ديلك غول
ديسمبر 27 2017

في تركيا اليوم أسرة من 5 أفراد تعيش في سيارة منذ شهرين

 

تعيش أسرة مراد وعلياء في الشارع منذ شهرين، وذلك لعجزهما عن دفع الإيجار لمدة خمسة أشهر متتالية.
هذه العائلة التي تعيش داخل عربة قديمة موديل شاهين في شارع جلوتكين بمنطقة بشكتاش تنتظر المساعدة والعون.
ربُّ هذه الأسرة مراد أتاي عامل بسيط يعيش في منطقة سلطان بك باستانبول من 18 سنة. لم يستطع العمل طيلة حياته في مكان يؤمن عليه، لكنه كان يعمل في أي عمل حتى يوفر قوت أسرته. 
لم يكن ينظر للمكسب قليلًا كان أم كثيرًا، فكانت حياته تسير بشكل أو بآخر. وحسب كلامه نفسه فإنه لم يكن في حاجة بل كان سعيدًا راضيًا.
وقبل عامين من الآن سقط صندوق صلب على قدم مراد أثناء عمله بالعتالة في منطقة سلطان بيلي.
وكان يجب عليه إجراء عملية عاجلة بقدميه لكنه لم يستطع إجراءها لسوء ظروفه المادية. وقد تكدر صفو عائلة أتاي منذ ذلك الحين. ولعجزه عن القيام بأعمال ثقيلة وصعبة فقد انخفض دخله تلقائيًا.
فبينما خمسمائة ليرة شهريًا تتوزع بين الإيجار ومصاريف ثلاثة أطفال وإعاشة البيت، فقد ازداد الحمل عليه تباعاً؛ فبدأت تتراكم عليه الفواتير ثم الإيجار... حتى طُرد من البيت لعدم سداده إيجار البيت منذ خمسة أشهر.
استمعنا لحكاية عائلة أتاي من داخل هذه السيارة القديمة موديل شاهين التي يقول عنها مراد بيتي الجديد، وقد وصلنا إلى منطقة بشيكتاش مع حلول المساء.
أولًا سألنا الأهالي عن عائلة مراد التي علمنا أنها تعيش في شارع جولتكين، ولكننا لم نصادف أحدًا يعرف عنهم شيئا، ففكرنا أن الأفضل أن نسأل أحد التجار، وكان الخيار الأمثل البقال، فأشار إلينا بيده سيارة بيضاء قديمة بالقرب منا.
أسرة تركية تعيش في سيارة

 

اقتربنا من العائلة بخطوات سريعة، وها نحن وصلنا إليها، استقبلتنا ربة المنزل علياء وصغيرتها البالغة عامين ونصف. وعندما سألنا علياء أتاي عن باقي أفراد الأسرة ذكرت أن الزوج مراد أتاي خرج للبحث عن عمل، وأما عن الطفلين الآخرين فقالت إنهما لم ينتظرا هنا لأنهما ضجرا وملّا من كثرة المارة في هذا المكان.
وتروي لنا السيدة آيلا أتاي ما عاشته هي وأفراد أسرتها خلال الشهرين الماضيين، ولماذا هم يعيشون في الشارع هكذا. وتقول إنَّ حياتهم تغيرت وتبدلت بعد حادث العمل الذي تعرض له زوجها، وتضيف:
"على الرغم من صعوبات المعيشة إلا أننا كنا نمتلك حياة سعيدة. فقبل أن ألد ابنتي الصغيرة عملت بكل شيء؛ بائعة ونادلة...إلخ
ولكنني بعد أن وضعتها اضطررت إلى ترك العمل، وفي أعقاب ذلك مباشرةً تعرض زوجي لهذا الحادث.
أسرة تركية تعيش في سيارة

 

وفجأءة انقلبت حياتنا رأسًا على عقب، فلما أصبح زوجي لا يستطيع العمل بأي شيء صرنا لا نستطيع سداد فواتيرنا، لم نكن نستطيع طلب شيء من أحد. وحاولنا أن نُسيّر أمورنا طيلة عامين، وتعيشنا بمساعدات المجلس المحلي، ولكنها لم تكف.
وأخيرا طُردنا من بيتنا عندما تراكمت علينا متأخرات الإيجار، ونظرا لأن زوجي كان يعيش هنا في بشيكتاش من قبل فقد كان لديه معارفه ومحبوه. ولما كنا لا نعرف مكانًا آخر نأوي إليه فقد جئنا إلى هنا.
عرضنا على أخ زوجي الصغير أن نعيش سويًا لفترة نظرًا لأنه أعزب، غير أنه رفض. وأعطانا هذه السيارة التي تركها أمام بيته. ولما كانت السيارة معطلة فليست لدينا فرصة للتدفئة. فرشنا ألحفتنا في حقيبة السيارة، وحاولنا الشعور بالدفء بأية طريقة. 
إنّ الجو قارس ولا سيما ليلًا، فلا نستطيع خلع معاطفنا، والحقيقة أننا لم نعد نعرف النوم أصلا. منذ شهرين ونحن نعيش في هذه السيارة بهذا الشكل."
وبينما هي تحكي أردت أن أقاطعها وأسألها هل هناك أقارب لهما يستطيعون استضافتهم وإيوائهم لفترة أم لا؟ فأجابت آيلا أتاي قائلة:
"نحن تزوجنا رغمًا عن أهلنا. فكلنا مطرود من قبل أهله. وسبب رفض هذا الزواج هو كوني من مدينة أردو وزوجي من مدينة كارس.
عندنا في منطقتنا لا يزوجون بناتهم للشرقيين، وقد هربت منهم. مر على ذلك ثمانية عشر عاما، وأنجبنا ثلاثة أطفال، إلا أن العائلتين لم تعترفا بهذا الزواج بعد."
تعجبت كثيرا عندما ذكرت السيدة آيلا أتاي أن لهم أقارب يعيشون معهم في نفس الشارع. والحقيقة أن هذا هو ما يشق على نفسها.
وبينما كنت أحسب وأفكر في أنهم ربما لا يستضيفونهم في بيوتهم، ويحتمل أنهم يمدونهم بالطعام؛ واصلت السيدة آيلا كلامها قائلة "لا يقدمون لنا حتى الحساء".
تغتسل عائلة أتاي وأطفالها في مغسلة سيارات منذ شهرين. أما بالنسبة للأم آيلا فإن الاغتسال هناك صعب؛ ولذلك فإنها لا تغتسل إلا إذا اضطرت.

 

يقومون بقضاء حاجتهم في مراحيض المسجد المجاور. وأصبح التجار المحيطون بهم يقدمون لهم بعض التسهيلات–حتى وإن لم تكن بالقدر الكافي- لأنهم باتوا يعرفونهم. وهكذا تقوم عائلة أتاي بقضاء حاجتها والاستحمام، أما عن الطعام فتكشف آيلا بأن التجار هم من يتكفلون به:
"أمس أخذ زوجي أربعون ليرة تركية مقابل تنظيف حديقة منزل مجاور لنا. فبهذه الأشياء البسيطة نحاول من خلالها توفير الطعام، وأحيانا ما يرسل التجار الحساء لنا. غير أن بلدية بشكتاش أرسلت إلينا أمس طعامًا ساخنًا لأول مرة، أعتقد أن أحد ما بدأ يلاحظ وضعنا. والحقيقة أنني وزوجي نسينا الطعام والدفء، وكل ما يهمنا ويشغلنا هم أطفالنا. حتى البنت الصغيرة تقول -وكأنها بدأت تلاحظ الوضع- "ألا يوجد طعام". أما عن طفلاي الآخرين فيضحكان كثيرا حتى لا يجعلونا نحزن... إن معرفة كل هذا يؤلم الناس."
وبينما تكابد عائلة أتاي كل هذه الظروف العصيبة إلا أنه يأتيها مسؤولون وضيوف من المديرية العامة لخدمات الطفل، وقد ذكر هؤلاء المسؤولون أن الأطفال لن يستطيعوا العيش في هذه الظروف؛ ومن ثم فإنهم يريدون أخذ أبناء هذه العائلة من والديهم، إلا أن العائلة تتصدى لهذا القرار، ولا تفرط في أطفالها.

 

أسرة تركية تعيش في سيارة

 

وقالت الأم أتاي "وجودنا بجانب بعض يجعلنا أقوياء." لكنها صارت تخاف من حدوث ما هو أسوأ من ذلك؛ فهناك أكثر من سناريو يدور برأسها. فسألتنا: هل يستطيعون أخذ أطفالنا منا؟ فأجابت بنفسها على هذا السؤال قائلة: لو أرادت الدولة لفعلت!.
يدرس أكبر أبناء عائلة أتاي البالغ ستة عشر عامًا في الثانوية منازل، أما الآخر البالغ اثنتي عشر عامًا فكان سيذهب إلى الصف السادس هذا الفصل الدراسي، ولكنه لم يستطع الذهاب. 
قبل أسبوعين ذهبت العائلة إلى مدرسة علي قيلتش باشا الإعدادية ببشكتاش لتسجيل طفلهم؛ لكنهم عادوا بخُفَّيَ حنين. وحسب ما ذكرت العائلة فإن إدارة المدرسة رفضت طلب العائلة بدعوى: لا نستطيع تحمل المسئولية فلا يوجد محل إقامة ولا نستطيع قبول طالب ضيف.
تواصلنا بخصوص هذا الأمر مع مساعد مدير المدرسة محي الدين أردوغان. فقال إنه ليست لدية فكرة عن الأمر أو ربما أن العائلة لم تتقدم بطلب كهذا.
في مثل هذه الحالة تتبع إدارة المدرسة خطوات مناسبة في هذا الامر إلا أن العائلة لم تصل إليهم شخصيا. وكان أردوغان قال: "إننا كمعلمين وتربويين نتخذ الإجراءات في إطار اللوائح والقانون؛ وإن لم نستطع الحل فإننا سنرفع الأمر إلى المديرية العامة للتربية والتعليم في المنطقة".
سألنا مساعد المدير: في حالة جاءتكم العائلة مجددًا بطلب آخر هل ستقبلون الطفل؟  أجابت: "نحن موظفي دولة نقوم باتخاذ الإجراءات الرسمية فقط."
وبينما نحن نتحدث مع العائلة جاء عمدة الحي السيد يشيم أوزر إلى العائلة وأبلغها أنه يبحث عن حل منذ شهرين، وأن محادثاته مع المسئولين مستمرة حول الأمر.
وتقول إن مسؤولًا من وزراة الأسرة والتضامن الاجتماعي قد زارهم وذكر لهم أن الوزارة ستقدم دعمًا للأسرة بداية من 15 يناير  إلا أنه لا يوجد حل قبل هذا التاريخ.
ويجري البحث حاليًا عن شقة لهذه الأسرة يكون إيجارها ألف ليرة كحد أقصى. ولما سألنا عمدة الحي أين كان هذا الحل منذ شهرين وهل هناك مكان مؤقت لنقل هذه الأسرة إليه، أصر على أن بلدية بشكتاش تبحث عن حل ولم يُدلِ بإجابات واضحة.
الحقيقة أن هناك من يستطيعون حل مثل هذه الأمور لكن الوصول لهؤلاء الأشخاص صعب.
وتتواصل بلدية بشيكتاش مع السيد نصرة كوجك باشي. وقد أفاد أن لديه علم بالوضع، وقبل أن نسأله ذكر الخطوات التي ستتم:
"سيقوم وقف بلتاش التابع لبلدية بشكتاش بتخصيص بيت للأسرة وسنقوم نحن بتجهيزه. إلا أننا نستطيع دعمهم بالمال عن طريق دفع القيمة الإيجارية عن ستة أشهر فحسب كحد أقصى. سندعمهم حتى يتخطوا فترة الشتاء. كما أن رئيس بلدية بشتكتاش يتابع الموضوع عن كثب، علمنا أن رب الأسرة مراد لا يستطيع القيام بأعمال ثقيلة بسبب الحادث الذي قد تعرض له في السابق، إلا أنه يستطيع القيادة. إذا كان ثمة عمل هكذا متاحًا في البلدية فسوف يتم تعينيه به، وإذا لم يكن متاحًا سنحاول إيجاد عمل له في مكان آخر. ولكننا لا نستطيع إعطاء وعود بخصوص العمل. وطبعا الأهم بالنسبة لنا الآن هو إيواء هذه العائلة في بيت، وإلى جانب هذا سيتم توفير الدعم من المجلس المحلي".
خرج الأب مراد أتاي من منزله في الصباح الباكر يبحث عن عملٍ وعاد إلى المنزل في حدود الساعة العاشرة مساءً؛ إلى السيارة. فمنذ شهرين وهو يتقدم بطلب للعمل في كل مكان ولكن لا جدوى. لم يأت رد إيجابي من أي مكان راجعناه وتقدمنا إليه بعرض حالنا الآن. ولم يفِ أصدقاء الزوج بوعودهم التي وعدونا إياها.
ويقول مراد أتاي إنه يبحث عن عمل أكثر من بحثه عن منزل،  وأنه ينتظر دعمًا ثابتًا من المسؤلين.
"اعتنيت بأسرتي طوال ثمانية عشر عاما بقوتي ومن عمل يدي، وأريد أن أتمكن من فعل الشيء نفسه. لا أستطيع القيام بأي عمل ثقيل بسبب الحادثة. ولكني أستطيع القيادة. لذلك فإننا لا ننتظر صدقة من أحد، أريد الحصول على عمل مستمر؛ فأنا لا أستطيع العمل بأشغال ثقيلة وصعبة بسبب الحادث الذي تعرضت له، ولكنني أستطيع قيادة السيارات".
يُمكن قراءة هذا التحقيق باللغة التركية أيضاً: