أحوال تركية
مارس 22 2018

قاضٍ تركي بالمحكمة الأوروبية يقول الدولة أهم من حقوق المواطن

قال القاضي الوحيد الذي لم يدعم قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن محاكمة الأكاديمي والمعلق محمد ألتان والصحفي شاهين ألباي إن بقاء الدولة له الأولوية على حقوق الأفراد.
وقالت المحكمة في قرارها إن تركيا انتهكت حقوق وحريات الرجلين وألزمت الحكومة التركية بدفع تعويض قدره 21500 يورو.
وكان أرجين أرجول، وهو القاضي التركي الوحيد في اللجنة المؤلفة من سبعة أفراد وتعينها الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي، الصوت الوحيد المخالف في حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي صدر قبل أيام.
وقضت محكمة تركية على ألتان بثلاث عقوبات سجن مؤبد في 16 فبراير بتهمة "السعي للإطاحة بالنظام الدستوري بالقوة". ويخضع ألباي للإقامة الجبرية وغير مسموح له بمغادرة تركيا بينما لا تزال محاكمته جارية. 
ويواجه ألباي تهم مشابهة بالتورط في أنشطة إرهابية. ومن التهم الموجهة للرجلين الانتماء إلى الذراع الإعلامي لحركة فتح الله غولن التي تتهمها أنقرة بتدبير الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016.
وجاء في حكم المحكمة الأوروبية أن تركيا انتهكت حقوق ألتان وألباي في الحرية والأمن وحقهما في حرية التعبير، لكن القاضي التركي أرجول اختلف مع باقي أعضاء هيئة المحكمة ليصدر الحكم بالأغلبية.
وعينت الحكومة التركية أرجول، وهو خبير في قانون الإدارة العامة، في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أساس مؤقت في فبراير حين سمحت المحكمة لأنقرة بالقيام بذلك في هذه الحالة بالتحديد بعد تنحية قاضٍ تركي آخر وهو  إشيل كراكاش من القضية.
ولقي تعيين أرجول انتقادات باعتباره خرقا لحيادية المحكمة حيث أنه لا يزال يعمل وكيلا بوزارة العدل التركية. كما جرى تعيينه مفوضا على شركة "كوزا ألتين" التي صادرتها الحكومة التركية للاشتباه بصلاتها بحركة غولن.
يعكس رأي أرجول المخالف، الذي أدرج في حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، رؤية حقوق الإنسان من منظور الدولة. 
وتؤيد هذه الرؤية تقييم انتهاكات حقوق الإنسان بشكل مختلف في ضوء الظروف الصعبة مثل محاولات الانقلاب أو وجود تهديدات ضد الدولة.
وبإشارته المطولة إلى محاولة الانقلاب التي قتل فيها نحو 240 شخصا، استشهد أرجول بتمهيد أحد قوانين المجلس الأوروبي الذي يقول "إن السعي للسلام على أساس العدالة والتعاون الدولي أمر حيوي في الحفاظ على المجتمع الإنساني والحضارة".
ثم أشار أرجول إلى المؤرخ العربي ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر.
قال أرجول "إن ابن خلدون وهو مفكر عظيم وعالم في القانون وفيلسوف ومؤرخ وعالم في علم الاجتماع ومؤسس علم الحضارة (العمران) يشرح في رائعته (مقدمة ابن خلدون) أن ’المرء لا يستطيع أن يتخيل (دولة) بدون حضارة، وحضارة بدون (دولة أو) سلطة أمر مستحيل، وإن انتهاكات حقوق الإنسان (أو المظالم) تدمر الحضارة وإن تدمير الحضارة يؤدي إلى دمار كامل للدولة".

قاعة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
قاعة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

وقال أرجول إنه يوجد تشابه مدهش بين رؤية ابن خلدون ورؤية المجلس الأوروبي لكنه لم يشرح كيف وصل إلى هذا الاستنتاج.
وقال القاضي التركي "هذه الكلمات والمبادئ تحتل أهمية تامة خلال حالة طوارئ عقب محاولة انقلاب عسكري...معظم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان تحدث على الأرجح خلال فترات كهذه".
أثنى أرجول بعد ذلك على الشعب التركي الذي خرج إلى الشوارع لإحباط محاولة الانقلاب ولإظهاره "كيف يمكن لشعب أن يحافظ على الديمقراطية وحكم القانون والحضارة ويتحكم في مصيره".
ودافع أرجول عن تصرفات تركيا بعد الانقلاب الفاشل وقال إنها مبررة، وفقا لوجهة نظر ابن خلدون، فإن الانقلاب كان من شأنه لو نجح أن يؤدي إلى تدمير الدولة وربما تدمير الحضارة.
وقدمت تركيا إخطارا بالاستثناء المؤقت من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان بعد أيام من محاولة الانقلاب وإعلان حالة الطوارئ.
وقال أرجول "إن الشكاوى المقدمة لا تخص الحقوق التي لا يسمح بقبول الاستثناء فيها".
وأوضح أن تناسب الإجراءات التي اتخذت في سياق هذا الاستثناء ضمنت القيام "بمراجعة متمعنة في ضوء وجود تهديد على حياة الأمة وحكم القانون والديمقراطية والنظام الدستوري وحقوق الإنسان في تركيا".
وقال أرجول "إن ضرورات الموقف الطارئ العام الذي يتهدد حياة الأمة" ينبغي أن يكون له الأولوية عند تقييم الحالات المرتبطة بانتهاك الحقوق عقب محاولة الانقلاب.
وفيما يخص حركة غولن التي شجعت وساعدت خريجين من مدارسها وجامعاتها العديدة على تبوّئ مواقع في الحكومة والقضاء والجيش والإعلام، قال أرجول إن قضيتي ألتان وألباي معقدتان للغاية بسبب الدور الكبير للذراع الإعلامي لحركة غولن "في إخفاء الأنشطة غير المشروعة للحركة وفي إضفاء الشرعية على التصرفات التي أتاحت المجال لحدوث محاولة الانقلاب العسكري الخسيسة".
ولذلك ففي حالتي ألتان وألباي فإن "الإجراءات التي اتخذت كانت ضرورية للغاية وفقا لمقتضيات الموقف".
وفي تقرير بعنوان تركيا 2018، قالت منظمة فريدم هاوس الأهلية التي يقع مقرها بالولايات المتحدة إنه بنهاية 2017، كانت السلطات التركية قد ألقت القبض على 60 ألف شخص وأوقفت عن العمل أو عزلت 110 ألفا آخرين من القطاع العام وأغلقت أيضا 150 منفذا إعلاميا وفقا لصلاحيات حالة الطوارئ.
وتقول لجنة حماية الصحفيين التي يقع مقرها في مدينة نيويورك الأميركية إن 73 صحفيا يقبعون حاليا في السجون التركية حتى ديسمبر الماضي.

ووضع "مشروع العدالة العالمية"، وهي منظمة يقع مقرها في الولايات المتحدة، تركيا في المركز الواحد بعد المئة من بين 113 دولة على مؤشر حكم القانون 2017/2018.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: