جون لوبوك
مايو 17 2018

في ذكرى مرور عام على حجب موقع ويكيبيديا في تركيا

مضى حتى الآن أكثر من عام منذ حجب موقع ويكيبيديا في تركيا. هذا يعني أن سكان تركيا البالغ عددهم 80 مليون نسمة (أو 70 % منهم على الأقل الذين يستخدمون الإنترنت) يعجزون عن دخول أكبر مصدر للمعلومات على الشبكة الدولية، والمساهمة في هذه المعلومات باللغة التركية عن طريق التحرير وكتابة مقالات جديدة.

فقد خسرت دول العالم فرصة رؤية ومعرفة مستخدمي الإنترنيت الأتراك الذين أصبحوا عاجزين عن المساهمة والتأثير في المعلومات على موقع ويكيبيديا.
ويكيبيديا نظام أكثر تعقيدا بكثير مما يعتقد معظم الناس. ويكيبيديا اليوم موسوعة يرعاها متطوعون من مختلف أنحاء العالم. وفي كل شهر، يتولى أكثر من مِئتي ألف شخص تحرير وتحسين محتويات ويكيبيديا التي تتجاوز 45 مليون مقال عبر نحو 300 لغة.

إنه موقع تديره مؤسسة خيرية (ويكيميديا فاونديشن) تتلقى دعما من محررين متطوعين مستقلين، وجماعات مرتبطة بها، ومؤسسات خيرية مستقلة في دول عدة (مثل مؤسستي الخيرية ويكيميديا المملكة المتحدة). وتتولى المؤسسات الخيرية مسؤولية الترويج للموقع ودعم محرريه المتطوعين في أنحاء العالم.

مجتمع ويكيميديا ملتزم بفكرة أن المعلومات ينبغي أن تكون حرة ومتاحة. مهمتنا هي إتاحة الفرصة لكل فرد وفي كل مكان للإسهام في هذه المعرفة.

المحتوى لدينا غير مملوك أو خاضع لحقوق طبع أو نشر لأي فرد أو ملكية فكرية، وتتم مشاركته وفقا لتراخيص الإبداع العام التي تتيح لأي فرد تحرير وتعديل وإعادة استخدام محتواه.

هذا ما يجعل ويكيبيديا فريدة من نوعها مقارنة بمنصات أخرى كبيرة على الإنترنيت. نحن لا نستضيف إعلانات، والمحتوى هو نتاج عمل مجموعات من المتطوعين ونحن نهتم في الأساس بمهمتنا وليس بالربح.

إنه تحدٍّ كبير للنموذج الاستثماري المعتمد على الإعلانات الذي تطبقه معظم المواقع الإلكترونية الكبيرة، ويعني أنه برغم عدم معاناتنا من بعض المشاكل الأخلاقية  المرتبطة بالاستفادة ماديا من بيانات المستخدمين إلا أننا نفتقر أيضا إلى الموارد التي تأتي معها.

هذا هو السبب في أنك لم ترَ مطلقا أي إعلان على ويكيبيديا، وأنك على الأرجح لم تفكر في كيفية عمل هذا الموقع.

لكن هذا لا يعني أن كل الحكومات تشجع ويكيبيديا. فمنذ عام 2015، تطبق كل اللغات المستخدمة في ويكيبيديا نظام التشفير إتش.تي.تي.بي.إس HTTPS)) وهو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة على الحكومات، أو أي طرف ثالث، لمعرفة أي صفحة بالضبط يشاهدها المستخدم، وهو ما يعني أيضا أن هذه الجهات لن تستطيع فلترة صفحات فردية، لكنها ستحتاج إلى حجب موقع ويكيبيديا wikipedia.org بالكامل.

تحجب الصين ويكيبيديا الصادرة بالصينية منذ عام 2015، وفي عام 2017 حجبت السلطات التركية ويكيبيديا بكل لغاته، مبررة الإجراء باعتراضها على مقالين في ويكيبيديا الإنكليزية، يحتويان على تقارير بشأن وصول أسلحة تركية إلى فصائل متطرفة في الحرب الأهلية السورية.

الحجب من قبل السلطات التركية قلل الدخول على ويكيبيديا التركية بنحو 80 في المئة لكن لا يزال الكثير من الأتراك يتمكنون من الدخول على الموقع عبر خوادم وكيلة (بروكسي) وعبر الشبكات الخاصة الافتراضية (في.بي.إن) VPN.

وفي وقت يسعى فيه مجتمع ويكيميديا جاهدا لتشجيع مستخدمي ويكيبيديا من خارج أوروبا وأمريكا الشمالية على المساهمة في الموقع، فإن خسارتنا 80 % من المجتمع التركي انتكاسة خطيرة لقدرتنا على تحقيق هذا الهدف.

تخيلوا كل الناس المهتمين بموضوعات محددة وبمقدورهم التطوع ببعض أوقاتهم لمساعدة غيرهم في أنحاء العالم على معرفة شيء عن التاريخ والعلوم والثقافة الشعبية، أو أي موضوع آخر، لكنهم لا يستطيعون الآن القيام بذلك.

وبذلت مؤسسة ويكيميديا جهودا مع هيئة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات التركية لشرح كيفية عمل شبكة ويكيبيديا، فضلا عن طرق أبواب التدابير القانونية، لكن يبدو أنه قد تم استنفاد كل الوسائل الرسمية.

هذا هو سبب قيام ويكيميديا بإطلاق حملة على وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان "نحن نفتقد تركيا" #WeMissTurkey

نحن حركة عالمية لأفراد هدفهم تهيئة عالم يمكن فيه لكل فرد مشاركة المعلومات بحرية، وبلغاتهم المحلية وبالمجان. ولا يمكننا القيام بذلك إذا جرى منع ملايين الأفراد من الدخول على ويكيبيديا والمساهمة في محتواه.

نعرف أن هذا هدف طموح، ولن يكتمل أبدا، لأن مقدار المعلومات يزداد بشكل مستمر، ونعرف أن تغطية ويكيبيديا وتمثيلها للتنوع في عالمنا لا يفيان بكل الاحتياجات والرغبات.

يضم محتوى ويكيبيديا التركية 300 ألف مقال، لكن جودة وكم المحتوى يمكن أن يتحسن كثيرا في حال مشاركة المزيد من المساهمين. وكثرة المساهمين تعني أيضا وجود عدد أكبر من الناس يزيلون المعلومات الخاطئة والممارسات التخريبية التي تعارض الخطوط الإرشادية للشبكة.

يعتقد الناس خطأ أنه يوجد نوع من السلطة المركزية في ويكيبيديا. في الواقع، ينبغي أن تفي المعلومات على ويكيبيديا بسلسلة من المعايير، ومنها أن الموضوعات لابد أن تكون ذات أهمية وأن تكون قد خضعت لنقاش في مصادر إعلامية مستقلة وموثوقة.

ينبغي عرض المعلومات على الموقع بطريقة حيادية كملخص لمصادر أخرى وليس البحث الأصلي. وينبغي أيضا عرض مختلف الآراء لكن الأولوية تمنح للآراء التي تحظى بإجماع، ومنها على سبيل المثال التوافق العلمي على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض ناجم عن النشاط الإنساني.

وإن وقع نزاع بشأن مدى صحة المعلومات فإن لكل مقال صفحة حوار تتيح للمحررين مناقشة المقال والتصويت على سبل تغيير المعلومات داخله.

هذا نوع من التحيز المعرفي يسمى التجسيد، وقد لاحظت أن الكتابة عن طريقة عمل ويكيبيديا تنطوي على بعض المشكلات.

كثير من الصحفيين والحكومات يصفون ويكيبيديا بأنها وكالة إنسانية، وهي موقع لمحتوى يقدمه الأفراد العاديون، ولا يخضع للتحرير أو المراقبة من قبل ويكيميديا فاونديشن أو صفحات.

الناس يطرقون أبوابنا باستمرار، ويطلبون منا تغيير محتوى في ويكيبيديا عندما "يكون هناك شيء خاطئ على الإنترنيت"، ونحن نشرح لهم بهدوء أنهم إن قاموا هم أنفسهم بالنقر على زر "تحرير"، واتبعوا الخطوط الإرشادية سيتمكنون من إضافة محتوى، أو حذف أشياء يعتقدون أنها غير صحيحة، طالما أن لديهم مراجع داعمة تبين أن ما يكتبونه صحيحا.

المنظمات الخيرية المرتبطة بـ"ويكيميديا" لن تغير أو تراقب المقالات لمجرد أن شخصا ما لا يروق له المحتوى.

وبخلاف أنها تتعارض تماما مع أخلاقيات عمل ويكيبيديا، فإننا حتى لو بدأنا في مسار مراقبة ويكيبيديا، لأن شخصا ما طلب منا ذلك فأين ينتهي هذا حسب رؤيتكم؟ نحن لسنا شركة لها تسلسل مركزي لكننا حركة من الناس بمختلف أنحاء العالم ملتزمة بفكرة، وهي أن المعرفة يجب أن تكون متاحة للجميع.

ولذلك، هل يوجد حل لهذا المأزق؟ من الواضح أنه يوجد نقص في الثقة لدى كلا الطرفين. لا يمكن إعداد فصل من ويكيميديا في تركيا نظرا لخشية الأعضاء من المضايقات من قبل الحكومة التركية، وعلى الجانب الآخر لا يمكن للحكومة ولا للشعب التركي الحصول على فهم أفضل عن ويكيبيديا ما دام الموقع محجوبا.

إجراء محادثات على مستوى رفيع بين المؤسسة والحكومة التركية قد تكون فكرة طيبة، لكن إذا فشلت المحادثات فإنني غير متأكد أي خيارات أخرى ستكون متاحة.  القانون المفروض مؤخرا الذي يجبر كل الناشرين على الإنترنيت الحصول على ترخيص للعمل في تركيا لا يعد مؤشرا طيبا عن مستقبل حرية التعبير على الإنترنيت في تركيا.

وفي العام المقبل، يحتفل ويكيبيديا بعيد ميلاده الثامن عشر، وينبغي أن نتذكر أننا لا نزال في مهد عصر جديد من تكنولوجيا المعلومات، وأن معارك شرسة جارية حاليا بعدد من البلدان بشأن حقوق الوصول إلى المعلومات.

وستستمر هذه المعارك لفترة طويلة، لكن ويكيبيديا لن ترحل قريبا. في الوقت الراهن، يمكن لموقع ومجتمع ويكيبيديا الانتظار حتى تهب رياح التغيير في مسار ملائم بدرجة أكبر. 
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: