في الاقتصاد.. "الحقائق البديلة" بالنسبة لتركيا الآن

يبدو أن تركيا لن تخرج أبدا من دائرة الضوء، ولم يحدث هذا خلال السنوات الخمس الماضية لأسباب وجيهة.
وهذه الأيام، فإن التركيز على العملية العسكرية التي تقوم بها تركيا في عفرين بسوريا. وتتم مراقبة الموقف في الجيب الذي يسيطر عليه الأكراد عن كثب بعدما وصل مقاتلون تابعون للنظام السوري إلى هناك بعد صفقة تم إبرامها بين دمشق ووحدات حماية الشعب الكردية. واحتمال وقوع اشتباك بين الجيش التركي الذي يدعمه متمردون من الجيش السوري الحر والمقاتلين المؤيدين للنظام السوري يعد سببا حقيقيا لإثارة القلق.
والتقارير التي تقول إن روسيا أعطت الضوء الأخضر لنشر ميليشيات موالية للنظام السوري في عفرين الآن تعرض مستقبل العلاقة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان لبعض الخطر، ناهيك عن حياة الكثيرين ممن يقاتلون في ساحة المعركة. وفي الوقت ذاته، أدانت جماعات حقوق الإنسان حكما أصدرته محكمة تركية يقضي بسجن ثلاثة من الصحفيين الأتراك البارزين مدى الحياة بسبب ادعاءات بالتورط في محاولة الانقلاب التي وقعت في عام 2016. وتضيف جميع هذه الأحداث إلى زيادة المخاطر بالنسبة لتركيا كما تؤدي إلى إضعاف الليرة التركية بالطبع.
ويضع جدول الأعمال السياسية المكثفة التطورات على الجبهة الاقتصادية في الظل. لكن، الخلفية الاقتصادية في تركيا هي التي تدفع في الحقيقة التطورات السياسية. وتقترب الانتخابات الرئاسية بسرعة. وبالنسبة لأردوغان، فلا يوجد أمامه أي خيارات سوى الفوز في الانتخابات التي من المقرر إجراؤها في موعد أقصاه العام المقبل وذلك إذا أراد أن ينشئ نظاما رئاسيا كاملا في تركيا وأن يحكم البلاد حتى الذكرى المئوية لقيام البلاد في 2023.
وأكد صندوق النقد الدولي في المادة الرابعة من بياناته الختامية على المخاطر الاقتصادية التي تواجهها تركيا حاليا. وبالنسبة لقراء هذا العمود، فإن رسالة صندوق النقد الدولي لن تمثل شيئا جديدا، لكن يجب أن يفتحوا أعينهم على بعض هذه المخاطر بسبب التحذيرات التي تم توجيهها للحكومة في الوثائق الرسمية لصندوق النقد الدولي وليست في اجتماعات خلف الأبواب المغلقة.
وحذر الصندوق من أن النمو الاقتصادي الذي بلغ سبعة بالمئة العام الماضي يتجاوز إمكانية تركيا، وذلك بفضل سياسة مالية داعمة ومحددة، وقوة ائتمان دافعة كبيرة تقودها ضمانات القروض المقدمة من الدولة. كما ركز تحذير صندوق النقد الدولي على علامات زيادة المعروض في قطاع البناء. وحث الصندوق الحكومة على إيجاد هوامش أمان مالية طويلة المدى واتخاذ تدابير تحوط كلي، فضلا عن استخدام الحسابات المالية لأغراض إدارة الطلب.
كما قال الصندوق إن عجز الحساب الجاري سيظل فوق خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الوقت في المستقبل، مشيرا إلى أسعار النفط المرتفعة وواردات الذهب المتميزة. وبالطبع، تحول اهتمامه إلى صعوبات التمويل التي واجهتها تركيا. وفي العام الماضي، أدت إصدارات سندات أوروبية، وعمليات السحب التي قام بها البنك المركزي من التدفقات الداخلة في صورة استثمارات في الحوافظ المالية واحتياطيات العملة الأجنبية إلى نتائج جيدة في غياب الاستثمار الأجنبي المباشر الكافي.
ومع وجود احتياطيات للبنك المركزي تغطي فقط نصف متطلبات التمويل الخارجي الإجمالي البالغة حوالي 200 مليار دولار، فقد يؤدي رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي لأسعار الفائدة، والتوترات السياسية الداخلية وعلى الحدود السورية، حيث قد يخرج الموقف عن نطاق السيطرة، إلى الحد بصورة أكبر من تدفقات الأموال من صناديق الجودة إلى تركيا. ومن ثم، تبرز صعوبات التمويل الخارجي، مع الاعتماد المتزايد على رأس المال قصير المدى، كعوامل هشاشة رئيسية بالنسبة لسلامة الاقتصاد التركي.
وفيما يتعلق بالتضخم في خانة العشرات بالنسبة لتركيا، وهو أكثر من ضعف هدف البنك المركزي، قال صندوق النقد الدولي إنه على الرغم من العوامل الإيجابية لسنة الأساس في النصف الأول من العام، فإن تضخم أسعار المستهلكين يبدو أنه سيظل في خانة العشرات بحلول نهاية العام بسبب تدهور توقعات التضخم والضغوط المستمرة من حيث التكلفة من الليرة الضعيفة.
ومن ثم، حث الصندوق صراحة البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة قائلا إن التضخم مازال يمثل تحديا مهما. ومع وجود عاصفة كاملة تعصف بجبهة التضخم من خلال مزيج من زيادة الطلب، ورفع الأسعار وقوى انخفاض قيمة الليرة، شدد الصندوق على الحاجة إلى "إعادة تقويم" السياسة المالية، أي "إعادة تقويم" رفع أسعار الفائدة لزيادة المصداقية وكبح جماح توقعات التضخم. وربما يكون الأكثر أهمية، عبر رفع أسعار الفائدة هذه، أن يكون البنك المركزي التركي قادرا على الإضافة إلى احتياطاته الضعيفة من العملة الأجنبية وفي نفس الوقت مازالت أمامه الفرصة للاستفادة من ظروف السيولة العالمية المواتية.
ودفعت النقطة الأخيرة لصندوق النقد الدولي بشأن رفع أسعار الفائدة كما هو متوقع حكومة أردوغان إلى الشروع في موجة جديدة من الانتقاد لسياسات الصندوق. وقال جميل إرتم أحد كبار المستشارين الاقتصاديين لأردوغان إن الحكومة ستفعل بالضبط عكس ما يوصي به صندوق النقد الدولي.
ويشكك إرتم دائما في سياسات صندوق النقد الدولي، ويرى أن الغرب يستهدف نهوض "تركيا جديدة" على يد حزب العدالة والتنمية الحاكم بسبب نجاحها الاقتصادي. كما يرى إرتم إن تحقيق نمو اقتصادي نسبته خمسة بالمئة في عام 2018، وهو الهدف المالي للحكومة، لن يكون كافيا وإن تحقيق معدلات نمو نسبتها سبعة بالمئة لن يعني أن الاقتصاد يميل نحو من التضخم.

