مايا أراكون
نوفمبر 16 2017

في تركيا .. أجيال لا تفهم ما تقرؤه

صرّح أندرياس سكليشر مدير بيسا (البرنامج الدولي لتقييم الطلبة) قائلا لجريدة خبرتورك " نظام التعليم التركي لا يلائم العالم" وأضاف:  أن ما تُدرّسونه الآن ليس مُجديا"
حسنا، ما أهمية هذا الخبر؟ بيسا هو برنامج دولي لتقيييم الطلبة تُشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
واختبار بيسا هو اختبار يُجرى مرّة كل ثلاث سنوات، يدخله الطلاب البالغ أعمارهم 15 سنة في جميع أنحاء العالم. يختبر الطلاب في مجالات الرياضيات والعلوم والقراءة.
ووفقاً للنتائج التي تمّ الحصول عليها من الاستبيان الذي تمّ إجراؤه مع الطلاب فى اختبار بيسا الأخير، نجد تركيا قد تصدرت المرتبة الأخيرة بحصولها على 6.12 من أصل 10 في ترتيب استبيان "مقياس الرضا عن الحياة" وسط 28 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمّ فحص معطياتها. ووفقا لمقياس رضا الطلاب عن الحياة، تبين أن 28.6 % من الطلاب الأتراك البالغين من العمر 15 سنة غير راضين عن حياتهم. وبهذه النسبة تكون تركيا قد تخطت بالتقريب 3 أضعاف متوسط النسبة 11.8% الخاصة بالمنظمة.
ووفقا لنتائج بيسا فإنّ الطلاب الأتراك هم الأقل مستوى في متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مجالات الرياضيات والعلوم والقراءة.
وقد تم إجراء الاختبار بين 540 ألف طالب في عُمر 15 سنة من 72 دولة ومنطقة اقتصادية.
ورغم احتلال تركيا المرتبة 50 بين 72 دولة إلا أنّ أدائها قد انخفض مقارنة بالاختبارات السابقة. ووفقا للنتائج المُعلنة كانت اليابان وإستونيا وفنلندا وكندا من أكثر البلدان نجاحا بين بلدان منظمة التعاون والتنمية البالغ عددها 35 بلدا.
أما تركيا فتصدرت ذيل القائمة. حيث حصل أقل من 1% على أعلى الدرجات بين الطلاب فى 20 دولة فى مجال العلوم، وكانت تركيا إحدى هذه الدول بنسبة 0.3%.
أما في مجال الرياضيات فإنّ مستوى النجاح في تركيا يشبه الإمارات العربية المتحدة ومولدافيا والجبل الأسود وألبانيا.
إذا فلنجرّب أن نُريِح أنفسنا قائلين "هذه مواضيع صعبة". أما ما يستحق القلق والخوف: احتلال تركيا المرتبة الأخيرة بين دول المنظمة في فهم المقروء فهما صحيحاً.
تخيلوا! نحن ننشئ أطفالا عاجزين عن فهم ما يقرؤنه بلغتهم الأم بشكل صحيح!
وقد حدث هذا معنا جميعا: فعلى سبيل المثال يجيب البعض بأجوبة سخيفة على تعليق تكتبونه في مواقع الاتصال الاجتماعي، فتحدثون أنفسكم قائلين: "أهؤلاء الناس لا يستطيعون القراءة والكتابة!؟"
ها هو الجواب: نعم، لا يعرفون. وعلى وجه أدق يعرفون الكتابة ولا يعرفون القراءة.
لماذا؟ لأنكم إذا قمتم بتغيير نظام التعليم الأساسي كل عام، وحوّلتم الأطفال إلى حقول تجارب للمناهج المختلفة، ستحصلون على أجيال لا يفهمون ما يقرؤنه في نهاية المطاف.
وربما يكون هذا المقصود: إذا كان هدفكم تنشئة أجيال لا تفهم ما تقرأ، لا تتحرى عما يُقال، ليس لديهم القدرة على الإبداع، تبتلع كل الأكاذيب السياسية، فقد تمّ تحقيق الهدف بنجاح. فبالنظر إلى التغيرات التي طرأت على نظام التعليم فى الـ 15 عاما الماضية يتضح لنا الآتي:
• ازدياد فرق المُعامل عام 2003
• تغيير المناهج الدراسية عام 2004
• زيادة عدد سنوات المرحلة الثانوية لتصبح 4 سنوات بدلا من 3 سنوات عام  2005م.
• وضع اختبار تحديد مستوى فى نهاية الصف السادس والسابع والثامن بدلا من امتحان الاختبار بالتنسيق مع مؤسسات التعليم المتوسط.
• تغيير نظام الاختبار الخاص بقبول الطلاب المُطبق منذ 10 سنوات في عام 2010، والانتقال إلى نظام اختبار القبول بالتعليم العالي واختبار القبول بمرحلة الليسانس.
• عودة نظام تحديد المستوى إلى نظام الاختبار المُوحد فى العام الثالث من تطبيقه عام 2010م.
• تحويل المدارس الثانوية التابعة للحكومة إلى مدارس الثانوية الأناضولية.
• إلغاء المُعامل عام 2012م. والاستغناء عن نظام الـ 8 سنوات دون توقف في المرحلة الابتدائية، وتطبيق نظام 4+4+4. وبهذا النظام تم ارتفاع عدد المدارس الخاصة ومدارس الأئمة والخطباء. وبينما يزداد التعليم سوءاً، فقد تمّ إهمال التعليم الموحد (للفقراء والأغنياء) والمجاني.
• فى عام 2012م صرح الرئيس أردوغان آنذاك بضرورة إغلاق المراكز الخاصة. وانتهت المُشادات بإغلاقها عام 2014م. ووفقا لعملية الانتقال التدريجي تم التصريح بتحويل هذه المراكز إلى مدارس خاصة حتى عام 2018م-2019م. وفي هذا السياق تمّ تحويل المراكز الخاصة إلى مدارس ابتدائية.
• أما في عام 2012م فقد تمّ إضافة حياة سيدنا محمد (ص)، والمعلومات الدينية الأساسية كمادة اختيارية إلى المناهج الدراسية.
 • في عام 2013م تمّ تطبيق الاختبارالمرحلي للانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم المتوسط.
 • في عام 2017م تمّ إزالة  نظرية النشوء والارتقاء من المنهج الدراسي، وأٌضيف موضوع الجهاد إلى المنهج الدراسي تحت عنوان "العبادات الأساسية". وكان السيد أحمد حمدي جاملى عضو لجنة التربية الوطنية ونائب حزب العدالة والتنمية قد علّق على مفهوم الجهاد الذي أضيف حديثا في المنهج الدراسي قائلا "لا فائدة من تدريس الرياضيات لطفل لا يعرف الجهاد".
• في عام 2017م تم إلغاء نظام الانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم المتوسط بأمر من أردوغان، و إدخال نظام للتسجيل بالمدارس وفقا للحي.
• تغير 7 وزراء للتعليم القومي في الـ15 سنة الأخيرة.
• 80% من ميزانية وزارة التعليم القومي تذهب مباشرة إلى نفقات الموظفين. وكانت الحصة المُخصّصة للاستثمارات التعليمية من ميزانية وزارة التعليم القومي عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة 17%، وقد وصلت إلى 8.5% بحلول عام 2017م.
• قبل نظام 4+4+4 كان عدد الطلاب في 537 مدرسة ثانوية دينية في العام الدراسي 2011 – 2012 268.245 طالب، ولكن في العام الدراسي 2016م – 2017م ارتفع عدد هذه المدارس إلى 1408 مدرسة وارتفع عدد الطلاب بهذه المدارس إلى 634.406 طالب. وعندما نضيف 121.335 طالب يدرسون بالمدارس الدينية نظام التعليم المفتوح، يصل عدد الطلاب الذين يدرسون فى جميع المدارس الدينية بتركيا إلى 751.731 طالب.
• لم يعد هناك نظام اختبار مركزي الآن في آخر نظام تم تطبيقه.
• سيتم منح ملاحظات الأداء مع درجات النجاح للثمان سنوات التي قضاها الطالب في المرحلة الابتدائية.

• ستكون الفعاليات الاجتماعية والثقافية والرياضية التي شارك بها الطالب مؤثرة في ملاحظات الأداء.

• سيقوم الطالب بعمل الرغبات للثانوية التي يود الالتحاق بها عن طريق الدرجات التي ستُمنح للطالب في نهاية المرحلة التعليمية ذات الثمان سنوات.

بالتفاعل مع وضعيات صناديق التعليم نرى بأن نتائج نظام المرور من المرحلة الابتدائية للمرحلة الإعدادية، والبرنامج الدولي لتقييم الطلاب، وبرنامج المرور للتعليم العالي، واختبار الليسانس في مدارس الأئمة والخطباء قد أظهرت معدلات نجاح بنسبة واحد إلى أربعة. ويقولون إنّه بهذا الشكل يريدون فتح الباب أمام إرسال الطلاب الذين لم ينجحوا لمدارس الأئمة والخطباء.
وفي النهاية فإن توضيحات عصمت يلماز وزير التعليم القومي تقوي من هذه الإدعاءات. وقال الوزير يلماز "لقد وضعنا نظاماً لمناطق الدراسة والتسكين المحلي بدون اختبارات. سيتم في هذا النظام إرسال طلابنا لأقرب مدرسة لعناوينهم وعناوين أولياء أمورهم." بخلاف ذلك اعترف الوزير يلماز بأنها مدارس "بدون مؤهلات" بقوله "هناك مدارس بها أقسام تتطلب مؤهلات.

وكم هو مؤسف أنّ المشاكل في النظام التعليمي التي تعمل بطريقة تدوير لوحات "إعمل-أفسد" ليس لها حدود. يتم شرح قصص مُخيفة في الكتب التي يتم تدريسها للأطفال الذين يبدأون المرحلة الإبتدائية.
ونرى أنّ كتاب الحكايات الذي يحمل اسم "زهور الضحك" والذي يدرس للصفين الثاني والثالث الابتدائيين هو واحد من آخر هذه الأمثلة. وفي صفحة من صفحات الكتاب التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي يتم حكاية قصة طفلة بعدما رأت مشهد طفل مقطوع الرأس ويتم طبخ رأسه في طنجرة.
وتحتل الكتاب كلمات مثل "لن يدخل لحم أخي فمي"، و"اجمع كل العظام وادفنها تحت شجرة الورد".

جودة التعليم التركي
قصة في كتاب للصف الثاني بمدرسة ابتدائية تحكي عن فتاة رأت صورة طهي رأس طفل في وعاء للطبخ

وإذا كان المشهد بهذا الشكل فإن كلمات شليشر رئيس بيسا لا تثير الدهشة كثيراً للأسف. وبخلاف ذلك قال شليشر "يكون النظام جيدا بقدر جودة المُعلم. المُهم هو جلب أفضل المواهب لجعلهم معلمين". وليكن هذا موضوع مقالة أخرى.

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: