ديسمبر 10 2017

في اليوم العالمي لحقوق الانسان: تركيا سجن كبير وقبضة حديدية

يحتفل العالم في مثل هذا اليوم، العاشر من ديسمبر من كل عام باليوم العالمي لحقوق الانسان.
 ويرمز ذلك لليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1948 الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
وفي هذا العام، ينظم يوم حقوق الإنسان حملة تستمر عاما كاملا للاحتفال بالذكرى السنوية السبعين المقبلة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي وثيقة تاريخية أعلنت حقوقا غير قابلة للتصرف حيث يحق لكل شخص أن يتمتع بها كإنسان - بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر. وهي الوثيقة الأكثر ترجمة في العالم، وهي متاحة بأكثر من 500 لغة.
وفي اجواء هذه الحفاوة بحقوق الانسان من حول العالم لا بد من التوقف عند اخطر البؤر اختراقا لمواثيق حقوق الانسان واكثر الدول استخفاف بامواثيق الدولية وامتهانا لكرامة مواطنيها وبالطبع تحتل تركيا موقع الصدارة في هذا التسلسل المريع لقمع الحقوق والحريات الانسانية الاساسية.

تركيا اليوم هي من اكثر الدول خرقا للمواثيق العالمية لحقوق الانسان
تركيا اليوم هي من اكثر الدول خرقا للمواثيق العالمية لحقوق الانسان

وبهذه المناسبة اصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها السنوي بصدد اوضاع حقوق الانسان في هذا البلد راصدة اشكال لا حصر لها من الخروقات المريعة من قبيل الاعتقالات التعسفية وغياب العدالة في اجراء المحاكمات للمعارضين وسجناء الرأي فضلا عن انواع شتى من التعذيب والسجن الانفرادي والاذلال والانتهاكات الجنسية والجسدية واعتقال الصحافيين والمدافعين عن حقوق الانسان وساذر المنتقدين للحكومة.
من جهة اخرى، أدى وقوع محاولة انقلاب إلى شن حملة قمعية واسعة النطاق من قِبَل الحكومة،على حد وصف التقرير ضد عدد كبير من الموظفين الحكوميين وموظفي المجتمع المدني، والذين استهدفتهم تلك الحملة بصورة رئيسية لاتهامهم بأن لهم صلات بحركة فتح الله غولن، فتم اعتقال وحبس أكثر من أربعين ألف شخص حبساً احتياطياً تمهيداً لمحاكمتهم خلال الأشهر الستة لفترة الطوارئ التي تم فرضها في البلاد. 
لقد توافرت أدلة على تعرض المعتقلين للتعذيب في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وفُصِلَ قرابة تسعين ألف موظف حكومي من الخدمة، وأُغلِقت المئات من دور الإعلام والمنظمات غير الحكومية، وتم اعتقال صحفيين وناشطين، وأعضاء في البرلمان.
 واستمرت انتهاكات حقوق الإنسان من قِبَل قوات الأمن، مع الإفلات من العقاب، وخاصةً في المناطق الواقعة في جنوب شرق تركيا، ذات الأغلبية الكردية في البلاد، حيث يتم حظر التجول؛ كما شُرِدَ ما يصل الى نصف مليون شخص داخل البلاد.
لقد وقعت كل هذه الأحداث المتفاقمة في وقت قام أردوغان بتوطيد سلطته على الرأي العام بالقوة مستعينا بموارد الدولة واجهزتها القمعية وذلك من خلال سن التعديلات الدستورية التي ادت إلى منح الرئيس صلاحيات مفتوحة ولانهائية.

تقرير منظمة العفو الدولية فضح الانتهاكات الصارخة لمواثيق حقوق الانسان التي ارتكبها نظام اردوغان
تقرير منظمة العفو الدولية فضح الانتهاكات الصارخة لمواثيق حقوق الانسان التي ارتكبها نظام اردوغان

لقد استخدم اردوغان الصلاحيات المفتوحة التي وفرتها له التعديلات الدستورية ومحاولة الانقلاب غطاءا لتصفية الخصوم ، فأعلنت الحكومة حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وتم تمديدها لمدة ثلاثة أشهر أخرى في أكتوبر /تشرين الأول، الأمر الذي يعني عدم التقيد بقائمة من المواد الواردة في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، و"الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية".
 لقد اتاحت تلك الصلاحيات الظالمة فصل قرابة 90 ألف موظف حكومي من مناصبهم فعلياً، من بينهم ضباط شرطة ومعُلمون ومسؤولون عسكريون، وأطباء وقُضاة ومدّعون عامّون؛ وذلك بزعم ارتباطهم بمنظمة إرهابية، أو لكونهم يُشكلون تهديداً للأمن القومي كما تزعم البيانات الحكومية .
هنا لا بد من القول انه لا يوجد سند واضح من القانون يُبرر تلك القرارات، فهناك ما لا يقل عن 40 ألف شخص كانوا رهن الاعتقال والحبس احتياطياً تمهيداً لمحاكمتهم بتهمة أنهم على صلة بمحاولة الانقلاب، أو بتهمة ارتباطهم بحركة غولن، والمُصنّفة من قِبَل السلطات تحت مُسمى "منظمة غولن الإرهابية".
اما علي صعيد حرية التعبير فيشير تقرير منظمة العفو الدولية الي تدهور خطير في هذا المجال فبعد إعلان حالة الطوارئ، تم اعتقال وحبس أكثر 118 صحفياً حبساً احتياطياً تمهيداً لمحاكمتهم، وتم إغلاق عدد 184 من دور الإعلام تعسفاً، وبشكل دائم، بموجب مراسيم تنفيذية، مما أدى إلى فرض قيود مُشددة على وسائل إعلام المعارضة.
وفي مارس الماضي، أصدرت إحدى المحاكم في العاصمة أنقرة قراراً بمصادرة مجموعة "زمان الإعلامية" المُعارضة والسيطرة عليها، بعد أن قامت قوات الشرطة باقتحام مكاتب المجموعة الإعلامية". وعلى إثر ذلك، تم فرض نشر مقالات مؤيدة للحكومة في الصُحف والقنوات التلفزيونية التابعة للمجموعة.

تقييد الحريات الصحافية والقاء الصحافيين المعرضين في السجون احدى سياسات اردوغان ومثال على ذلك صحيفة زمان المعارضة
تقييد الحريات الصحافية والقاء الصحافيين المعرضين في السجون احدى سياسات اردوغان ومثال على ذلك صحيفة زمان المعارضة

 وفي يوليوالماضي، أُغلقت كل الدور الإعلامية التابعة لمجموعة "زمان الإعلامية" بشكلٍ دائمٍ، كما تم إغلاق دور إعلام أخرى ذات صلة بحركة غولن، علاوة على إغلاق مقار الإصدارات الجديدة للصحف التي تم إصدارها بعد أن تسلمت الحكومة زمام الأمور في مجموعة "زمان الإعلامية".
وعلي صعيد آخر، شُددت الحكومة الرقابة على شبكة الإنترنت، بالتزامن مع استصدار السلطات أوامر من السلطة القضائية تقضي بتخويل السلطات صلاحية سحب أو حجب المواد الإليكترونية، بما في ذلك المواقع الاليكترونية، والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تنتقد الحكومة. 
من جانب آخر أجمعت تقارير منظمات حقوق الانسان ومؤسسات حقوقية مستقلة علي ارتفاع مضطرد في عدد حالات التعذيب سواد في مراكز الاحتجاز او في السجون.
فقد ادي فرض حالة الطوارئ في البلاد إلى إلغاء إجراءات الحماية المكفولة للمُحتجزين، والسماح بالممارسات التي تم حظرها في وقتٍ سابقٍ، مما ساهم في تسهيل عملية التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.
 كما تم استحداث تسجيل المحادثات بين المُحتجز ومحاميه خلال فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة، وتمرير تلك المحادثات إلى المدّعين العامين. وقد تم أيضاً تقييد حق المُحتجُزين في الاتصال بمحامييهم، وتقييد حقهم في منحهم حرية اختيار محامييهم، بدلاً من المحامين المُنتدبين من المحكمة. وعلاوة على ذلك، فإن الفحوصات الطبية الخاصة بالمُحتجزين يتم إجراؤها بحضور ضباط الشرطة، ويُمنع وصول التقارير الطبية إلى محاميي المُحتجزين بشكل تعسفي.
ولا توجد اية آلية مراقبة على أماكن الاحتجاز بصورة مُستقلة، وذلك بعد إلغاء "مؤسسة حقوق الإنسان" في عام 2015.

صور ضحايا القمع في احداث حديقة غيزي وحيث لم يجر أي تحقيق جدي بشأنهم ولم يعاقب رجال الشرطة الذين قتلوهم
صور ضحايا القمع في احداث حديقة غيزي وحيث لم يجر أي تحقيق جدي بشأنهم ولم يعاقب رجال الشرطة الذين قتلوهم

وأفادت تقارير، صدرت في أعقاب محاولة الانقلاب مباشرةً، بأنه قد تم رصد حالات تعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على نطاقٍ واسعٍ ضد المُشتبه بتورطهم في المشاركة في محاولة الانقلاب. وأفادت تقارير أخرى بأنه في يوليو، تم رصد حالات لأشخاص تعرضوا للضرب المبرح، والاعتداءات الجنسية، والتهديد بالاغتصاب، والاغتصاب؛ كما تم اعتقال آلاف الأشخاص واحتجازهم داخل مراكز الاحتجاز الرسمية، وغير الرسمية التابعة للشرطة. 
ومن الجلي أن ضباط الجيش كانوا مُستهدفين للاعتداء الجسدي عليهم في أسوأ صوره؛ فقد أفادت تقارير عن وقوع انتهاكات على نطاق أوسع بكثير، حيث تم حبس المعتقلين في أوضاع مُجهِدة، وابقائهم مُكبلي اليدين وراء ظهورهم، وحرمانهم من الطعام والماء الكافيين، وعدم السماح لهم بالذهاب إلى دورات المياه. وفي أغلب الأحيان، لم يتم إبلاغ محاميي وأقارب المُعتقلين بأنهم محتجزون لحين توجيه الاتهامات إليهم.
تقول منظمة العفو الدولية في تقريرها أيضا ان ظاهرة الإفلات من العقاب على الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن ظلت سائدة في البلاد، فقد تقاعست السلطات عن التحقيق بشأن مزاعم تُفيد بحدوث انتهاكات لحقوق الإنسان على نطاقٍ واسعٍ.

النساء من ضحايا الاستخدام المفرط للقوة في تركيا
النساء من ضحايا الاستخدام المفرط للقوة في تركيا

وعلى الرغم من تصديق تركيا على "اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة (اتفاقية اسطنبول) فلم تقم السلطات التركية بإحراز أي تقدم يُذكر بشأن وقف العنف المنزلي المُتفشي ضد المرأة، ولا فيما يتعلق باعتماد إجراءات للتحقيق بشأن دوافع الكراهية، فيما يخص حالات الأشخاص الذين يُعتقد بأنهم قد لقوا مصرعهم بسبب ميولهم الجنسية أو هوية نوع جنسهم.
لقد مرت أكثر من ثلاث سنوات، وها هي التحقيقات التي أُجريت بشأن استخدام القوة من جانب الشرطة في فض المظاهرات التي اندلعت في حديقة غيزي " ، قد باءت بالفشل، حيث أنها لم تُسفِر سوى عن عدد قليل للغاية من المُحاكمات غير المُرضية.