باتريشيا ألونسو
ديسمبر 25 2017

في أجواء الخوف بتركيا تنمو الرقابة الذاتية وتنشط

روت مواطنة إسبانية ما واجهته حين أرادت استئجار شقة في تركيا.

قالت وهي تجلس على الجانب الآخر من الطاولة "في أحد الأيام عثرت على شقة لطيفة.. كان سعرها جيدا.. لكن إيجي قال إنني لا يمكنني السكن في تلك البناية".
وأضافت الشابة قبل أن تلتفت إلى صديقها لتقول شيئا باللغة التركية "قال لي: لا يمكنك ذلك  لأن الشقة ملك رجل سيء".
ما قالته الشابة الإسبانية استجلب نظرات مذهولة من الأجانب حولها.
سألت واحدة "هل تتحدثين عن غولن؟"
قابلت الفتاة وصديقها السؤال بذهول.
قال إيجي وهو يتطلع للطاولة الوحيدة، بخلاف طاولتهم، التي يجلس بها زبائن "اصمتي من فضلك.. لا يجدر بك ذكر اسمه بصوت عال هكذا.. قد يسمعك أحدهم".
 
بالنسبة لغريبة مثلي بدت المحادثة مبالغة في الخوف. تذكرت حينها شخصيات رواية هاري بوتر الشهيرة.
الشخصية التي أعنيها هنا من رواية هاري بوتر ذكرتني بفتح الله غولن. كان هذا الداعية حليفا لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لكنه الآن، وهو المقيم بالولايات المتحدة، متهم بإدارة حركة دينية عالمية تدفع بعناصرها خلسة إلى قطاعات الشرطة والمصالح العامة والقضاء والجيش. وبعد انفصاله نهائيا عن حزب العدالة والتنمية في نهاية عام 2013 تقول الحكومة إن غولن أمر أتباعه ببدء العمل لتنفيذ محاولة الانقلاب العام الماضي. لكن محاولة الانقلاب باءت بالفشل حين تدفق مؤيدو الحكومة إلى الشوارع وتصدوا لدبابات مدبري الانقلاب.
 
في القرن الثامن عشر أدخل الفيلسوف جيريمي بنتام مفهوما للرقابة أسماه بانويتيكون أو المراقبة والمعاقبة. سجن مُصمّم بحيث يمكن لحارس جالس في برج من القرون الوسطى بمراقبة جميع السجناء في الزنازين. المهم هنا هو أن السجناء لا يمكنهم معرفة إن كان هناك حارس يراقبهم فعلا أم لا وبالتالي يتصرفون دوما بافتراض أنهم يتعرضون للرقابة.
ووصف بنتام ذلك بأنه "نمط جديد من سيطرة عقل على عقل".
يمكن استخدام مفهوم بانويتيكون هذ ا لوصف الرقابة الجماعية التي يتعرض لها الناس اليوم. الرقابة اليوم غير مرئية لكن بين الأمرين متشابهات. الحارس الرقيب هو الدولة والبرج غير مرئي.
عن هذه الأحوال قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عام 1975 إنها تجبر المواطنين بمرور الوقت على اكتساب صفات سلوكية بشكل فردي وإيجاد مناخ الرقابة الذاتية.. من قبيل لا تقل هذا.. لا تتعامل مع هذا الشخص.. لا تكتب هذا على فيسبوك.. لا تسكن هناك".
هذا النوع من الترهيب يتغلغل داخل المجتمع التركي اليوم ويفرز قطاعا من المواطنين المنساقين بعدما شهدوا مصير كل من تجرأ.
في اتصال هاتفي مع زوجة أحد المعلمين بعد أن فصل زوجها من عمله وسجن في أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016 رفضت المترجمة التي تساعدني استكمال العمل.
قالت لي "ربما كانت الحكومة تتنصّت. لا أريد مشاكل".
 
تقول مؤسسة فريدم هاوس إن تركيا احتلت المركز الثاني في قائمة أكثر دول العالم تدهورا على صعيد الحريات في عام 2017. كان المركز الأول من نصيب جمهورية أفريقيا الوسطى.
 
وأظهر أحدث تقرير عن الشفافية صادر عن شركة تويتر أن تركيا تتصدر دول العالم في قائمة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي مسجلة ما يقرب من ألفي طلب حذف لمحتوى.
ورغم رفض طلبات حذف المحتوى في 11 بالمئة من الحالات فإن الهيئات الحكومية من خلال هذه الوسائل تملك القدرة على زرع نوع من الخوف الانضباطي يشبه ما ذكرناه في مثال الحارس والمساجين. النهاية محتومة؛ المراقبة والرقابة الذاتية وجهان لعملة واحدة.
من خلال هذا النظام فإن وسائل الإعلام تعجز أيضا عن طرح وجهة نظر نقدية.
 
أكثر من يلمس هذا الوجود الطاغي لنظام المراقبة هم الصحفيون في تركيا، حيث أكثر بلدان العالم سجنا للصحفيين خلال العامين الماضيين.
يخشى الصحفيون طرح الأسئلة ومن التعرض للمراقبة ومن إثارة غضب من في السلطة. وبسبب هذا الخوف المفهوم، تضررت جودة المحتوى وتنوع المعلومات واختفت الكتلة الحرجة.
يدرس الصحفي إيرول أوندير أوغلو، الناشط دفاعا عن حرية الصحافة والمتحدث باسم منظمة مراسلون بلا حدود في تركيا، أثر الرقابة الذاتية على الصحافة. ويقول إنه لا يوجد من هو آمن بنسبة مئة بالمئة حين يتعلق الأمر بنشر المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي أو كتابة قصة جديدة.
قال أوندير أوغلو "نعرف أن القضايا الاقتصادية أو الأخبار المتعلقة بحقوق النقابات أو الليبراليين هي أهم القضايا التي يتحسسها الصحفي بدافع الرقابة الذاتية".
ويواجه مستخدمو الإنترنت بدورهم إجراءات عقابية على ما ينشرونه من محتوى أو صور على وسائل التواصل الاجتماعي. ويضيف أندير أوغلو "أصبح موظفو المصالح العامة والصحفيون يفكرون مليا قبل مشاركة أي محتوى مثير للجدل".
 
في هذه الأوضاع اختفت حالات النقاش الشعبي. وقال أوندير أوغلو "لم تعد الحكومة ترحب بمثل هذه المساهمات من وسائل الإعلام فهي قلقة أكثر بتحديد أسباب تركيز بعض الصحفيين على القيام بعملهم الصحفي. تعتقد الحكومة أن على الصحفيين في مثل هذه الأوضاع ألا يوجهوا الانتقاد.. بل عليهم السمع والطاعة".
أصبح أثر الصحافة اليوم محدودا وبات الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان على حد سواء يتخذون إجراءات وقائية بشكل أكبر لحماية خصوصيتهم على الإنترنت. يحاولون تضليل الرقيب.
 
هل هناك من سبيل للخروج من هذا السجن؟ هل هناك نفق "سري" مثلا؟".
في الواقع خشي بنتام بعد وضع نظرية بانويتيكون أن تصير أداة للقمع فاستحدث نظرية مُضادّة. نظام فيه يجلس وزير داخل غرفة شفافة والشعب من حولها يطرح أسئلة. الفكرة هنا هي الشفافية التي تتيح محاسبة أصحاب السلطة بمعنى ضرورة فرض رقابة على الحكام أيضا.
ينبغي أن يكون هذا هو الدور الرقابي الذي تؤديه الصحافة في النهاية: أن تصبح حارسا يراقب من في السلطة. لكن هناك أيضا دور المجتمع المدني لمحاسبة الحكومة على تصرفاتها بدلا من السماح لها بمضايقة عناصر المجتمع وتحويلهم إلى مجموعة من الخانعين.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة الإنجليزية أيضاً: