في عهد أردوغان.. خوف وكراهية في تركيا

"كانت علاقتي دوما صحية للغاية مع تلاميذي المتدينين"، هكذا تحدث الأكاديمي التركي بولنت سوماي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي). وأضاف "لكنهم الآن يشعرون بأنهم هم النخبة وبأننا المنبوذون. قبل بضع سنوات، كانوا يحاولون الوصول إلى السلطة. والآن بعد أن امتلكوها، باتوا يشككون في حقنا في تقاسمها معهم".
لكن ملاحظة سوماي لا تنطبق على المتدينين وحدهم، فقد بات الإعراب عن مثل تلك المشاعر واسع الانتشار بين أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم على الانترنت وفي وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة. وتمثل مشاعر التفوق الأخلاقي والرغبة في الانتقام التي تختفي وراء وجهة نظرهم تلك، الجرح الذي جعل الديمقراطية في تركيا تنزف حتى الموت.  
وفي مقالي السابق في أحوال تركية، تطرقت إلى دور الخوف والجزع من المستقبل في ظل تصاعد النزعات القومية والاستقطاب المجتمعي. فالنزعات القومية المتنامية والاستقطاب المجتمعي لا ينذر فقط بعنف سياسي في المستقبل، وإنما يقوض أيضا المؤسسات الديمقراطية والقواعد المتبعة في المعالجة. وكان الحديث حول "التركي الأبيض" وذكريات 28 فبراير 1997، عندما تمت الإطاحة بحكومة ائتلافية تضم أحد أسلاف حزب العدالة والتنمية من السلطة بعد مذكرة لمجلس الأمن القومي، أسبابا رئيسية في تحول الخوف إلى رغبة في الانتقام. 
وكتبت باستفاضة عن الحديث حول الأتراك البيض والأتراك الزنوج وهو الحديث الذي كثيرا ما يشير إليه أردوغان نفسه. وكان مصطلح "التركي الأبيض" يشير في البداية إلى طبقة اجتماعية اقتصادية. ولاحقا، اعتمده الإسلاميون ووظفوه لأغراض سياسية إذ كانوا يستخدمونه كنقيض لمصطلع الأتراك الزنوج (السود). وفي حين شبه الإسلاميون أنفسهم بالزنوج المضطهدين، إلا أنهم اعتبروا كل العلمانيين، بغض النظر عن أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، أتراكا بيضا نخبوويين.  وفقد مصطلح "الأتراك البيض" فائدته التحليلية منذ فترة طويلة، لكنه لم يفقد قيمته الخطابية العاطفية. ويستلهم الزعماء والمعلقون الإسلاميون هذا الخطاب لتذكير أنصارهم بما تعرضوا له من قمع قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وفي هذا الإطار تحول الحديث عن "التركي الأبيض" إلى أداة كراهية وانتقام لكي يدفع الثمن جزء غير محدد من القطاع العلماني في المجتمع.
وجلب حزب العدالة والتنمية كثيرا من الأفكار المبتكرة إلى السياسات الحزبية التركية التقليدية، والتي أثبتت نفسها بشكل خاص في تجربته في الحكم المحلي. غير أنه فشل في تجاوز صدمة 28 فبراير 1997.
كانت ذكريات 28 فبراير تعني بالنسبة لحزب العدالة والتنمية أن سلطته السياسية تواجه دائما تهديدا وجوديا. فتاريخ الحزب في الحكم الذي بدأ قبل 15 عاما مفعم بالمناورات الدفاعية للتشبث بالسلطة. وتعزز الشعور بعدم الأمان بسبب الجدل حول الانتخابات الرئاسية في 2007 وقضية المحكمة الدستورية في 2008 لإغلاق حزب العدالة والتنمية واحتجاجات غازي في 2013 وفضيحة الفساد في ديسمبر 2013 وبالطبع محاولة الإنقلاب في 15 من يوليو 2016.
وانتقلت صدمة 28 فبراير إلى أنصار حزب العدالة والتنمية أيضا. فالشعور بأنهم ضحايا على يد "النخب العلمانية" ولاسيما الجيش، قوي لدرجة أنه لم ينحسر بعد 15 عاما لحزب العدالة والتنمية في السلطة وبعد إخضاع الجيش التركي للسيطرة المدنية.
واستفاد مؤيدو حزب العدالة والتنمية من حكمه ماديا ووجدانيا. فقد وجدوا أنفسهم وقد امتلكوا امتيازات وفرصا جديدة، لكنهم برغم ذلك يشعرون أن ذلك مهدد دوما. فالخوف والقلق يتملكهم بشأن مستقبلهم، وهذا الخوف والقلق مرتبط بشدة بالمستقبل السياسي لحزب العدالة والتنمية وأردوغان نفسه. فإذا خسر أردوغان فإنهم سيخسرون الامتيازات الجديدة وهذا المصير المشترك سمح لأردوغان بتصوير خصومه السياسيين على أنهم العدو. وسبب هذا استقطابا في المجتمع ويشكل اتجاها خطيرا.
وكانت انتخابات يونيو 2015 المرة الأولى التي يقترب فيها أردوغان من خسارة سلطته السياسية بعدما حصد الحزب الرئيسي المؤيد للأكراد على ما يكفي من المقاعد لحرمان حزب العدالة والتنمية من الأغلبية في البرلمان. وأشعلت الانتكاسة الانتخابية موجدة جديدة من النزعات القومية وتشويه الأكراد. ودخلت قيادة وأنصار حزب العدالة والتنمية حلقة من الحماسة القومية ما زالت مستمرة إلى اليوم. وأثارت متغيرات مماثلة خلافا كبيرا فيما بين الإسلاميين الأتراك، بين أتباع رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن وأنصار حزب العدالة والتنمية.
ويسلط مشروع بحثي أجري في الآونة الأخيرة بعنوان "أبعاد الاستقطاب في تركيا" الضوء على الشقاق الفكري والوجداني داخل البلاد. وكان أغلب المشاركين قد أسندوا إلى أنصار الحزب الذي يشعرون أنه أقرب إليهم تفوقا أخلاقيا بينما أسندوا سمات سلبية إلى أنصار الحزب الذي يشعرون أنهم بعيدون كل البعد عنه. والعلاقة المهمة التي ظهرت في هذه النتائج أن معظم المشاركين وافقوا أيضا على فرض قيود على الحقوق السياسية والحريات لأنصار الحزب الذي يشعرون أنهم بعيدون عنه. وعلاوة على ذلك، أبدى أنصار حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية قدرا أكبر من الإحساس بتفوق جماعتهم مقارنة مع أنصار الأحزاب السياسية الأخرى.
وفي ضوء المستويات العالية إجمالا من الشعور بالتفوق الأخلاقي بين المشاركين والمستوى المرتفع من الشعور بين أنصار حزب العدالة والتنمية بتفوق جماعتهم، فليس من المفاجئ أننا لا نلاحظ سوى الصمت أو الإقرار في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا اليوم.
وللمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وصل حزب إسلامي إلى السلطة في 2002 كحزب حاكم منفرد. وكان الحزب يعاني بسبب الافتقار إلى الديمقراطية في البلاد ومن ثم كانت التوقعات أنه سيقضي على القواعد والمؤسسات غير الديمقراطية حتى يمنح نفسه فرصة أكبر للبقاء في ظل الديمقراطية.
لكن الخوف والجزع من الخسارة، والذي أججته الصدمة الماضية التي غذت بدورها الرغبة في الانتقام والاستقطاب، قد أخذ البلاد في الاتجاه المعاكس تمام.
وها قد وصلنا إلى ما نحن فيه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: