أي نقود؟" وتقول هي "إسراء دفعت"، ولا بأس في هذا لأن إسراء تعمل في وظيفة إدارية. تنتقد مريم إسراء وهي تتحدث مع علي وتقول "وكأنها رئيسة العالم" لكن انتقادها الفعلي لصديقتها هو أنها تود الحصول على المال الكافي لإصلاح السقف. 
في النهاية، تحصل مريم بشكل غير متوقع على مبلغ صغير من المال يغير حياتها، وهي حبكة ليست مفاجئة في سياق فيلم من الأفلام السوداء، لكنها مفاجئة تماما في سياق حكاية الفيلم. 
وتظهر الاشتباكات بين علي وصديق طفولته فريد (اللذان لا يحاول أي منهما أن يظهر على أنه الذكر الأول) بشكل ساخر. وعندما يتحدث فريد مع علي بشأن زواجه من مريم وتربية ابن فريد على أنه ابنه، يقول "من المؤكد أنك خدعتني". وعندما يعطي فريد شاحنة الصرف الصحي لعلي في مقابل إقناع مالك الحقل الذي يفترض أن الكنز موجود به بأن يسمح لهما بالحفر، يقول فريد بأسلوب ينطوي على تهديد "لا أحد في هذه الدنيا يقدر على أن يأخذ مني شيئا، لا يأخذون إلا ما أعطيه لهم".
ويقول علي لفريد لاحقا "لقد أخذتني هي، لقد وثقت بي. لم آخذ منك شيئا". 
عندما تعترض مريم على شراكتهما الإجرامية، يسأل فريد "إنه صديق طفولتي، لماذ لا أثق به؟" وترد هي "ماذا ينبغي أن يكون هناك أكثر من ذلك؟" مثل هذه السطور تلفت الانتباه إلى خطر هذه المقابلة غير الضرورية. 
وتبقي المخرجة شيفا أوزتورك الجمهور في حالة فضول بمواصلتها تأجيج التوتر باطراد من خلال الأحداث والشخصيات، كما يضيف الأداء المذهل كالعادة لسركان كيسكين، كمفوض للشرطة، إلى الحكاية. 
ويتعين التنويه بشكل خاص بفيزا جالديران التي تصور، في أول مرة لها خلف الكاميرا، قوة المرأة وتضيف عينا نسائية إلى الفيلم. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/movie-review/guven-trust-dark-movie-narrating-complexities-human-relations

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبتها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "أحوال تركية" التحريرية
 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.