مخطط بياني حول الاقتصاد التركي
مخطط بياني حول الاقتصاد التركي

ويزعم إرتم أن طلب صندوق النقد الدولي برفع أسعار الفائدة مقدما مصمم لخدمة "لوبي سعر الفائدة" الأجنبية. وقال إن الحكومة ستسعى لإيجاد سبل لخفض أسعار الفائدة بدلا من رفعها أكثر من ذلك. ويدعم إرتم، منكرا قواعد الاقتصاد الكلي البالغ عددها 101 قاعدة، منذ فترة طويلة فكرة أن التضخم وصل إلى خانة العشرات بسبب ارتفاع أسعار الفائدة. وقال إرتم هذا الأسبوع إن المشكلة الرئيسية بالنسبة الاقتصاد الكلي التركي هي أسعار الفائدة المرتفعة وليست زيادة عجز الحساب الجاري، أو صعوبات التمويل أو تضخم في خانة العشرات.
ومع بلوغ التضخم المعلن الآن 10.5 بالمئة مقارنة بنسبة 12 بالمئة في نهاية عام 2017، بفضل التأثيرات الأساسية الإيجابية المذكورة سابقا، طالب إرتم من البنك المركزي التركي تخفيض سعر الفائدة وليس رفعها. وقال أيضا إنه يتوقع أن تبدأ البنوك التي تديرها الدولة في خفض أسعار الفائدة وذلك لدعم النمو في الأيام القادمة وطالب المقرضين الآخرين باتخاذ نفس الإجراء.
ولم يذكر إرتم، بالطبع، معدل التضخم الأساسي، والذي يظل في نطاق 11-12 بالمئة، أو خفض التمويل الذي تستخدمه تركيا لتمويل عجز الحساب الجاري المتزايد، أو الحاجة إلى تحسين قدرتها المؤسسية التي تعاني بشدة.

مخطط بياني حول الاقتصاد التركي
مخطط بياني حول الاقتصاد التركي

كما يلقي نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك الضوء على النجاحات التي حققها الاقتصاد التركي، مشددا على أن معدل نمو نسبته سبعة بالمئة يعادل تقريبا ثلاثة أضعاف متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وشيمشك، الذي كان خبيرا اقتصاديا في بنك استثماري قبل انضمامه إلى حزب العدالة والتنمية، يدرك بصورة كبيرة بالطبع قواعد الاقتصاد الأساسية. وحتى الآن، يحجم هو الآخر عن تحدي إرتم والأصوات المشابهة لإرتم القريبة من الرئيس فيما يتعلق بالخيارات الاقتصادية النادرة لتركيا التي يحتمل أن تكون مصدر اضطرابات في البلاد في الفترة القادمة.
وفي الوقت الذي تتباطأ فيه معدلات نمو القروض في تركيا بصورة كبيرة في أعقاب الازدهار الذي حققته العام الماضي، فإن مشاعر المستهلكين والأعمال التجارية تعاني من الإحباط بعد ما ثبت أنها قفزة مؤقتة في شهري ديسمبر ويناير الماضيين. والأكثر من ذلك، فإن عجز الحساب الجاري مازال يشهد تزايدا أكثر فأكثر. وكانت بداية العام أيضا سيئة جدا فيما يتعلق بالميزانية. وفي نفس الوقت، فإن الحكومة تتأهب لمزيد من التحفيز المالي لدعم النمو.
ويبدو من الواضح ما هو المطلوب مع تفاقم التراجع العالمي للأسواق الناشئة. وحتى الأن، فإننا في تركيا نحاول أن نعيش في فترة "تجاوز الحقيقة". وستستمر مطالبات "تجاوز الحقيقة" بغض الطرف عن الحقائق والاستمرار داخل حدود روايات الحكومة، على الأقل طالما أن مثل هذه القصص المختلقة يمكن أن تبقى.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/its-alternative-facts-turkey-now