في مشرحة الدولة التركية.. نعيش مقداراً كبيراً من الظلم والألم

أعرف جيدًا ما يجب عليَّ كتابته.
ولكني لا أستطيع أن أخطه على الورق..
ما زلت لا أعرف، على اليقين، كيف يمكنني أن أهمس في أذن المواطن التركي بشأن مسألة من المسائل؛ فتسمعني كل أذن واعية.
لقد جربت من قبل كافة الطرق التي أعرفها؛ كي أنجح في هذا.
للأسف، لم تفلح أي من هذه الوسائل..
تحدثت طويلًا، أردت أن أتناول المشكلات بالشكل الذي يليق بحجمها وبخطورتها، لم أخشَ آلات التصوير التي صادفتها في طريقي..
تحدثت للجميع. لم أتردد في الحديث إلى شباب الصحفيين الهواة، الذين التحقوا بالعمل في مهنة الصحافة حديثًا، ممن يقومون بحوارات صحفية في شوارع بي أوغلو، وفي شارع الاستقلال. 
تحدثت في كل موضوعٍ تطرقت إليه، ويشهد الكثيرون على هذا.
ومع هذا، فأعتقد أنني عجزت عن إيصال صوتي لكل شرائح المجتمع التركي.
أعتقد أنني لم أُسمِع صوتي كما ينبغي، ولو أنني فعلت "لصدقوني". لا أشك في هذا.
لم يأتِ عجزي هذا بخير. هذا يعني أنني أعتبر نفسي مسؤولاً، ولو بشكل ما، عن الحروب التي يخوضها النظام الحاكم في تركيا.
صرخت كمن يصرخ محذراً عائلة، استعرضت البحر بقارب. ناديتُ بأعلى صوتي "احذروا، ستغرقون؛ ففي هذا المكان توجد متاهة"، لكن هذا لم يجد نفعاً.
تحدثت في مباني البرلمان، وفي حلبات المصارعة في الإعلام الرسمي للدولة، وفي القنوات التلفزيونية الخاصة بـ "المنظمات الإرهابية". تحدثت في الشوارع، وفي الميادين، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل توتير. تحدثت في كل مكان.
وعندما اقتضى الأمر مني أن أقول الصدق، عجزت عن الوصول إلى النتيجة التي أرجوها، ولو بنسبة ضئيلة..
كوَّنت جملاً مفيدة من كلمات وعبارات مبعثرة؛ من قبيل "قوات حفظ النظام، والصدرية الفولاذية، والمنفى، والطائرات، وأوكار اللصوص في بي أوغلو، ومسيرة الشرف، ومشويات أدا، ومطاعم التجار في دولاب دارا، وحفلات زفاف جينكانه، وعيد الفصح عند المسيحيين، وعروسة الشركس، والأم الرومية، ومدرسـة الرهبان، "أطلقـوا سراح صلاح الدين دميرطاش!"،  لم أنم.
حدث نشاز هذه المرة. أحدث صوتي جلبة كبيرة. ضاع جوهر المشكلة.
إن تمتعي  بأذن موسيقية أمر جيد. سأغني إذن، فقط أعطوني الميكروفون، ولا دخل لكم بي.
هأنذا أمسك بقلمي مرة أخرى، أجلس وأكتب.
أعرف جيدًا ما يجب عليَّ كتابته.
ولكني لا أستطيع أن أخطه على الورق..
لا ينبع عجزي عن الكتابة من خوفٍ بداخلي، أو من منفى قد ينتهي مصيري إليه.
يتطلع الذين يقولون "كان لنا رأي" في عيوننا كل يوم، ويقولون "انتهى الكلام". لم تعد هناك كلمات يمكن أن تعبر عن هذا المقدار من الظلم والألم الذي نعيشه في تركيا الآن.
لم يعد مناسبًا أن نختزل الصرخة التي نطلقها للتعبير عن آلام الإنسان؛ لدرجة كادت معها حبالنا الصوتية أن تتمزق في عدة شعارات مكونة من عدة أحرف. لقد أُرهقت الكلمات، وأصبحت غير قادرة على التعبير عما يعانيه المواطن التركي من آلام. 
يحاولون حبس ما تبقى لدينا من كلمات داخلنا؛ بحيث لا تغادر حلوقنا.
