باتريشيا ألونسو
نوفمبر 30 2017

في تركيا.. قد تموت المرأة ثمنا لطلب الطلاق

أعجز النوم موهتيريم جوتشمين ابنة الحادية والثلاثين في تلك الليلة.. لكنها في اليوم التالي ذهبت رغم ذلك لعملها. كانت موهتيريم تعرف مدى ازدحام صالون تصفيف الشعر أيام الجمعة لكن قريبتها البالغة من العمر 14 عاما كانت قد انضمت إليها في العمل قبل فترة لذا أدركت موهتيريم أنها لن تشعر بالوحدة.

في صباح يوم 28 يونيو 2013 استمتعت موهتيريم للموسيقى من هاتفها أثناء سيرها وتبادلت الهاتف مع قريبتها في الطريق إلى صالون تصفيف الشعر الصغير في حي إتيلير باسطنبول. وبعدها أتاها من بعيد صوت زوجها يصيح "اذهبي لتصلي فاليوم هو آخر يوم في عمرك".

خلال الشهر الأخير جهرت نساء من مختلف أنحاء العالم بالحديث بأعداد هائلة عن قصصهن مع العنف الجنسي متخذين من وسائل التواصل الاجتماعي منصات باستخدام وسم (أنا أيضا) لتسليط الضوء على حجم المشكلة. لكن نساء كثيرات في تركيا تشعرن بالعجز وقلة الحيلة فيما عدد حالات القتل بينهن في ازدياد.

منذ بداية 2017 قتلت 239 امرأة على الأقل بأيدي رجال في تركيا وفقا لمشروع إحصاء أجرته الصحفية التركية تشيدا أولوكايا. ولا تنشر الحكومة بيانات رسمية عن مثل هذه الجرائم لذا قررت الصحفية عام 2015 البدء في رسم صورة عامة لحالات القتل استنادا لما ينشر في وسائل الإعلام.

نساء كثيرات، مثل موهتيريم، قتلن بأيدي أزواجهن بعد تقدمهن بطلب للطلاق. فمنذ 2010 قتلت 230 امرأة على الاقل رغم طلبات تقدمن بها طلبا للحماية. وكانت موهتيريم بينهن.

السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة في الأرقام، وفقا لمنظمي الحملة، هو عدم تطبيق قوانين حماية المرأة. ففي عام 2012 أقرت الحكومة التركية القانون رقم 6284 بهدف التصدي للعنف ضد المرأة. وفي 2011 وقعت الحكومة على معاهدة اسطنبول لمنع العنف الأسري ومواجهته.

تقول جولسوم كاف مؤسسة ومديرة حملة (سنتصدى لقتل النساء) "هذا هو السبب وراء ما نشهده من تراجع في عدد حالات القتل في 2012، لأن الحكومة اتخذت موقفا من هذا الأمر. لكنهم الآن يقولون إن هذه القوانين تؤدي لتفكيك العائلات".

الحملة التي أُسست عام 2010 تقدم المساعدة القانونية للضحايا وعائلاتهم وتجمع بيانات عن حالات القتل على أساس شهري. وقالت كاف "نطالب الحكومة كل عام بتقارير عن القضية. لكنهم لا يردون أبدا".

وبعد مقتل موهتيريم عرضت الحملة الدعم على عائلتها. وبعدها انضمت شقيقتها سيجديم إيفتشيل إلى الحملة أملا في مساعدة النساء قبل فوات الأوان.

وقعت موهتيريم في الحب وهي فتاة في الثامنة عشرة وانتقلت إلى مدينة إكشيهير لتتزوج. لكن سرعان ما بدأت دائرة العنف. حاولت موهتيريم هجر زوجها مرات عدة لكن عائلته منعتها ووعدتها بأن يتغير، وفقا لرواية أقاربها، لكن تواصلت الإساءات إضافة لاستيلائه على كل ما تحصله من مال.

في فبراير شباط 2013 طفح بها الكيل. اتصلت بمنزل أهلها وطلبت من شقيقها أن يشتري ثلاث تذاكر لتسافر إلى اسطنبول مع طفليها. وفي مارس تقدمت بطلب للطلاق وحصلت على أمر قضائي يحظر على زوجها الاقتراب منها لمسافة 100 متر.

قالت شقيقتها إيفتشيل وهي تشعل سيجارة أخرى "بعدها جن جنونه". ورغم الحماية القضائية فإن موهتيريم لم تشعر بالأمان.

قالت كاف "عدد حالات الوفاة يزيد كل عام لأن الحكومة لا تعمل بمقتضي المتطلبات القانونية".

تدعم الحكومة سلوك كثير من العائلات حيال نسائهن. ففي السنوات الأخيرة عبر قادة أتراك عن المعارضة لموانع الحمل ودعوا النساء لإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل بل وأربعة وخمسة لو أمكن.

وقال الرئيس رجب طيب إردوغان أيضا إن النساء لسن على قدم المساواة مع للرجال وإن المرأة التي لا تنجب "ناقصة". وفي 2014 قال نائب رئيس الوزراء التركي إن على النساء تجنب الضحك بصوت عال في الأماكن العامة.

وقالت زوزان أوزجوكي وهي ناشطة ومؤسسة لجمعية (فاكاد) النسوية في مدينة فان بشرق تركيا "لا يردن للنساء أن تنهضن. يريدون من النساء أن تلزمن بيوتهن".

وكغيرها من الجمعيات أغلقت الحكومة (فاكاد) بموجب حالة الطوارئ السارية منذ محاولة الانقلاب الفاسلة في يوليو 2016. وقالت السلطات إن هناك صلات للجمعية مع حزب العمال الكردستاني الساعي للاستقلال.

وقالت أوزجوكي "لماذا أخذوا جميع الوثائق؟ لا علاقة لأحد من جمعيتنا بحزب العمال الكردستاني على الإطلاق. هذا ليسا عذرا".

وقالت الصحفية أولوكايا إن الحكومة تراجع الإجراءات من أجل تقليل عدد حالات الطلاق وتبرر السلطات ذلك بتعبير تكامل الأسرة. وقالت الصحفية أيضا إن هناك تراجعا في عدد الأزواج الذين يتقدمون طلبا للمشورة خلال السنوات العشر الماضية.

ترصد أوزجوكي مشكلة أخرى وهي غياب أي دعم للنساء اللائي يتعرضن للعنف. فحتى الملاجئ لا يتوفر بها دعم اقتصادي. وقالت "في بعض الحالات أيضا يفصلون الأطفال وهو أمر لا تحبه النساء، لذا يحجمن عن طلب المساعدة".

وخالف زوج موهتيريم أمر عدم الاقتراب منها مرات ومرات وتعرض لها بالضرب لكنها رفضت العودة إليه.

وقبل يوم واحد من مقتلها قصد زوجها صالون تصفيف الشعر الذي كانت تعمل به. طلب مديرها الشرطة فاعتقلته. وقالت شقيقة موهتيريم "قالوا لنا إنه سيعاقب بالسجن لعشرة أيام.. لكنه اتصل بي وأنا في قسم الشرطة مع موهتيريم. قال القاضي إنه لم يضربها في ذلك اليوم وتركه يرحل".

وأضافت وهي تتناول منديلا لتجفيف دموعها "حين علمنا بنبأ إطلاق سراحه انتابنا الذعر. طلبنا من الشرطة الحماية لكنهم تعللوا بقلة عدد الضباط".

وتابعت إن الجميع عادوا للمنزل ولم ينم أحد ليلتها من شدة الخوف.

ذهبت موهتيريم لعملها في اليوم التالي لكن قريبتها شعرت بالقلق إيرة اتصال هاتفي مثلما تروي إيفتشيل. وقالت "قالت لشقيقتي إنه إما تهديد أجوف أو إن شيئا ما سيحدث في كل الأحوال. كان التعب قد نال منها".

اتصلت إيفتشيل بشقيقتها 16 مرة في ذلك الصباح. وتضيف "في النهاية سئمت اتصالاتي وقلت لها إني أشعر بأن أمرا ما سيقع وطلبت منها العودة للمنزل. لكنها لم تفعل. أخذت أمي للطبيب في ذلك الصباح. وبعد وصولنا بدقيقتين اتصل أحدهم ليبلغنا بإصابة موهتيريم.. طعنا".

هرعت العائلة إلى صالون تصفيف الشعر لكن لم يسمح لهم بالدخول. قيل لهم إن إصابة موهتيريم بسيطة لكن حين رأت إيفتشيل زوجها محمولا إلى خارج الصالون من فرط الصدمة أدركت أن مصيبة حلت. لقد طُعنت شقيقتها ثماني مرات.

بعدها فر قاتلها إلى إكشيهير وحاول الانتحار بسم الفئران. وسلمه شقيقه للشرطة.

طلبت العائلة بالحكم عليه بالسجن المؤبد المشدد للتأكد من عدم خروجه لكن حكم عليه بالسجن المؤبد فقط. وقالت شقيقة القتيلة "يفترض أن يقضي في السجن 36 عاما على الأقل.. لكن هناك حالات عفو طيلة الوقت".

في حالات أخرى، تقول أولوكايا إن رجالا حصلوا على أحكام مخففة بالسجن لقتل الزوجات على خلفية وجود استفزاز.

وأضافت إيفتشيل "نعيش في مجتمع متطرف.. تحت قيادة حكومة متطرفة. المزيد من النساء تعلمن بحقوقهن لكننا لا نعرف إلى أين ستذهب الحكومة".

وقالت كاف "للأسف هناك علاقة بين المعتقدات المحافظة والعنف".

يؤمن منظمة حملة "سنتصدى لقتل النساء" التي أسستها كاف بوجود اربع خطوات أخرى على الأقل يتوجب القيام بها وهي: تنشئة مجتمع لا مكان فيه لأحداث كهذه؛ اتخاذ ما يلزم من إجراءات لوقف العنف؛ ضرب المثل الحسن في القيادة بحماية النساء والمحاسبة على مثل هذه الجرائم؛ وأخيرا تمكين النساء في مختلف ضروب الحياة.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: