مصطفى قيليتش
فبراير 19 2018

في تركيا.. درس في الحب والجنس من فوسون ديميرل

أجرينا حواراً ثرياً مع الممثلة فوسون ديميرل التي جسَّدت أدوار البطولة في الكثير من الأعمال؛ في الدراما التليفزيونية، والسينما، والمسرح.
وتعكف فوسون ديميرل في الوقت الحالي على إعطاء دروس في الجنس على خشبة المسرح؛ وذلك من خلال مسرحيتها "دروس في الحب". ومن الأمور التي لا تخفى على أحد  أن ديميريل قد تعرضت لهجوم حاد، غير مبرر من قِبَل الصحافة، عقب تصريح صحفي أدلت به منذ سنوات، قالت فيه إنها "تريد أن تقوم بدور أمٍ لأحد الجنود المشاركين في الحرب ضد العصابات".

تحدثنا مع دميرل عن مهنة التمثيل، وعن دورها البارز في الدفاع عن حقوق المرأة، وكذلك عن مسرحيتها "دروس في الحب". وحتّى لا أُطيل عليكم، سأترككم مع حوار الممثلة القديرة معنا.

لماذا يضع الشباب ممن يريدون العمل في مهنة التمثيل في هذه الأيام أموراً من قبيل أن يصبحوا مشهورين، أو أن يجنوا الكثير من المال على قمة أولوياتهم، وبالنسبة إليكِ، ماذا كان شعورك في الفترة التي قرَّرتِ فيها خوض تجربة التمثيل؟.

بالطبع، كنا مختلفين. كان بعضنا، إن لم نكن جميعًا، ينظر إلى مهنة التمثيل باعتبارها فن راقٍيًا؛ نطمح إلى الوصول إليه. كان التمثيل بالنسبة لنا نمط حياة. كنا نضعه على قمة أولوياتنا.. لقد كان حب الناس وتقديريهم لنا بمثابة الأموال الحقيقية التي ربحناها من مهنة التمثيل. لم نكن نعبأ كثيرًا بفكرة الشهرة التي قد نصل إليها.. بل كنا على العكس من ذلك، نشعر بالخجل من تلك الشهرة، ومن معرفة الناس بنا... كان جُل اهتمامنا موجَّها إلى شيءٍ واحدٍ فقط؛ كيف نؤدي عملنا بالشكل اللائق. وعلى الجانب الآخر، كنا نَشعُر بالخجل عندما يتوجه إلينا الآخرون بثناء خاص.

نعيش في المجتمع عادةً ما يربط بين الممثل والشخصية التي يجسدها في عملٍ ما. ومن ثمَّ نضع - قياسًا على ذلك -  مسافة بين هذا الممثل أو ذاك؛ اعتمادًا على عدم حبنا لهذه الشخصية، أو ذلك الدور الذي جسَّده هذا الممثل. في رأيكِ، هل هناك وسيلة لتجاوز هذه الطريقة في التفكير؟.

للأسف، فالوضع هو كما ذكرتم تمامًا؛ فالمجتمع عندما لا يكون على قدر كافٍ من الثقافة والفن، وعندما تستأثر شاشة التلفزيون بعقول المشاهدين؛ بدرجة قد تصل إلى حد التأثير على حياتهم، عندها يجدون أنفسهم عاجزين عن الفصل بين الواقع الذي يعيشونه، وعالم آخر غير واقعي تجري أحداثه في إطار عملٍ ما.
الفن هو عمل قائم على أحداث مُتخيلة؛ يتم الإعداد لها من خلال نسق معين... وبالنسبة إلى المسلسلات التليفزيونية، التي ما زلنا نعدُّها من قبيل الأعمال الفنية، فهي مثل الحبوب المنوِّمة أو المخدرة بالنسبة إلى الناس... مرة أخرى أكرر أن الأفراد والمؤسسات التي تقوم على إنتاج هذه المسلسلات التي تخاطب قطاعاً عريضًا من الناس، هم الجهة الوحيدة التي تتحمل مسئولية شكل الخطاب الموجَّه من خلال هذه المسلسلات. 
وأعتب على هؤلاء أنهم لا يكتبون في آخر مقدمة هذه المسلسلات عبارة من قبيل "هذا العمل مُستوحى من الخيال".
وعندما لا يستطيع المجتمع الذي أُبعِدَ عن الثقافة أن يُميِّز - بعد هذا-  بين ما هو واقعي؛ يحدث على أرض الواقع، وما هو من محض الخيال، فلن يكون لهذا معنى آخر سوى أننا نعاني من مشكلات خطيرة؛ وصلت إلى حد الإصابة بالانفصام المجتمعي. عندها يمكن القول إن المشكلة صارت عند كل واحد فينا، ولم تعد تقتصر على شخصٍ أو جهةٍ بعينها.

قلتِ في لقاء لكِ مع إحدى الصحف "جسَّدتُ شخصية (قره فاطمة) في مسلسل "الخَلاص" الذي عُرِض حينها على قناة تي. أر. تي. (إحدى قنوات التليفزيون التركي الرسمية) في عام 1989. فاطمة هي مناضلة تطوعت للحرب جنباً إلى جنب مع محاربات أخريات لمجابهة العدو على جبال إيجة. أردتُ أن أخوضَ تجربة مختلفة؛ بتجسيد دور تلك المرأة القوية المناضلة. قمتُ بدور المحاربة في سنوات شبابي." نعلم أن حالة الجدل التي شهدتها وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الفترة كانت الدافع وراء خروجك فى ذلك الوقت بهذا التصريح. هل تتفقين معي أن اضطرار الممثل لإصدار تصريح يبرر فيه أبعاد تجسيده لشخصية بعينها يعتبر حالة من التراجيديا التي لا نزال نعاني منها إلى الآن؟.

بالطبع، أشاركك الرأي؛ لأن اضطرار الممثل إلى الإدلاء بتصريح هو أمر تراجيدي، محزن بلا شك. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الجهل، وفساد الذوق قد غلبا على الثقافة، والإبداع، والصدق.
لا أريد أن أتقبل حقيقة أننا تحولنا إلى مجتمع يحاول كل فرد فيه أن يقضي على الآخر، مجتمع يخاطب الآخر: إن لم تكن منَّا "فالأفضل لك أن تبحث عن قبر تتوارى بداخله".
كلا، لا يمكن لأبناء وطني، الذي أذوب عشقًا فيه، أن يصير بهم الحال إلى هذا الوضع...
كلا، لا يمكن لهؤلاء الذين لوّثوا هذه الأرض الطيبة بِخَبَثِهم أن يكونوا من أبناء جلدَتي الذين أحسب نفسي مَدِينةً لهم طيلة حياتي... 
أعمل منذ 34 عاماً في مجالات محددة لم تتجاوز السينما، والمسرح، والتليفزيون، والترجمة...
في رأيي، إن هذا هو الدور الذي أديته من أجل خدمة بلدي...
الأدوار التي يؤديها الممثل، ومراحل الإنتاج الفني هي أيضا جزء من هذا الدور...
وخلال هذه المسيرة، وقف هذا التضليل، وتلك الوقاحات عقبةً كأداء على طريق نجاحي، ولكن الطريق طويل...  
كان لا بد لهذه الرحلة أن تستمر حتى انقضاء العمر...
لم أجد وسيلة أخرى لتخطي هذه المعوقات سوى أن أرفع رأسي، وأمضي في طريقي دون الالتفات إليها.

عندما نسمع اسم فوسون ديميرل نستحضر في أذهاننا على الفور صورة السيدة التي تقف إلى جوار المُهمشين، المنهزمين. هل تجدين نفسكِ مُطمئنة لهذه الفكرة؟.

هذا صحيح. يعود الأمر برمته إلى سنوات طفولتي الأولى عندما كنت أنزل تحت السيارات كي أُقدِّم الطعام للقطط الجائعة، التي ترتعد من برودة الطقس تحت الثلوج المتساقطة في الشوارع...
لقد نما لدي فكرة إدراك معنى العدالة، والحقوق مبكرًا...
أدركت - وأنا ما زلت في المرحلة الابتدائية - أن هناك أموراً لا تسير على ما يرام، لا ينبغي لها أن تمضي على هذا الوضع القائم...
كان أبي ميسور الحال، أما أنا فكنت أُفضِّل- عكس المُتوقَّع- أن أنتقي أصدقائي من بين الأطفال العاملين الفقراء، وليس من أبناء أسرتي الأثرياء... 
اختفى لديّ الإحساس بالشفقة تجاه الأشخاص، وحلَّ مكانه إحساس آخر بضرورة التصدي للظلم.

ذكرتِ حرفيًا في إحدى اللقاءات "كان ذهابي إلى إيطاليا، وأنا لم أتجاوز السابعة عشرة من العمر، نموذجًا على  شجاعتي.  لقد رسمتُ قدري بنفسي". هل يمكن أن تُحدِّثينا عن هذه المغامرة؟ هل وجدتِ الشباب في تلك الفترة يتحلون بنفس القدر من الشجاعة أيضًأ؟.

بالطبع، فلم يكن من الشائع في عام 1977، أن يسافر الشباب كثيرًا خارج البلاد، وهو أمر لا يزال موجوداً إلى الآن...
كان ذهابي بمفردي إلى دولة لم أعرف عنها أي شيء، بعد أن أنهيت دراستي الثانوية، نوعًا من المغامرة بحق؛ فلم يكن عمري وقتها قد تجاوز السابعة عشرة... واجهني حينها كل ما يخطر على أذهانكم من مصاعب.
أما الآن، فصار الأمر أكثر سهولةً بالنسبة إلى شباب اليوم... إذ أصبح في إمكانهم الاستفادة من الكثير من المنح، والحصول على فرص عمل عن طريق شبكة الإنترنت في هاتفهم المحمول، أو عن طريق مواقع التواصل المختلفة...
وبالنسبة لي، أصبح التنقل بين الدول أمراً يسيراً للغاية، كنت في ذلك الوقت أتواصل مع عائلتي فقط... وكنت أنتظر عشرين يومًا حتى أتلقَّى منهم الرد. كان الهاتف حينها نوعاً من الترف. كنا نتصل به مرَّة واحدة في الشهر، بل في السنة. كُنَّا نطلب المكالمة من الصباح، ونضطر إلى الانتظار حتى المساء لنسمع صوت مُحدِّثنا.
فوسون ديميرل
فوسون ديميرل

نعرف أن لديك حساسية خاصة عند الحديث في موضوع المرأة. كيف يمكنك تقييم تجربة سعي  المرأة للحصول على حريتها في تركيا؟.

يعتمد المجتمع بقيمه وأحكامه على فكرة التمييز بين الجنسين؛ ذكر كان أو أنثى. نرى الشيء نفسه في العائلة، وفي التعاليم الدينية، وتحث عليه المعايير الأخلاقية الأخرى التي تدعو إلى الفكرة نفسها. ومع هذا، يمكن - مع تزايد المطالبات بين قطاع عريض من السيدات لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة - أن نتبنى سبيل النضال منهجاً لنا؛ من أجل التصدي إلى محاولات استعباد المرأة التي تجري بشكلٍ مُمَنهج. ولن يتحقق ذلك إلا برفع وطأة السلطة الحاكمة وهيمنتها عن كاهل المرأة. يمكننا في المقابل أن ننظم حملة أنثوية من أجل حصول المرأة على حريتها في هذا المجتمع الذكوري.

إلى أي مدى يمكن أن يساهم الفن في حصول المرأة على حقوقها، وكيف يمكن تحقيق هذا الأمر؟.

اتجاه الإنسانية نحو مزيد من الحريات، هو هدف أسمى يسعى الفن إلى تحقيقه. يمكن للفن إدراك ذلك بصوته الحر، وقد رأينا أن الأعمال التي كانت تُقدَّم في هذا الإطار، قد تمرَّدت باستمرار على فكرة الأسر والاستعباد هذه.

أعتقد أن حصول المرأة على الحرية يرتبط  بالأساس في تركيا ومنطقة الشرق الأوسط كله على فكرة الجنس... أنتم تتناولون هذا الموضوع بشكل شيق منذ عام 2016 من خلال مسرحية "دروس في الحب". يتملكني شخصيًا فضول كبير لمعرفة رأيكِ في هذا الموضوع. في رأيك، كيف يمكن أن يسهم تعليم الجنس في حل المشكلة؟.

أعتقد أن تدريس الجنس قد يسهم - بشكل جاد - في حل المشكلة. دعنا ننحي موضوع الجنسية (الصفات المميزة بين الرجل والمرأة) جانبًا، ونسأل: إلى أي مدى يعرف كل منا معلومات عن أعضائه التناسلية؟ نحن نخجل حتّى من مجرد ذكر اسم العضو. بل إننا نبادر بوضع محاذير أمام التطرق إلى هذا الموضوع من الأساس، على الرغم من أن الحديث  في هذا الموضوع  ينطوي على جانب علمي على قدرٍ كبير من الأهمية. نحن نعيش في مجتمع أُبعدنا فيه عن تلقي دروس في الجنس.
أشعر بالأسف على الأجيال المنغلقة، التي يربونها اليوم بمنأى عن تلقي مثل هذه الدروس...
أعتقد أن اتباع المنهج العلمي عند إطلاع هذه الأجيال على معلومات عن الحياة الجنسية سيجعل الشباب مسالمًا بشكلٍ أكبر، وسيبتعد به عن التصرفات العنيفة الهوجاء؛ باتجاه البحث عن معلومات عن جسمه، وجسم الجنس الآخر. من ناحية أخرى، يؤدي تدريس الجنس دورًا مهمًا في الحد من ظواهر سلبية مثل الاغتصاب، والاعتداءات الجنسية، والاستغلال الجنسي. أعتقد أن تدريس الجنس أمرٌ مُلِحٌّ لا يقبل التأجيل؛ فلا سبيل للإنسان كي يصبح سليمًا، صحيحًا، إلا بقدر اطلاعه على المعنى الصحيح للحب.
فوسون ديميريل
فوسون ديميريل

كيف تتناولون موضوعا كهذا من خلال العمل المسرحي، هل هو نصّ موجود في سيناريو العمل، أم يعتمد على رؤية المخرج؟.

بالطبع، تأتي القصة والسيناريو في المقام الأول لعرض الفكرة. بعد هذا، يأتي دور المخرج والممثلين الآخرين الذين أهتم بآرائهم مادامت مؤثرة في العمل. أشعر أنني كنت مُوفَّقةٌ للغاية؛ لأن كبار أساتذة السينما هم من يشرفون على الأعمال الحالية، وأن هذه الأعمال ستصبح بفضلهم نموذجًا يُقتدى في تاريخ السينما التركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: