مايا أراكون
يناير 26 2018

في تركيا... يناير شهر الجرائم، والقتلة مجهولون

 

يناير هو شهر الحداد السنوي بالنسبة لي، حتى كدت لا أشعر بالسعادة مع حلول العام الجديد. فكم من جريمة قتل اُرتكبت في هذا الشهر. لا أعرف بأيّها أبدأ؟.
31 يناير 1990 يتعرض البروفيسور معمر أقصوي رئيس مؤسسة القانون التركية للاغتيال في عملية تم الإعداد لها مُسبقًا.
كان اغتيال أقصوي مجرد حلقة واحدة من سلسلة الاغتيالات التي تعرَّض لها أشخاص آخرون في التسعينات مثل بحرية أوتشوق، وأوغور مومجو، وطوران دورسون، ونجيب خبله ميت أوغلو، و أحمد تانر قيشلالي. اتصل أحد الأشخاص من كابينة هاتف عامة بالشارع بعد مقتل أقصوي بساعتين وتحدث إلى الصحف التركية، وأخبرهم بتركية ركيكة "أن الحركة الإسلامية هي التي قامت بتصفية أقصوي انتقامًا منه بسبب موقفه المناهض للحجاب، وأن السلاح المستخدم كان من نوع بيريتا 7.65."
لم يظهر حتى الثاني عشر من سبتمبرأي شهود عيان على هذه الجريمة التي ارتكبت في حي بهتشه لي أفلر سوى طفل في العاشرة من العمر.
ولم يحوي ملف القضية يومها أي دليل قاطع بشأن اغتيال مُعمّر، اللهم ثلاثة أظرف طلقات فارغة عُثر عليها في مكان الحادث؛ لذا كان من الطبيعي أن تدخل هذه الجريمة إلى دهاليز مظلمة مثل باقي جرائم التاريخ السياسي الأخرى التي طواها النسيان.
وفي 24 يناير لعام 1993 تعرّض أوغور مومجو الكاتب في جريدة (زمان)، وأحد أهم الأسماء في التحقيقات الصحفية، للاغتيال أمام منزله في أنقرة بعد أن قام مجهولون بوضع مادة c4 شديدة الانفجار في سيارته الخاصة.
وصل رجال الأمن بعد التفجير إلى مكان الحادث، وأخذوا يكنسون المكان في محاولة منهم لجمع أشلائه التي تناثرت بفعل التفجيرات.
نعم كانوا يكنسون الأرض لجمع الأشلاء، ويطمسون في الوقت نفسه كافة معالم الحادث. ويخرج الرئيس التركي في هذا الوقت سليمان ديميرل، ونائبا رئيس الوزراء أردال اينون، و عصمت سّْزجين ويقطعون على أنفسهم العهود أمام أسرة مومجو، والرأي العام التركي كله أنهم سيقدمون الجناة إلى العدالة، واستخدموا وقتها عبارة "هذا دين في رقبة الدولة".
بعد ذلك تُصرح جول دال مومجو، وتقول أن محمد أغار أتى إلى منزلها بعد اغتيال زوجها وقال "لو سحبت لبنةً واحدةً فستنهار الدولة". 
بيد أن شيئًا لم يحدث منذ هذا التاريخ؛ فلم يجرؤ أحد على سحب هذه اللبنة، ولم يطرأ جديد على الحادث. وبالطبع لم يستطع أحد التعرف على هوية الجُناة، ولم يُلقَ القبض عليهم إلى يومنا هذا.
وفي 30 ديسمبر من عام 1995 اُصيبت عالمة الآثار الشابة، والمراسلة ياسمين جَبَنويان، والكاتب السينمائي أوناط قوتلر بجروح بالغة بعد زرع عبوات ناسفة في محل أوبرا للحلويات في فندق (ذي مرمرة) في إسطنبول. لم تحتمل ياسمين جَبَنويان جراحها، ففارقت الحياة في مكان الحادث، أما أوناط قوتلر فكان احتفل بعيد ميلاد ياسمين جَبَنويان السابع والثلاثين قبل يوم واحد، وذهب في ذلك اليوم إلى محل الحلويات تلبيةً لدعوة من صديق لأخذ هدية عيد ميلادها.
كان سيلتقي مع زوجته فيليز، ويحتفلون بعيد زواجهما. استغلت السلطات الجدل المثار في ذلك الوقت حول (جبهة فرسان الشرق الإسلامي الكبير IBDA-C) الارهابية، وحمّلتها مسئولية اغتيال اوناط قوتلر.
لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث حتى في الصور التي التقطتها الكاميرات المُثبّتة في المكان لمعرفة هوية الجاني الحقيقي. ليدَّعوا بعد ذلك أن حزب العمال الكردستاني (PKK) هو من نفّذ التفجير.
ويتم القبض على الجاني، ويعترف بجريمته، ويعترف أنه نفذ الحادث بتكليف من حزب العمال الكردستاني. الغريب في الأمر أن هذا الشخص نفسه يستفيد بعد ذلك من قانون التوبة، ويُخلى سبيلة بعد تسع سنوات دون أن يقضي مدة حبسه كاملةً. 
هكذا بكل بساطة، قُم بتنفيذ مذبحة جماعية، وسيخلون سبيلك بعد تسع سنوات. أما عائلات القتلى فيتحرقون إلى الآن في نار لا يشعر بلهيبها غيرهم.
بعد ذلك يأتى الدور على (متين جوك تَبَه) في 8 يناير 1996 الذي يصر على التوجه إلى قرية (على بَي) لحضور جنازة المعتقلين الذين تعرَّضوا للقتل داخل محبسهم في سجن (عمرانية) ويقول "بكل تأكيد سأذهب إلى هناك أيها الأصدقاء".
ولكنهم يمنعونه من التوجه إلى هناك بذريعة أنه لا يملك "كارت الصحافة الأصفر". وعندما يُصر على حضور هذا الحدث، يقومون باحتجازه، ويقتادونه مع مئات آخرين إلى  الصالة الرياضية المغلقة بمنطقة (أيوب).
لم يكن قد تجاوز الثامنة والعشرين عندما أخذ رجال الشرطة الذين طالما زعموا أنهم "يعاملون الصحفيين معاملة خاصة" يكيلون له الضربات، وكانت النتيجة أنه فقد حياته متأثرًا بإصابته. انقضَّ عليه عشرة أشخاص. قال أحدهم وهم يضربونه "إنه سيموت بهذا الشكل، دعونا ننقله إلى المشفى"، أما الآخرين فاستمروا يوجهون له الضربات، واللكمات وهم يقولون "ليمُت، وماذا في هذا".
يقتلون صحفي في ريعان الشباب دون أن يرتكب جُرما. ثم تصدر الدولة مجموعة من التصريحات المتناقضة في محاولة منهم لإخفاء الجريمة.
تخرج علينا تانسو تشيلر وكانت رئيسة للوزراء حينها، بصحبة مدير أمن إسطنبول أورخان طاشانلر وتزعم، أن متين جوك تَبَه لم يكن مُحتجزًا؛ ويزعم المدعي العام عن منطقة أيوب أن متين جوك تَبَه كان رهن الاحتجاز، وبعد أن تم الافراج عنه تعرَّض لوعكة صحية مفاجئة أثناء جلوسه في حديقة الشاي سقط على إثرها من فوق الأريكة، أما وزير الداخلية حينها تؤمان أونوسان فقال أن متين جوك تَبَه فقد حياته بعد أن سقط من فوق أحد حوائط الصالة الرياضية.
يسقط  متين من فوق حائط ارتفاعة متر، فيتحول وجهه إلى اللون البنفسجي، وتُغلق عينيه تمامًا بفعل التورم!.
وبعد صراع قانوني استمر أربع سنوات، يتم القبض على أحد عشر موظفًا؛ يودع سبعةً منهم في السجن، يتم التصديق على عقوبة الحبس لخمسة منهم فقط. وبعد مدة يطبقون عليهم قانون العفو المشروط المعروف بعفو راهشان (نسبةً إلى راهشان أجاويد الذي اقترح تطبيق هذا القانون الذي يقضي بالإفراج عن السجين وقضاء باقي عقوبته في مكان إقامته أو تأخير تطبيق العقوبة) ويخرج رجال الشرطة المحكوم عليهم بعد قضاء سنة وثمانية أشهر فقط، ليستكملوا باقي مدتهم في مكان إقامتهم.
أما (فاديمه أنا) والدة جوك تبه المكلومة في ولدها القتيل فظلت تتألم إلى يومنا هذا من دون جدوى.
وبعد مرور سبع سنوات على اغتيال أغور مومجو، وبالتحديد في عام 2001 يتعرض جعفر أوقّات هو الآخر للاغتيال في 24 يناير.
كان جعفر يشغل منصب مدير الأمن في منطقة ديار بكر،  كان محبوبًا من أهالي المنطقة لأنه حسب قولهم كان أول مدير أمن يعامل الأكراد بطريقة آدامية. عمل جعفر أوقات على تغيير نظرة المواطنين إلى الشرطة في فترة زادت فيها نسبة الجرائم التي ارتكبت في الشرق تركيا، وقُيدت جميعها ضد مجهول، فاتسعت الفجوة بين الدولة والشعب.
عمد جعفر أوقّات في الأيام الأولى لمجيئه إلى المدينة إلى الانخراط بين الناس مرتديًا الزي المدني، كان مثالًا احتذى به رجال الشرطة الذين دأبوا في تلك الفترة على الامتناع عن دفع مقابل ما يأكلونه في المطاعم، أدّى جعفر كذلك دورًا فعالًا خلال مدة خدمته في مناهضة حزب الله، استطاع أن يكسب حب الشعب الكردي واحترامه عندما كان يدخل إلى المقهى ويخاطب الموجودين باللغة الكردية قائلًا "السلام عليكم، كيفم حالكم، ألستم بخير؟".
كان المسئول الأمني الوحيد الذي حافظ على علاقته إنسانية مع  سكان هذه المنطقة لسنوات. وفي جنازته أغلق أصحاب الحرف والتجار أبواب محالهم، كان  جعفر مدير أمن "إنسان" حظي بحب جارف من الناس. 
لا يمكن الجزم أنهم توصلوا للجاني في جريمة اغتيال جعفر أوقّات، ولكنهم يقولون أن حزب الله هو الذي قام باغتياله. تمامًا كما حدث في الجرائم المُشابهة في المنطقة، ولم تتضح إلى الآن خيوط الجريمة، وأبعادها.
وفي 19 يناير من عام 2007، يتعرض (هرانت دينك) للاغتيال برصاصة غادرة تُرديه قتيلًا أمام مقر جريدة أغوس. كان هرانت دينك واحدًا من أكثر أبناء هذا الوطن خصوصية، واحدًا من أكثر أبناء هذا الشعب القديم شجاعةً، كما كان صحافيًا شريفًا لم يبع قلمه تحت أي ظرف.
وعلى الرغم من تصريح رجب طيب أردوغان وكان رئيسًا للوزراء حينها "لن تضيع أي جريمة في ظلمات دهاليز أنقرة"، إلا أن ذلك اختلف مع جريمة قتل دينك فكلما ازداد التنقيب لمعرفة الجاني، كلما ظهرت خيوط لعلاقات كثيرة قذرة، ولم يستطع المحققون الوصول إلى الجاني.
أما أصدقاء هرانت، فلم يجدوا ما يفعلونه سوى التجمُّع في 19 يناير من كل عام في نفس المكان الذي اُغتيل فيه هرانت، والمطالبة بأن تأخذ العدالة مجراها.
ما ذكرته في هذه المقالة هو عرض للجرائم التي اُرتكبت في شهر يناير فقط، وراح ضحيتها أناس لهم قيمتهم بين أفراد الشعب التركي. بالاضافة إلى بعض الجرائم السياسية الأخرى.
جرائم تتكرر في كل شهر، وكل يوم في العام، وراح ضحيتها سياسيون أكراد، وأعضاء من النقابات، وحقوقيون، ومدافعون عن حقوق الانسان. جرائم تتجمع بسببها (أمهات السبت) اللائي يتوجهن يوم السبت من كل اسبوع في تمام الساعة 12 إلى ميدان جلاطه سراي، ويطالبن بالقصاص من مرتكبيها، ولا مُجيب. 
مفقودون ما زال يبحث عنهم ذووهم، وآخرون يقولون "يكفينا أن نجد رفاتهم". أبناء، وأزواج، وشباب يروحون، ولا يعودون، يتحولون إلى جثث لا تجد من يُكفِّنها، ويُعطِّرها.
صارت تركيا دولة تُرتكب فيها الجرائم فيُترك الجاني على الرغم من أنه "معروف" للجميع.  تمامًا مثل رواية الاثنين الدامي لغابرييل غارثيا ماركيز؛ فالجميع يعلم أن (سنتياغو نصار) سيُغتال، ولكن لا أحد يُحرِّك ساكنًا للحيلولة دون وقوع الجريمة. أو بقول آخر أن الأمر بالنسبة إلينا "أوضح من فلق الصُبح".
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: