مايكل ماكنزي
ديسمبر 05 2017

في تركيا.. الفكر الحر يمثل للمحاكمة في الخامس من ديسمبر

في يناير من العام الماضي، رفع أكثر من ألفي  أكاديمي - معظمهم من الأتراك – عريضة إلى البرلمان التركي يدعون فيها لوضع نهاية لما أسموه "مجزرة مخطط لها ومتعمدة" و"ترحيل للشعب التركي" منذ استئناف الصراع مع انفصالي حزب العمال الكردستاني في يوليو السابق.

وبعد ذلك بأيام، جرى اعتقال 27 من أعضاء جماعة أكاديميين من أجل السلام باتهامات "بالدعاية لمنظمة إرهابية". بيد أنه كان من المستحيل تصور مدى الخطورة التي سيجد الموقعون أنها تحيط بموقفهم في الحملة التي تلت محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو من ذلك العام.

بعد 15 يوليو ، صار أكاديميون من أجل السلام أهدافا واضحة ومناسبة لحكومة عازمة على تفريغ البيئة الأكاديمية من الأصوات الناقدة وإعادة تشكيلها وفق تصورها الخاص. وبعد أشهر من الاضطهاد الممنهج، تتجه محنة الأكاديميين إلى بلوغ ذروة قسوة مريعة. فاعتبارا من اليوم الخامس من ديسمبر ستجري محاكمة مئات الموقعين كل على حده بتهمة "الدعاية الإرهابية". وفي قاعات المحاكم في أنحاء البلاد، سيواجهون المدعين وحدهم وقد حرموا من تضامن ودعم أقرانهم.

عند هذا المفترق، يصبح موضوع  أن الحق في التعبير عن الأفكار ونشرها في العريضة، والحق في حرية التعبير بوجه عام،  منصوص عليه في المادة 26 من الدستور التركي أمرا على الهامش. كما أنه لا طائل من مناقشة لا معقولية الاتهامات أو عدم مشروعية محاكمات لمئات الأشخاص بسبب عريضة وحيدة. لقد دخلت البلاد في مرحلة يقف الحكام فيها خارج حظيرة القانون وقد باتوا عمليا محصنين ضد أي طعن من خلال البرلمان أو النظام القانوني وحققت لهم حالة الطوارئ التمكين وهم في أيديهم السلطة لاتخاد القرار وفرض استثناءات للقانون كما يحلو لهم.

في ظل هذه الظروف ليست مفاجأة أن نرى القسوة الحكومية البغيضة واضحة بجلاء في مشرعييها. وعلق النائب شهاب جاويش أوغلو على العريضة قائلا "لا يوجد بلد يمنح فيه أي أكاديمي أو سياسي أو صحفي يوقع على هذه العريضة حتى الحق في الحياة... انس أمر السجن! إنهم لن يحصلوا حتى على الحق في الحياة".

تعكس هذه الكلمات أصداء عداء الرئيس رجب طيب إردوغان الموثق جيدا تجاه الاكاديميين وبالأسلوب السليم لمتزلف يتطرف بعيدا لنقطة يبدوا فيها الأمر سخيفا ومنافيا للعقل. لكن هذا التطرف يعكس حقيقة مرة يواجهها الموقعون وهي أنهم أزيحوا عن مراكزهم، ووصمتهم وسائل الإعلام بالخيانة ولاحقتهم بها، وحرموا من المال ومن تأمين وظيفة في القطاع الخاص، وحظر عليهم مغادرة البلاد وباتوا يواجهون محاكمة واحتمالات السجن لمدد تصل إلى سبع سنوات ونصف السنة، فلم يتبق لهؤلاء الأكاديميين شيئا سوى حقهم في الحياة. هذا هو التعريف الدقيق لمصطلح استخدمه الأكاديميون لوصف محنتهم وهو "الموت المدني".

وجميع الكلمات التي تفوه بها جاويش أوغلو هي الأكثر إثارة للاشمئزاز بالنظر إلى أنه في فبراير شباط 2017 أقدم أحد الموقعين على العريضة، وهو محمد فاتح تراش، على الانتحار بسبب الضغوط النفسية التي تعرض لها بعد فصله ووضعه على القائمة السوداء لتوقيعه العريضة. وكان تراش قد جرى فصله من وظيفته البحثية في جامعة شوكوروفا بعدما اتهمه واحد من أعضاء الكلية البارزين على صلة بالمخابرات التركية بالتعاطف مع حزب العمال الكردستاني.

بعد ذلك جرى حرمانه من الحصول على تأشيرة للدراسة في بريطانيا وتكرر رفض طلبات قدمها إلى مؤسسات تركية بديلة فجأة وبدون سبب.

نلقي هنا نظرة خفيفة على خطط الحكومة للمجتمع الأكاديمي التركي. يتحمل أكاديميون من أجل السلام الوطأة الأكبر للهجوم الكاسح الذي تتعرض له الحياة الفكرية، والذي شهد فصل آلاف الأكاديميين بالأمر وتعرضهم لحظر التوظيف في المؤسسات العامة. وتعرضت جماعات تحتج على حملة التطهير هذه إلى الضرب على يد الشرطة، وجرى تنصيب رؤساء جامعات مختارين بعناية في جميع الجامعات الحكومية، كما جرى الضغط على الصحف الأكاديمية للاستغناء عن خدمات مجالسها التحريرية، ووصم الطلاب الذين يدرسون في الخارج بأنهم "عملاء للغرب برغبتهم"، بل ووصل الأمر إلى فرض حظر على ويكيبيديا. هذا النهج الاستحواذي لشل مراكز التعلم والتثقف التركية هو من عمل حكومة تخشى رقابة المفكرين والفكر النقدي. ومن خلال جعل حياة مجموعة واحدة من الأكاديميين لا تطاق كما يبدو للقاصي والداني، تهدف الحكومة إلى ترويع الجميع.

والهدف النهائي للحكومة هو أن تجعل من تركيا بلدا يكون فيه حق المواطن في الحياة عرضة لتعليقات عابرة يصرح بها نواب الحزب الحاكم، "أمة أموات أحياء" لا ضرورة فيها للفكر ولا تسامح معه ليصير كل ما هو هراء ومحض افتراء وكذب مطروح من دون رد في غياب أعين الأكاديميين أو الصحفيين الفاحصة.

وكما يقول أستاذ العلوم السياسية التركي أوموت أوزكريملي، هذا الوضع "ليس بالفريد ولا بالجديد... لكنه السمة البارزة للأنظمة الاستبدادية أو الشمولية، في الماضي والحاضر، وجزءا من التوجه العالمي الذي شهد تعرض المفكرين والفكر الحر للهجوم من أمريكا ترامب مرورا ببريطانيا الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ووصولا إلى الصين".

وحيث أن العلماء يعتمدون على نشر الأفكار ومناقشتها عبر الحدود، تشكل كل واقعة من هذه الوقائع في كل مرة مشكلة شائعة لكل شخص يقدر الفكر الحر والمستقل والناقد. وعلى هذا النحو يمثل الهجوم على الأكاديميين الأتراك هجوما على جميع الأكاديميين، وهو ما يحرمنا من جيل من المفكرين الأتراك في وقت الحاجة فيه ملحة جدا لمنظورهم.

وعلى حد تعبيرهم، يرى أكاديميون من أجل السلام أن دلالة محاكماتهم لا تكمن فقط في محاكمتهم كأفراد ولكنها أيضا محاكمة "للدعوى إلى السلام وصوت العلم الحر". ودفاعا عن هذه المبادئ وحق زملائنا الأتراك في الحياة، آن الأوان للاستجابة بقوة لدعوة الأكاديميين للتضامن.


ملاحظة من الكاتب:

أكتب بصفتي عضو في مجموعة تتخذ من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة أدنبره مقرا وتعمل دعما لأكاديميين من أجل السلام.

يركز مشروعنا على الموقعين على العريضة من المرشحين لنيل درجة الدكتوراة والذين يستحقون الفرصة للاستمرار في وظائفهم الأكاديمية ومواصلة أبحاثهم على الرغم من القمع في بلدهم.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: