عمر فاروق جَرْجَرلي أوغلو
فبراير 14 2018

في تركيا.. ندَّعي أننا نبحث عن الديموقراطية وبأسنا بيننا شديد!

لماذا نجد أنفسنا ننجر إلى دوّامة من الصراعات العنيفة في الوقت الذي  ندَّعي فيه أننا نبحث عن الديموقراطية؟! نطرح هذا الموضوع للمناقشة كل يوم، ونقترح سبلاً جديدة للحل، ونسأل أنفسنا في كل يوم أيضاً السؤال نفسه "أين كان الخطأ؟" أما اليوم، فأعتقد أنه قد يُجدي نفعاً لو قمنا - هذه المرة - بتحليل أبعاد تلك المغامرة الديموقراطية، التي جرى الحديث عنها في السنوات الأخيرة، بتناول الفترات التاريخية التي مرت بها منذ البداية. 
ما حال الديموقراطية وحقوق الإنسان في السنوات الأخيرة في دولة لها سابقة سيئة في ملف الحريات؟ أين مكمن الخطأ فيما نراه اليوم؟ كيف تحوَّل وضعنا اليوم إلى جحيم نعيشه بعد فترة لمسنا فيها تطورات إيجابية؟!
يتعين علينا أن نعود بذاكرتنا إلى فترات مختلفة؛ حتى  نتمكن من تقديم تحليل موضوعي للوضع القائم؛ يمكن البناء عليه للوصول إلى نتيجة يمكن التعويل عليها. لهذا السبب سنتناول بالنقد والتحليل هذه المسيرة التي لن تنتهي أحداثها في مقالة واحدة فقط.
لقد عُرفت الساحة السياسية التركية في الماضي بأنها قائمة على سياسة الحزب الواحد التي شهدت العديد من الانقلابات. كما عانت السياسة التركية من مخاض عسير لإحداث تغيير يُمَكِّنها من الاستمرار في زعمها بأنها سياسة تواكب ما يحدث في الدنيا من تغيرات.
ومع دخول السياسة التركية إلى الدائرة نفسها من جديد بعد انقلاب 13 سبتمبر (1980)، بدأت النقاشات تدور - بشكل مكثف - حول بعض المفاهيم؛ مثل الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات.
وقد أثرت حلقات النقاش التي تناولت هذه المفاهيم، التي تُعتبر مفاهيم قديمة للغاية بالنسبة للمجتمع التركي الملىء بالنزاعات والصدامات - في السنوات الأخيرة منذ إعلان الجمهورية التركية، - في إضفاء صبغة من المثالية على هذه الفترة من التاريخ بشكل أسعد قلوب الكثيرين، ورفع عن كاهلهم ما عايشوه في تلك الفترة.  
لقد كانوا يقولون "إن القيام بانقلاب يعد أمراً جِد خطير". كما قام أناس - ينتمون إلى قطاعات مختلفة في الدولة - بالحديث عن هذه المفاهيم في البرامج السياسية صباح مساء. أما بعضهم فقد قام بتوجيه النقد إلى شخصيات بعينها، وأما البعض الآخر، فكان يتحدث بحميميةٍ عن أملٍ يرجوه.
ومع نهاية عام 1960 بدأ نجم الدين أربكان يخطو أولى خطواته نحو السياسة؛ من خلال حزب إسلامي سياسي، أَطلق عليه (حزب النظام الوطني)، والذى اختلف - في منهجه - عن الأنشطة التي ظلت الجماعات الإسلامية تمارسها خلال سنوات طوال. حيث عمدت الجماعات ذات التوجه الديني حتى ذلك اليوم إلى تبني موقف اتسم بالحذر في تعاملها مع أربكان الذي دخل إلى عالم السياسة بصبغة دينية اختلفت عن النموذج اليميني واليساري الذي تبناه التيار الرئيس بالدولة آنذاك. إذ كانوا يعتقدون أن دعمهم لهذا الحزب، الذي ظهر بمظهر ديني، قد يجر عليهم غضب القوى القمعية ذات السطوة في المجتمع التركي حينها.
ومع انعقاد أول انتخابات تلت تأسيسه، عُرف هذا الحزب، الذي تحول إلى واحد من أهم الأحزاب في البلاد حينها، بأنه الصورة الاجتماعية لحزب إسلامي. حيث ترك هذا الحزب الإسلامي الجديد - بحديثه المستتر - ردة فعل لدى الجماعات الإسلامية، في الوقت الذي لم يلق فيه قبولاً كبيراً لدى الطامحين فى عالم حداثي عصري.
لم يكن لدى أربكان صاحب التوجه الديني – شأنه فى ذلك شأن الجماعات ذات التوجه الديني الأخرى - الكثير من المعلومات عن المفاهيم العصرية التي يتحدث عنها البعض، وبالتالي لم يجد من يؤمن بأفكاره. فقد كانوا يستخدمون في أحاديثهم مفاهيم مثل الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات. تلك المفاهيم المُستمدة من الغرب، لكن دون تبني ما تذهب إليه على أرض الواقع.
ومن جانب آخر، كان هناك الفكر الكمالي (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة) الذي ضيَّق الخِناق - بلا رحمة - على كل المطالب والحقوق التي نادى بها المتدينون. من هنا، تولد هذا التناقض والتشوش لدى الجماعات ذات التوجه الديني. الأمر الذي أدَّى إلى تلاشي الرغبة لديهم في تعلُّم هذه المفاهيم، وإلى صدور أحكام متسرعة تُذكِّر بلحظات الألم التي عاشتها هذه الجماعات قديماً.
لهذه الأسباب اندلعت الصراعات اعتباراً من بداية إعلان الجمهورية، وأصبح من الصعب الوصول إلى كلمة سواء؛ تجعل هذه الجماعات المتناحرة تلتقي على أرضية الديموقراطية.
وكان من الممكن أن تتلاقى أهواء الكماليين (الذين يؤمنون بأفكار مصطفى كمال أتاتورك) مع أهواء المتدينين والإسلاميين المسالمين الذين صُدِّرت عنهم أفكار سلبية؛ حتى صاروا في نظر هؤلاء الكماليين مجرد "فزَّاعة" يحترز الجميع الاقتراب منهم. وعلى الرغم من جهل كل طرف بطبيعة تفكير الطرف الآخر، وانتشار أفكار متسرعة عمّقت الفُرقة بينهما، إلا أن كلا منهما كانت لديه رغبة حقيقية في التقدم خطوةً صوب الطرف الآخر.
وقد ساهم تراجع نفوذ الحركة اليسارية على مستوى العالم، والانقلاب الذي حدث في 12 سبتمبر في ترك الساحة خالية أمام الإسلاميين. وانعكس تنامي التيارات الإسلامية على مستوى العالم على الوضع في تركيا كذلك، مما حدا بالكثير من الشباب إلى التوجه إلى هذه الجماعات علهم يجدون ضالتهم لديها.
هذا ولم تكن تدرى البيروقراطية المدنية والعسكرية، التي تَملّكها الخوف خشية انفلات زمام الأمور من يدها مع تنامي قوة الجماعات الإسلامية والحزب السياسي، ما الذي يمكنها فعله إزاء هذا الوضع، وكيف يتأتى لها أن تمارس ضغوطها على هذه الجماعات التي أخذت شعبيتها تتزايد يوماً بعد يوم.
عادة ما تعمل أحداث مثل؛ وقوع انقلاب، أو القضية الكردية، أو تعرُّض التيار الديني لضغوط بعد تنامي شعبيته، على فتح حلقات نقاشية فى كل قطاعات الدولة، تهدف إلى التوصل لحلول ديموقراطية لمثل هذه المشكلات، وهو أمر يعج التاريخ بنماذج مشابهة له.
وفي الإطار يمكن القول "إن انقلاب 28 فبراير كان محاولةً لعرقلة حركة الرؤية الوطنية (حركة سياسية دينية مستلهمة من نموذج نجم الدين أربكان) التي تنامى نفوذها. وكأنهم أرادوا بهذا أن يُثبتوا أن الديموقراطية النظرية التي أخذوا يتشدقون بها، لن تجد لها نفس القدر من الاهتمام عند التطبيق العملي.
وفي ظل هذا المناخ، بدأت إحدى هذه الجماعات الإسلامية المتنامية تجذب الانتباه إليها بنشاطها الحزبي، وأعمالها الأخرى مع الجماعات الإسلامية. حيث بدأت جماعة فتح الله غولن، التي أرادت أن تشارك بكلمتها في السياسة بشكل مختلف عن الجماعات الإسلامية الأخرى، بالتكتل تحت اسم "الجماعة"، وهو الاسم الذي اشتُهِرت به في ذلك الوقت.
فقد ازداد نفوذ جماعة غولن، التي قطعت شوطاً كبيراً نحو التطور بشكل موازٍ للحزب السياسي الناهض، واتخذت من فكرة الحركة التي يؤمن بمبادئها كل  المجتمع سواء بالمحافظات، أو بالمدن استراتيجية لها. 
كوَّن فتح الله غولن حركته عن طريق دروس الوعظ التي كان يلقيها  في  أحد جوامع إزمير والتى لاقت اهتماماً كبيراً من المواطنين، إذ كان صاحبها رجل دين أثرت كلماته في الناس. تركَّز هدف هذه الحركة النامية على تكوين علاقات جيدة مع  البيروقراطية، وإعطاء التعليم والتربية أهمية خاصة. الأمر الذي جعل هذه الجماعات الدينية تلقى قبولاً لدى المواطنين، حتى أنها نجحت في استقطاب أشخاص ليس لهم علاقة وثيقة بأية جماعات دينية.
كان لزاماً عليها أن تجد لنفسها طريقاً تنفذ من خلاله، فى ظل صدامات نشبت على الساحة السياسية، وصراعات دارت بين الجماعات الموجودة، على خلفية التناطح بين العلمانية والدين، والذي بدأ يطل برأسه بقوة خلال هذه الفترة. اختارت هذه الجماعة التصالح طريقاً وحيداً لجأت إليه للخروج من هذه الصراعات. إذ كانت ترى أن المجتمع التركي أصبح جاهزاً لاحتضان سلطة حاكمة من طليعة المنتسبين للحزب الإسلامي.
أما جماعة غولن الجديدة فبدأت تلفت الانتباه برؤيتها الجديدة في كل قطاعات المجتمع التي أنهكتها الصراعات. وفي هذه المرحلة بدأ أنصار حركة "الرؤية الوطنية" يدركون أنهم لن يتمكنوا من إحراز نجاح في حلبة السباق أمام الحجج الدينية الكلاسيكية التي تسوقها جماعة غولن، وأربكان. ومن ثمّ بدأوا يشيرون إلى هذا التيار بوصفه تياراً مُجدِّداً، ومفهوماً سياسياً مختلفاً مع المعارضة.
وبذلك تلاقت أهداف هاتين الطائفتين وأسلوبهما بعد فترة طويلة، جَمُدَت خلالها العلاقات بينهما. حيث بدأت جماعة فتح الله غولن، التي اختلفت في منهجها عن المنهجية الدينية للكثير من الجماعات الدينية الأخرى التي اتخذت من مصالحها معياراً يحدد تحركها، بدأت تفكر جدياً في إمكانية التحرك بصحبة أنصار حركة الرؤية الوطنية التي تدعو للحداثة.
لم يكن الأمر من الصعوبة بمكان أمام حزب (العدالة والتنمية) الذي أطل برأسه في مرحلة من تاريخ تركيا؛ انهارت فيها السياسة والاقتصاد معاً، مع تطاير كتيبات الدستور التي عكف بولنت أجاويد، وأحمد نجدت سيزار على مناقشتها وتقعيدها. فقد كان هناك قطاع عريض من الأتراك على استعداد لدعم إنشاء حزب  يؤسسه رجب طيب أردوغان. ذلك الرجل الذي ترك انطباعاً إيجابياً لديهم بمقدرته على الإدارة أثناء خدمته في رئاسة البلدية.
لم يكن اصطفاف الملايين من الأتراك إلى جانب رجب طيب أردوغان انطلاقاً من خلفيته الدينية بقدر ما كان ردة فعل على إثر ما تعرض له من ظلم، وإيداعه السجن بسبب أبيات شعر قرأها، ولم ترها السلطة الحاكمة وقتها مناسبة.
وإلى جانب هذه الأعداد الغفيرة، وقف إلى جانب رجب طيب أردوغان في محنته جماعة أخرى. اتخذت جماعة غولن القرار أن تكون شريك كفاح مخلص لهذا الحزب الذي انفصل عن أربكان بسبب تباين في تطلعات كل منهما، تشد على ساعده في طريق مفروش بالأشواك. إذ رأى كلا منهما في الآخر مصدر إلهام بخبراتهما وتجاربهما الواسعة.
وعلى الرغم من أن جماعة فتح الله غولن، وحزب (العدالة والتنمية) لم ينبعا من  المصدر ذاته، إلا أن أياً منهما لم يقم بمحاسبة نفسه بشكل جيد؛ حتى يكتشف أن ما بداخله يختلف عما يبديه في الظاهر بشأن بعض المسائل مثل؛ الديموقراطية، والقواسم المشتركة التى تتعلق بالنجاح، وتحقيق مكاسب، والوصول إلى السلطة. وسيؤدي هذا إلى ظهور مشكلات خطيرة، وستبقى هذه النقطة الغامضة الخاصة بمصارحة الذات عقبةً تفتح الطريق أمام حدوث مشكلات جمة في المستقبل.
سنحاول في الأسابيع القادم أن نتناول - بشكل أكثر تفصيلاً - المسألة التي بدأنا بحث تطور تداعياتها الاجتماعية هذا الأسبوع، وذلك بعرض البُعد التاريخي لها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/demokrasi-ararken-nicin-kendimizi-guc-catismalarinda-bulduk