نيت شنكان
نوفمبر 23 2017

في تركيا .. أزمة سيادة القانون ستدوم طويلا

تتسم المؤسسات في تركيا الحديثة بالضعف إذا قيست بمعايير الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان إذ تمنح التقاليد القانونية والدستورية الأولوية لوحدة البلد وتكامل الدولة على حساب حقوق الفرد والفصل بين السلطات.
شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انفراجة، وإن كانت لفترة وجيزة، حين سعت تركيا للتماهي مع معايير الاتحاد الأوروبي. وخلال تلك الفترة أدخلت أنقرة عددا من الإصلاحات الجذرية لتعزيز استقلال المؤسسات وحماية حقوق الإنسان، لكن سرعان ما حلت محل ذلك هجمة على سيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية لأكثر من عشر سنوات.
والواقع أن الارتباط بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحركة كولن والتي امتد طيلة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ألحق أشد الضرر بالمنظومة القضائية من محاكمات مختلقة لنشطاء أكراد وعناصر من الجيش والإعلام والنخبة العلمانية.
وبعد أن دب الشقاق بين الحزب الحاكم وحركة كولن في أواخر عام 2013 استخدمت الحكومة النظام القضائي للتخلص من الحليف السابق. وبرز في هذا السياق تغييران اثنان:
•    في فبراير 2014 أجرت الحكومة تعديلا على قانون المجلس الأعلى للقضاة والمدعين الذي يتحكم في تعيينات القضاء بغرض تعزيز دور وزارة العدل في المجلس بما يشمل إعادة تكليف عدد من أعضائه. كان هذا تراجعا عن إصلاحات جوهرية استهدفت تحقيق استقلال القضاء دعمتها الحكومة عام 2010.
•    وفي يونيو 2014 أنشأت الحكومة مؤسسة جديدة أسمتها "مجلس قضاة السلام" ليتولى تطبيق "إجراءات وقائية" تشمل الموافقة على اعتقالات قبل المحاكمات وحذف محتوى ما من شبكة الإنترنت وإغلاق مواقع إلكترونية. لم تتوفر في هذه المؤسسة الجديدة آليات ملائمة للاستئناف والطعن لينتهي الأمر بتفشي حالات الاعتقالات قبل المحاكمة والحظر في الإنترنت خلال الفترة التي تلت عام 2014.

وفي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو تموز 2016 لجأت الحكومة لقانون الطوارئ للتخلص مما اعتبرتها مصادر معارضة وتغيير تبعية النظام القضائي بل وتعطيل آليات حماية سيادة القانون.
تقبع تركيا في ظل قانون الطوارئ منذ 16. وخلال تلك الفترة حدث ما يلي:
•    تعرض نحو 150 ألف شخص للاعتقال على يد الشرطة ووجهت لهم تهم تتعلق بالإرهاب أو الانضمام لجماعات مسلحة أو التورط في محاولة الانقلاب. ومن بين هؤلاء سجن 62 ألفا على الأقل.
•    في السجون 153 صحفيا.
•    فُصل ما يزيد على 110 ألف شخص من وظائف عامة بأوامر صدرت في ظل قانون الطوارئ دون توفر آليات حماية ملائمة. ما تم بحق هؤلاء هو إدراجهم عمليا في قائمة سوداء بما يعني أنهم لن يقدروا على الحصول على وظائف عامة مرة أخرى وسيتم طردهم من السكن الذي توفره الدولة كما لن يتمكن كثيرون إن لم تكن الأكثرية من الحصول على وظائف في القطاع الخاص أيضا.
•    أغلقت السلطات أو صادرت مؤسسات في عموم البلاد بينها:
-    1412 جمعية.
-    15 جامعة تديرها مؤسسات.
-    162 منصة إعلامية بينها ست وكالات إخبارية و48 صحيفة و20 مجلة و31 محطة إذاعية و28 محطة تلفزيونية و29 دار نشر.
-    2271 مؤسسة تعليمية خاصة.
-    19 نقابة مهنية.
-    مصادرة 969 شركة تقدر قيمتها بنحو 11 مليار دولار.
-    عزل 94 رئيس بلدية واستبدالهم "بأهل الثقة" الذين عينتهم أنقرة.
-    سجن 10 من أعضاء البرلمان بينهم زعيمي ثاني أكبر أحزاب المعارضة.
•    عزل اثنان من قضاة المحكمة الدستورية من منصبيهما واعتقلا إلى جانب 37 من موظفي المحاكم.
•    عزل 183 من موظفي المحكمة العليا و91 من مجلس الدولة و153 من موظفي مكتب المحاسبة العام.
•    عزل 4240 من القضاة وممثلي الادعاء (بواقع 2956 قاض و1284 مدعيا).
•    إغلاق 29 مؤسسة محاماة أو جمعية قانونية.
•    اعتقال 550 محاميا بينما يواجه 1398 محاميا محاكمات جنائية.
•    صدرت بالفعل أحكام بالسجن على 39 محاميا.
عرضتُ هذه القائمة الطويلة للتأكيد على مقدار التحول الذي تشهده تركيا عبر عملية التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب حيث تعرضت وسائل الإعلام والقطاع المدني والمجتمع القانوني والقضائي للإضعاف الشديد بل والتكبيل خلال هذه العملية.
تمت هذه العملية بطريقة جماعية. فغالبية حالات العزل الوظيفي أو الاعتقال أو الإغلاق هذه تمت على أسس عقابية لمؤسسات كاملة دون توفر وسيلة ملائمة للفحص والتدقيق بطريقة قانونية.
المراسيم التي صدرت بموجب قانون الطوارئ ساهمت كذلك في تغيير كبير طال الحماية اللازمة للأفراد أثناء التحقيق.
•    قد يحتجز مشتبه بهم لمدة تصل إلى 30 يوما دون توفير محام. صدر مرسوم طوارئ لاحقا قلص هذه المدة إلى 14 يوما.
•    تم تعليق الحق في الانفراد بالمحامي وأفراد العائلة.
•    منح الادعاء حق رفض اختيار المتهم لمحام بعينه.
•    واجه محامو المشتبه بهم قيودا في الوصول لملفات القضايا.
ساهمت هذه الإجراءات وغيرها من أوجه النكوص الأخرى في حماية الحقوق في خلق بيئة شاعت فيها تقارير عن حالات تعذيب واختفاء قسري.
في أبريل 2017 أقرت تركيا في استفتاء شعبي تعديلا للدستور بما يعزز سلطات الرئاسة على حساب بقية أفرع الحكومة بما في ذلك القضاء.
وفي ظل نظام الطوارئ وسيطرة الحكومة على الإعلام وسجن الصحفيين وقادة المعارضة لم يكن هذا الاستفتاء حرا ولا نزيها بل توفرت أسس منطقية للاعتقاد بأن الحكومة لجأت للتزوير للحصول على نسبة موافقة تتجاوز 50 بالمئة لإقرار الدستور.
عززت التعديلات الدستورية من قبضة الرئيس على القضاء بمنحه سلطة تعيين نحو نصف أعضاء مجلس القضاة والمدعين (6 من أصل 13). وسيعين البقية باختيار البرلمان الذي يسيطر عليه حزب الرئيس.
تقلص كذلك الدور الرقابي للمحكمة الدستورية وكذا دور مجلس الدولة. وتكفلت بقية التعديلات بتعزيز نفوذ الرئيس على أفرع أخرى بينها سلطات تعيين الوزراء وعزلهم وحل البرلمان وإصدار مراسيم لها قوة القانون.
كل هذا حول الحكم في تركيا إلى "النظام الرئاسي" وهو أبعد ما يكون عن مبادئ الديمقراطية.
في هذا السياق ينبغي أن نفهم محنة باستور برانسون وعائلته وكذا المعاملة التي لقيها عشرات الألوف غيره من القابعين رهن الاحتجاز وبينهم شخصيات من قبيل القيادي في المجتمع المدني عثمان كافالا والأمريكيين ميرين توبوز وحمزة أولوكاي.
وبالقضاء على آليات حماية الحقوق وتنحية مبدأ الفصل بين السلطات لم يعد الجهاز التنفيذي للدولة يكترث بتوازن القوى ولا حقوق الأفراد.

القس الأمريكي اندرو برونسون المعتقل في تركيا
القس الأمريكي اندرو برونسون المعتقل في تركيا

وستجري تركيا ثلاثة انتخابات مهمة في 2019 أولها انتخابات المحليات في مختلف أنحاء البلاد وستعقد في مارس ثم الانتخابات البرلمانية والرئاسية وهما في نوفمبر.

وتكتسب كل من هذه المراحل الانتخابية أهمية قصوى للرئيس رجب طيب إردوغان لتحقيق هدفه المتمثل في السيطرة على أذرع الدولة.

اليوم لم يعد إردوغان وحزبه الحاكم يحتاج للائتلاف الواسع الذي تشكل في بداية الألفية وضم جماعات مصالح وإسلاميين وأكراد وليبراليين. تقلصت هذه المظلة الكبيرة وأصبح اعتماد إردوغان الآن بالأساس على المقربين والعلاقة بالقوميين الأتراك وأنصار التيار الإسلامي وتيار الأوراسية.

وبغض النظر عما تقوم به الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو ما يقومان به، فإن الرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية بحاجة للعلاقة مع القوميين والمناوئين للغرب للحفاظ على التحالفات. وإن فشل التقارب فسيحل محله القمع والاستيلاء على النظام القضائي.

لهذا السبب لا ينبغي أن نتوقع أي تحسن في مبدأ سيادة القانون بتركيا خلال العامين المقبلين فليس من صالح إردوغان ولا حزبه الحاكم تفعيل النظام ليعمل بشكل أكثر قانونية وعدالة.

ولا ينبغي كذلك أن نتوقع أي تحسن في الانتخابات.

فإن فاز بها إردوغان فسيواصل مساعيه نحو إنشاء نظام وراثي. وإن خسر فسيلجأ لخطوات أكثر لتشديد قبضته على السلطة تماما مثلما فعل بعد خسارة حزب العدالة والتنمية للأغلبية البرلمانية في الانتخابات العامة في يونيو 2015.

أزمة سيادة القانون في تركيا باقية أمامنا لفترة طويلة.

الرئيس أردوغان يتحدث بعد اول انتصار له في انتخابات 2002
الرئيس أردوغان يتحدث بعد اول انتصار له في انتخابات 2002

فدعوني أعرض لكم بعض توصياتي:
1.    أكبر مشاكل السياسة الأمريكية تجاه تركيا حاليا كونها مدفوعة بمحاولة استجلاء ما سيرضي تركيا، والأهم الرئيس إردوغان، وليس بتحديد دقيق للمصالح والقيم الأمريكية في الشراكة. ساهم هذا في خلق شعور غير دقيق بحاجة الولايات المتحدة لإردوغان أكثر من حاجته هو لها. وعلى الأمريكيين أن يدركوا أن استخدام إردوغان لنعرات العداء لهم وللغرب محركها تحركات سياسية محلية محددة ولا يمكن للولايات المتحدة مهما فعلت أن تغير من ذلك.
2.    عوضا عن الانطلاق من موقع السعي لحل مشكلة التحركات والخطاب المعادي للغرب من جانب قادة السياسة التركية فإن على الولايات المتحدة أولا أن تحدد لنفسها وبدقة مصالحها وقيمها في علاقتها بتركيا وعليها بعد ذلك الإعلان عن سياسات تحقق هذه المصالح بينها اتخاذ إجراءات بحق تركيا لفرض هذه المصالح والقيم إذا واجهت أي تهديد أو تعرضت لمخالفة.
كانت هذه توصيات عملية تهدف لتعزيز سياسة الولايات المتحدة حيال تركيا لكنها ليست عصا سحرية بل علينا الاستعداد لعلاقة صعبة على المدى المنظور واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية المصالح الأمريكية.
لا يمكن إغفال التبعات الكبرى للعلاقة بين أمريكا وتركيا وآمل أن تقف الولايات المتحدة في صف المواطنين الأتراك بالعمل على تحقيق ديمقراطية حقيقية وتفعيل سيادة القانون في تركيا وهي أحوال ستتحسن يوما لتتيح الفرصة لعودة العلاقات الثنائية إلى أسس أقل توترا.
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: