في عهد ترامب.. العلاقات الأميركية التركية تتأزم لدرجة الغليان

بينما يستمر التوتر في العلاقات التركية-الأميركية، وفي ظل احتمال ازدياد هذا التوتر إلى درجة الغليان نتيجة أي بيانات استفزازية أو تصرفات من زعيمي البلدين، فإن من المناسب أن نتأمل كيف تمت صياغة السياسة الأميركية تجاه تركيا قبل وصول الرئيس الحالي دونالد ترامب للحكم، وكيف تغيرت مع قدومه وإشرافه على السياسة الخارجية الأميركية.

نقاط عامة:

تُصاغ السياسة الخارجية عبر عملية تضم دبلوماسيين ومحللين ومسؤولين آخرين بالحكومة وأكاديميين وغيرهم من الأصوات غير الحكومية، ممن يقدمون معلومات تسهم في تحديد مسار السياسة الخارجية.
وبناء على كل هذا، ينبغي للمرء أن يضع في باله أنه في نهاية هذه العملية يحدد الزعماء السياسيون في بلد ديمقراطي، وليس مسؤولين غير منتخبين، السياسة الخارجية للبلاد. 
وبينما قد تبدأ عملية الصياغة في الخارج بواسطة الممثلين الدبلوماسيين للدولة، فإن الزعماء السياسيين يصوغون السياسة الخارجية في مكاتبهم بالعاصمة.
ويعتمد مهندسو السياسة الخارجية (الزعماء السياسيون) على الدبلوماسيين وغيرهم من المسؤولين لتنفيذ السياسة كما صيغت. وأحيانا، قد يواكب هذا بعض الصعاب، ومنها على سبيل المثال عندما تؤسس إدارة جديدة سياسات لا يوافق عليها الدبلوماسيون.
وهنا مثال حديث على ذلك من الولايات المتحدة، وهو قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.
لم يجر أحد مسحا لآراء مسؤولي الشؤون الخارجية الأميركية، لكن في ظل معارضة كثير من أعضاء مجتمع الشؤون الخارجية غير الرسمي لقرار الانسحاب، فإنني أعتقد أن بعضا، أو ربما الكثير من أفراد الشؤون الخارجية الأميركية لا يوافقون على قرار ترامب.
ومن الجدير بالذكر هنا أنه، وعلى عكس ردود فعل مسؤولي الخارجية الأميركية على أول حظر سفر فرضته إدارة ترامب (الذي أطلق عليه اسم حظر السفر على المسلمين)، فإن أي معارضة لقرار إيران ظلت هادئة ومحصورة داخل قنوات اتصال سرية.
ويقدم قرار ترامب بتنفيذ قانون أميركي يدعو لفتح سفارة أميركية في القدس شرحا لذلك. ففي عام 1995، أقر الكونغرس الأميركي "قانون سفارة القدس" الذي يدعو إلى نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
وأدرج الكونغرس في القانون فقرة تتيح للرئيس تعليق التنفيذ، وحتى قرار ترامب في ديسمبر كانون الأول 2017، كان التعليق يطبق كل ستة أشهر منذ أكثر من 20 عاما.
وقد صاغ هذه السياسة زعماء منتخبون في الكونغرس بالتشاور مع أكبر مسؤول تنفيذي منتخب بالبلاد وهو الرئيس.
وقد عرض المسؤولون الدبلوماسيون الأميركيون وغيرهم من مسؤولي الوكالات والأكاديميين وأعضاء مجتمع الشؤون الخارجية ككل آرائهم بشأن تأثير تغيير المسار، وقدموا بالتأكيد آراءهم بشأن العواقب المحتملة وردود فعل أطراف أخرى، لكنهم لم يقرروا مسار الإجراءات ولم يحددوا السياسة. ومن يحدد السياسة هو ترامب.

ممارسة تقليدية ضد تركيا:  

في حالة السياسة الأميركية تجاه تركيا، يقدم موظفو السفارة والقنصليات في تركيا، ومسؤولو وزارة الخارجية والدفاع والخزانة والتجارة ووكالات حكومية أخرى، المعلومات والتحليلات والمشورة لصناع السياسة في واشنطن.
وينسق مسؤولو مجلس الأمن القومي المشورة لتقديمها لمسؤولين بالبيت الأبيض من أجل التوصيات، وتحديد الخيارات المرتبطة بالسياسة الأميركية.
وفي كثير من المناسبات تجري دراسة مدى تأثير السياسة على بلد بعينه، مثل تركيا التي نركز عليها هنا، داخل إطار أوسع يشمل تأثير القرار على دول أخرى كثيرة.
وبالعودة مجددا إلى مثال الاتفاق النووي مع إيران، ساهمت كثير من الأصوات على الأرجح في النقاش بشأن الأثر الذي سيعود على تركيا جراء إعادة فرض عقوبات على شركات تقوم باستثمارات مع إيران، لكن ذلك كان في سياق مناقشة مدى التأثير على دول أخرى كثيرة أيضا.
جزء من مهام الدبلوماسيين الأميركيين في تركيا، والمكاتب ذات الصلة بوزارة الخارجية الأميركية، هو التأكد من أن أي قرار يجري بحث آثاره المحتملة يضع في الحسبان دراسة تلك الآثار على تركيا.
ولا يدافع هؤلاء الدبلوماسيون الأميركيون عن الموقف التركي بل يقدمون معلومات لصانعي السياسة في واشنطن.
ويقدم هؤلاء الدبلوماسيون أيضا معلومات بشأن الطريقة المتوقع أن ترد بها الحكومة التركية على تصرف محدد، وليس الغرض هنا أثناء صانعي السياسية عن اتخاذ قرار قبل تنبيههم بشأن عواقب محتملة لمسار محدد من الأحداث.
وكان رد فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وغيره من المسؤولين الأتراك على قرارات ترامب الأخيرة في السياسة الخارجية سواء قرار نقل السفارة أو الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران قد وُصف بأنه سيكون سلبيا.
وتوقع هذا الرد على الأرجح مسؤولون أميركيون يباشرون ملف العلاقات مع تركيا. وفي هذا الوضع لم تكن تركيا بمفردها، فقد أيد عدد قليل جدا من الدول أو أقروا التصرفات الأميركية.
ومعنى ذلك أن حدة بيانات التنديد من قبل الزعماء السياسيين الأتراك في الحكومة وفي المعارضة سيلحظها صناع السياسية خلال عملهم بشأن السياسة الأميركية مع تركيا.
وسيجد المسؤولون الأميركيون المسؤولون عن العلاقات مع تركيا الجهود التي يبذلونها لضمان حصول المخاوف التركية على القدر الكافي من الاهتمام معقدة وأكثر صعوبة في ظل بيانات التنديد هذه.
ولا أدافع هنا عن الموقف التركي، بل أدافع عن الجهود التي بذلت لشرح وتهيئة مناخ لفهم أفضل للموقف التركي من أجل الحفاظ على علاقات قوية وإيجابية مع حليف مهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
كل هذه الجهود التي تساعد في صياغة السياسة الخارجية تأتي في إطار شعور متنام بين البعض في الكونغرس وأعضاء مجتمع الشؤون الخارجية ككل بأن تركيا لا تهتم كثيرا بالمخاوف الأميركية، وأنه لا ينبغي اعتبارها حليفاً موثوقاً به، هذا إن كانت حليفاً بالأساس.

ماذا بعد؟

إن ولع ترامب بالتصريحات الهجومية العفوية عبر تويتر تشبه خطاب أردوغان الاستفزازي في حملاته الانتخابية وفي كلماته أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية.
لقد تخلص الكل من العملية التقليدية في صياغة السياسة الخارجية التي كانت تشهد وضع الآراء الخاصة بشكل معمق في السياسة الخارجية العامة للدولة.
ويدل اختيار ترامب لمايك بومبيو وزيرا جديدا للخارجية على رغبته في وجود وزراء يشبهونه في طريقة التفكير داخل الإدارة. وبالمثل، فإن أردوغان عين من يوافقونه في الرأي مستشارين له.
وفي كلا الحالتين، فإن المشورة القادمة من خبراء خارجيين ومن مسؤولين حكوميين مطلعين ستكون قليلة الأثر في صياغة السياسة الخارجية، مع اعتماد كل منهما على مهاراته التفاوضية الخاصة وأسلوب قيادته. 
وبالنسبة للسياسة الأميركية تجاه تركيا، فهذا يعني أن تصور ترامب بأن تركيا ستكون متعاونة بشأن العقوبات الاقتصادية على إيران سيتجاوز في أهميته على الأرجح عوامل أخرى خلال توجيهه للعلاقات الأميركية مع تركيا.
ومن القضايا الأخرى التي تثير التوتر نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ووجود رجل الدين التركي المنفي فتح الله غولن في ولاية بنسلفانيا الأميركية، والقس الأميركي المسجون في تركيا اندرو برانسون، ومساعدة الولايات المتحدة لقوات كردية سورية.
وهذه عوامل مهمة في إدارة العلاقات مع تركيا، ووضع هذه الأمور في سياقها أمام كبار صناع السياسة سيكون بالطبع عنصرا مهما في تطوير السياسة. لكن ترامب أظهر أنه لا يفكر بشكل مختلف.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: