في تركيا.. مجتمع مدني على فراش الموت

لا يفارق أذناي صوت المفكر الكردي أحمد تُرك وكلماته وهو يقول متحدثا إلى جمع من الشباب.
يقول تُرك "لابد أنك لا تعرف هذه الحكومة جيدا."
كان تُرك يشير هنا إلى التسلسل الكارثي للأحداث الذي أصبح بمثابة كابوس. دعونا نكتفي بالخوض في تسلسل التاريخ المعاصر.
مرت إحدى عشرة سنة على مقتل الصحفي الأرميني هارنت دِنك في إسطنبول. ومرت سبع سنوات على مذبحة روبوسكي التي قصف فيها سلاح الجو التركي مجموعة من 40 قرويا كرديا اتهموا بتهريب بضائع لا تذكر من العراق إلى تركيا.
مرت كذلك خمس سنوات على احتجاجات متنزه غيزي، التي خرج فيها نحو مليوني مواطن تركي إلى الشوارع للاعتراض على سياسات الحزب الحاكم فقوبلوا بحملة قمع عنيفة، وثلاث سنوات على تفجير انتحاري أودى بحياة 109 أشخاص في أنقرة، وثلاث سنوات كذلك على اغتيال المحامي الكردي طاهر إيلتشي.
ومر أيضا عامان ونصف على فرض حالة الطوارئ في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016.
لا حاجة لنا بتذكر المزيد، فلا شيء أمامنا سوى سلسلة من غياب العدالة، مرة تلو الأخرى.
لتكن الكلمات التالية من البيان الشهير تحذيرا لنا جميعا اليوم:
"هناك شبح طليق في تركيا – هذا الشبح هو الفاشية.
الدولة العظيمة والقوية، كالعادة، تنهض لتضطلع بمهمة "تربية" الشعب، مثلما كان الحال دائما.
كانت احتجاجات متنزه غيزي عبارة عن انتفاضة مدنية عكست استياء مجموعة من قطاعات الشعب فاض بها الكيل من الخداع والأكاذيب التي لم يعرفوا من الحكومة سواها، فخرجوا معارضين للحكم السلطوي الآخذ في التراكم.
لكن الحكومة أفلحت في اصطياد تلك الأطياف المختلفة من مكونات المجتمع التي ارتبطت بوثاق فيما بينها، وبينها الإسلاميون والقوميون وعتاة اليساريين والعلمانيون، ودقت بينهم الأسافين لينقلبوا على بعضهم البعض شيئا فشيئا مستخدمة في ذلك كل نقطة ممكنة من نقاط الضغط المجتمعي ومستغلة الفضاء الإعلامي المشوب بالفساد.
لم يكن إحداث انقلاب على مثل هذه الظاهرة السياسية بالأمر اليسير، لكن الحكومة بلغت مقصدها في نهاية المطاف.
الآن نجد المؤيدين لهذا العقد المجتمعي السابق، إلى جانب من قبلوا به كشهود نشطين أو سلبيين، وقد وضعوا في خانة الأعداء ويسددون الآن الثمن.. بلا توقف.
دعونا لا نخدع أنفسنا، فهناك قطاع مهم من الأتراك، سواء كانوا محافظين أو علمانيين، يمينيين أو يساريين، من الريف أو من المدن، لا يفهمون الإصلاحات التي يشجع عليها الاتحاد الأوروبي في إطار عملية انضمام تركيا لعضويته.
وهم إن كانوا قد فهموها، فإنها لم تجد إلى نفوسهم سبيلا.
لهذا السبب، يمكن القول إن الجهد الرامي لخلق شكل جديد من أشكال التحرك والقوة في المجتمع المدني كان قاصرا.
عن هذا دفعت النساء، ولا تزال، أفدح الأثمان، بوصفها أكثر مكونات المجتمع وتركيبته السكانية هشاشة.
وفي وجود طاغية لا يرحم مثل أردوغان، الذي يطبق استراتيجية بهدف واضح هو البقاء في السلطة بأي ثمن طالما بقي على قيد الحياة، فإن مكونات المجتمع تلك ممن يؤيدون الإصلاحات والديمقراطية قد وجدوا أنفسهم مضطرين لمعايشة مدى الضعف والعزلة التي أصبحوا يعانونها.
بعد احتجاجات غيزي، عشنا فترة تحقيقات الفساد التي لم تدم طويلا والتي فجرها مدعون يدينون بالولاء لرجل الدين المقيم بالولايات المتحدة فتح الله غولن وطالت اتهاماتها وزراء وأقاربهم في ديسمبر من عام 2013.
نقطة التحول التالية كانت الفترة الزمنية التي توسطت انتخابات الرئاسة المتتاليتين في يونيو 2015 وفي ديسمبر 2015.
حدث هذا حين استغلت حركة غولن المشاعر السلبية لدى الحركة السياسية الكردية فلجأت لزرع الانقسام في أوساط المجتمع فبدأت مرحلة السيولة شيئا فشيئا.
نعرف جميعا ما حدث بعد ذلك. ويكفي جدا أن نرى الحالة الراهنة التي أصبحت عليها وسائل الإعلام وأن نراجع تواريخ حالة الطوارئ.
وإليكم أحدث حلقات المسلسل.
ها نحن قد وصلنا إلى شهر نوفمبر من عام 2018، وأتمنى ألا يكون في عقل أحدكم بقية من شك.
لقد تسببت الحكومة، برغبة فاضحة في الانتقام ومعها من جمعت حولها من أكثر عناصر المجتمع فجاجة، في تآكل العناصر الإنسانية من مجتمعنا. العناصر التي تجعل المجتمع جديرا بهذا الوصف.
كتب الشاعر الشهير آلين جينسبرج في قصيدة "عواء" قائلا:
"رأيت أفضل العقول في جيلي يدمرها الجنون، وكأنما أصابتها الهلاوس فانطلقت تركض كالمعتوه."
ربما كانت هذه القصيدة تتحدث عن الحقبة المكارثية، لا أدري. لكن هذا هو ما أراه في تركيا اليوم – فأفضل العقول، ليس في جيل واحد بل في العديد من الأجيال، قد حُرمت من الموارد التي منحت بلدنا القيمة والمعنى الذي يتمتع به حاليا.
كل هذا تم باسم الشمولية الفاشية. لقد سُلبت هذه العقول صوتها.
ومنذ عام 2013 وتركيا تعيش أقسى مراحل استنزاف العقول من رأس مالها البشري.
وليست هذه سوى البداية لعملية تجفيف كلي.
على الجانب الآخر، هناك معاناة كبرى تسببت فيها حالة الطوارئ.
نجد أعضاء حركة أمهات السبت، التي تحتج كل أسبوع على اختفاء أطفال منذ تسعينات القرن العشرين، وقد أُلقي القبض عليهن.
طالت الاعتقالات كذلك نساء حبلى، كل جرمهن انتماء أزواجهن لحركة غولن. أساتذة جامعيون ومفكرون وأطباء انتزعت حريتهم على أساس اتهامات سخيفة لا أصل لها، ومواطنون يعاقبون بأحكام سجن لمجرد أنهم تجرؤوا على الحديث.
وفي قلب هذه الغُمة، لا يزال هناك من يتمتعون بفضيلة الأمل.
وهؤلاء قد أصابوا. أفلا نذكر من عاشوا الحقبة النازية الذين ظنوا حينها ألا نهاية لما هم فيه فضللتهم سحب التشاؤم. ربما كانت السخرية تفصل بيننا وبين ما نعيشه من واقع، لكنها أسست لمشاعر جامعة بطريقة تجعل من الممكن لمشاكلنا أن تُحل.
تغلّف الفاشية نفسها بغلاف من الأمل بطريقة تساعد على تنقية أفكار المرء، فتصبح الحلول ممكنة.
يتمسك أردوغان ومن حوله بفعل كل ما في وسعهم لضمان الاستمرار في الحكم. هذا هو الوقت الذي يمكن فيه الزج بأي عنصر من المعارضة في غياهب السجون لأتفه الاتهامات وأسخفها بينما يتصرف غيره كالموتى سعيا لتجنب المشاكل.
هذا هو الوضع في الوقت الراهن.
الحكومة عازمة على تحقيق هدفها. إنها استراتيجية.
هناك كل يوم عناوين تتحدث عن اعتقال جنرالات أو ضباط متهمين بالانتماء لحركة غولن، وهناك أيضا عمليات مستمرة في سبعة أقاليم، بينها أنقرة، ضد حزب الشعوب الديمقراطي وضد عناصر اتحاجات النقابات المهنية.
لننظر إلى الحملات التي استهدفت حركة "أمهات السبت"، وكيف نسُجت نظريات المؤامرة حول احتجاجات غيزي، وكيف تمضي الاعتقالات السياسية على قدم وساق، وحملات الشيطنة من كل حدب وصوب.
لننظر إلى الحملة التي أطلقتها السلطات ضد نساء تجرأن على تنظيم فعالية للتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة.
في كل عمل من أعمال العنف التي نشهدها، أيا كان الطيف المجتمعي الذي يستهدفه، هناك دليل واضح على السلطوية.
ولقد قدم لنا التاريخ ما يكفي من تحذيرات.
تطل الفاشية برأسها من قلب الصراع المستعر ضد عدو داخلي.
هذا الأسبوع، كتبت عن القرار الذي صدر بغيقاف عمليات "مؤسسة المجتمع المفتوح" في تركيا. أعلم أنها ليست بالقضية اللطيفة.
يدرك أردوغان، ومعه تحالفه الجديد، أن قراره سيقابل بالتهليل من طرف وبالصمت من طرف آخر.
ما نعايشه في تركيا، وما تجبرنا الظروف على أن نمر به، أمر أشبه بالعودة لعصور الظلام.
فكثير من أطياف المجتمع تتعرض للمحو واحدا وراء الآخر، تتعرض للإقصاء. ومن ينجو من الإقصاء مصيره الانتظار ليذبح كالشاه.
بعبارة أخرى، هذا المجتمع، الذي لم يتعلم حتى الآن معنى الديمقراطية على حقيقتها، قد صُودرت مقوماته بأيدي البرابرة السياسيين. مجتمع أضعفوه فلم يبق فيه قانون أو نظام سائد، وكلنا في هذا الهم سواء.
وهذا أسوأ السيناريوهات.
بالنسبة لمن يحلمون بالتغيير وبحياة طبيعية في تركيا، هذه هي قمة المأساة التاريخية.
أما من لا يعنيهم أمر التغيير، الآن حصحص الحق فأدركتم. لعله يصبح لكم نذيرا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/civil-society/turkeys-civil-society-lies-its-deathbed
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.