لا تتورع السلطة الحاكمة في تركيا عن تشريح أجسادنا حتى تَطَّلِعَ على ما يجول بداخلنا. 
جميعنا في مشرحة الدولة التركية..
وها هي الدماء تسيل من جديد. لم يسلم الأطفال والأمهات أيضاً من القتل.
أصبحنا أمة ملعونة..
أصابتنا اللعنة بسبب تردي الحالة التي وصلنا إليها، عندما تَخَفَّى الأطفال في أحد الأركان، وهم يقذفون الحجارة لصرف كلاب الشوارع عن جثة الأم تايبت، التي توفيت برصاصة غادرة أثناء حالة الطوارئ المفروضة في سيلوبي، وتُركت في وسط الشارع مدة سبعة أيام، دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها، أو دفنها.
لقد أصابت اللعنة بلدنا، وأرضنا، وبيوتنا.
لقد أصابت اللعنة مستقبلنا كذلك.
سيطلقون على بعض أطفالنا، الذين نجوا من بين أيديهم، صفة "القتلة".
أما البعض الآخر، فسيتعرض للقتل..
كان من الممكن أن تسهم العدالة في وقف نزيف الدم في تركيا.
ولكن العدالة لم تأتِ، ولم يتوقف نزيف الدم، وكسب الشيطان اللعبة كلها.
نعلم يقيناً أن القاتل يعيش على أرضنا منذ مِائة عام، وأنه يعيش حراً طليقًا، يحظى بمكانة مرموقة، وأنه يجمع بين يديه النفوذ والسلطان.
وكلما زاد أصحاب السلطة في ظلمهم، تجاسرت قلوبهم؛ حتى صاروا مثل المصارعين الرومان.
يضرب الإمبراطور ضربته الأخيرة؛ كي يجهز على خصمه وسط نشوة الحشود وتصفيقهم.
يكيل اللكمات لخصمه من أسفل لأعلى من دون توقف.
ثم يصدر الأمر قائلاً "اقتلوه!".
وكلما أصدر الإمبراطور فتوى بالقتل، كلما ازدادت الحشود نشوة بجرائمه المشروعة هذه. الجميع يترقب صدور الأمر بحرق روما.
نعم حان الوقت لحرق روما. يشعر المواطنون بالسعادة؛ لأن الإمبراطور سيحرق روما من أجلهم.
نفس النغمة المملة التي سئمنا من الاستماع إليها.
تشعر الحشود أنها صارت أقرب إلى القاتل. فهؤلاء يصفرون في المدرجات، محتجين على أناسٍ مزقتهم القنابل شر ممزق. 
يرتدي الآلاف منهم غطاء رأس أبيض اللون.
لدى القاتل دائماً مبرراته، التي يُهوِّن بها من وطأة الأمور، وبها يستطيع إقناع أعداد غفيرة بمشروعية جرائمه.
حقاً، نعيش في زمنٍ؛ صار القتلة فيه هم الأبطال.
وها هم القتلة الجدد يريدون أن تُشيَّد لهم التماثيل، التي تخلد ذكراهم تماماً كما فعلوا  لقاتل الأرمن طوبال عثمان (قائد عسكري ترقى إلى رتبة الصدر الأعظم في الجيش العثماني عام 1731). 
إنهم لا يطيقون أن يروا تماثيل لأحد آخر غير هؤلاء. ماذا ننتظر من أناسٍ؛ لم يتورعوا عن هدم المقابر نفسها.
ليس لهذا معنى، غير أنهم لا يكنون الاحترام إلا لتماثيل قتلة أمثالهم.
ما الذي يجب عليَّ قوله لتلك الحشود في ظروف كتلك؟ 
كيف يمكنني إيقافهم؟
في الحقيقة، لا أعلم..
أعرف جيدًا ما يجب عليَّ كتابته.
ولكني  لا أستطيع أن أخطه على الورق..
أود أن أعاود الكرَّة مرة أخرى؛ لأرى إن كان بإمكاني أن أكتب ما وددت كتابته أم لا.
سأحاول أن أفعل هذا كل يوم جمعة.
سأحاول. ربما أرجأت كتاباتي تلك قدوم ذلك اليوم الأسود الذي نخشاه جميعاً.
لا تزال لدي كلمات يمكنني كتابتها..

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ifade-ozgurlugu/tekrar-yazacagim