أوليفر رايت
سبتمبر 21 2018

في تركيا.. الدولة هي أردوغان، وأردوغان هو الدولة

أيّ قائمة بالتعرّجات السياسية والتحولات الجذرية وتغيرات المواقف ومزاعم الخيانة التي شهدتها تركيا منذ عودة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة في العام 2002، لن تكون إلا قائمة طويلة.

تلك القائمة ستشمل التخلي التدريجي عن السياسات الاقتصادية التقليدية، مرورا بالشقاق مع حركة غولن، ووصولا إلى الصين التي غيرت فيها تركيا موقفها الداعم بقوة للأقلية المسلمة المضطهدة هناك وآثرت موقف الصمت المحرج. وفي غضون ذلك، تذبذبت العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وسوريا والأكراد، على سبيل المثال لا الحصر، بين القوة والفتور.

أي شخص في تركيا يحاول الامتثال بالنهج الرسمي، الذي تتزايد أهميته في الوقت الذي تتخذ فيه السلطات موقفا أكثر تشددا تجاه المعارضة، يواجه مهمة مستعصية لمجرد أن يستطيع مواكبة هذا النهج واتباعه، حيث أن الحكومة المتقلبة المزاج كثيرا ما تقرر أن أقرب أصدقائها بالأمس بات ألد أعدئها اليوم، وأن إكسير الحياة اليوم هو سم في الغد.

في الأوقات التي تشهد اضطرابات عالمية، لا مفر من تغيير المواقف والاتجاهات، ولكن في قلب المياه الهائجة، شردت تركيا في مسار غريب يوحي بأن الدفة مكسورة.

ولحسن الحظ، وضع أردوغان أهدافا لتركيا تشمل مجموعة من التواريخ المبشرة – 2023 و2053 و2071 – لأنه بدون هذه الأهداف ربما كان من السهل الالتباس بين تقدم تركيا والحركة البراونية (الحركة الدائمة والعشوائية لجزيئات السائل). لم يكن مفاجئا أن أردوغان بات يخجل من مناقشة أقرب هذه الأهداف في الآونة الأخيرة. فأهداف العام 2023، التي كان من المفترض أن تظهر ملامحها في الأفق، قد صارت هباء منثورا، وهي عاقبة من عواقب سوء إدارة اقتصاد تركيا بقدر كونها من تداعيات المناخ العالمي الصعب.

إذا كانت هذه الصورة الشاحبة لتركيا التي وصفت السطور السابقة ملامحها هي صورة دقيقة ولو في جانب منها، فمن المنطقي أن نسأل كيف وصلت تركيا إلى هذا الوضع؟.

أحد الأسباب الواضحة يتمثل في النظام السياسي الذي تتركز فيه السلطات في أيدي رجل واحد. وحتى قبل إعادة انتخابه رئيسا للبلاد في يونيو، كان أردوغان هو من يتخذ كل القرارات في تركيا. ومع تعزيز الصلاحيات الممنوحة له رسميا من خلال نظام الرئاسة التنفيذي، الذي نال الموافقة في استفتاء أجري في العام 2017، تقلصت القيود التي ما زالت قائمة.

من وجهة نظر أنصاره، هذا أمر جيد. فهم يرون أن الزلات والعثرات السابقة التي واجهتها تركيا ليست نتيجة القرارات السيئة التي يتخذها أردوغان، بل نتيجة القيود التي فرضها عليه النظام السياسي السابق. هذه الحجة تستند إلى افتراض أن قرارات أردوغان سليمة ودافعها هو النية في دعم مصالح تركيا. لكن المشكلة أن هناك فيض من الدلالات التي تشير إلى عكس ذلك. وكلما طالت الفترة التي يقضيها أردوغان في السلطة وزادت الصلاحيات التي يملكها، ازدادت الصعوبات التي تواجهها تركيا وازداد سياساتها تقلبا من النقيض لنقيضه دون أن تثمر، لاسيما في العلاقات مع العالم الخارجي.

من ثم، يمكن للمرء بارتياح أن يتوقع أنه طالما ظل نجم أردوغان في الصعود، على الأقل في تركيا إن لم يكن على مستوى العالم، فإن آفاق الاستقرار ستبقى قاتمة.

لكن وجهة النظر التي طرحت في وقت سابق وتقول إن مشاكل تركيا نابعة من قصر نظر أردوغان، وأولئك الذين يقدّر آراءهم، قد تكون مخطئة أيضا. فهي تستند إلى افتراض آخر مشكوك في صحته، ألا وهو أن أردوغان يفعل ما يراه في صالح بلاده. غير أنه في الواقع ربما يفعل ما يراه في صالحه فحسب، مخفيا نواياه – أمام نفسه والآخرين – وراء ستار أعمال الورع الديني والوطنية التي تلقى رواجا إعلاميا.

وللحيلولة دون هذا الأمر بالذات، تضع الكثير من الدول مجموعة من الضوابط والموازين في أنظمتها القانونية. تلك الضوابط والموازين قد ألغيت الآن في تركيا تقريبا، بإصرار من أردوغان إلى حد كبير.

في ضوء ما سبق، باتت تصرفات تركيا العشوائية أكثر وضوحا. فما يحركها هو سعي فرد للسلطة أكثر منه كفاح دولة لإرساء هوية جديدة لنفسها. وفي مثل هذا الوضع،  تكثر الأسباب التي تدفع المرء لتوقع التعرجات والتحولات الجذرية وتغيرات المواقف التي شابت تركيا، لأنه من منظور أردوغان لا أهمية لتلك التقلبات، بل ربما تكون إيجابية بقدر ما تفيده شخصيا.

لذا، سيكون خطأ فادحا القول إن أردوغان يصنع قراراته عشوائيا. فذلك يبدو ناتجا عن فهم خاطئ لأهدافه الأساسية.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يخدم مصالح أردوغان ربما لا يخدم مصالح تركيا. صحيح أن المصلحتين قد تلتقيان في أغلب الأحيان، وذلك فقط إذا كان تعزيز قوة تركيا يوافق تعزيز قوة أردوغان. لكن هناك حالات كثيرة تتعارض فيها المصلحتان. ففي المجال الاقتصادي، على سبيل المثال، قد يفيد أردوغان نظام المحسوبية الذي يدار به معظم اقتصاد البلاد في الوقت الراهن، لكنه لا ينفع الغالبية العظمى من مواطني بلاده. وعلى نفس المنوال، فإن تحالف تركيا الوثيق مع قطر ربما منح أردوغان بعض الامتيازات، مثل الطائرة الرئاسية الفارهة الجديدة، لكن فوائده للأمن القومي التركي ما زالت أقل وضوحا بكثير.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-erdogan/letat-cest-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.