جنكيز أكتار
مارس 07 2018

قبرص واليونان وتركيا.. حان الوقت لدحض الخرافات!

تقف تركيا اليوم في خضم حرب كلامية تصاعدت حدتها حتى وصلت إلى مواجهات بحرية في بحر إيجة وقبالة قبرص، وهو الأمر الذي يتطلب منا إجراء مراجعة جديدة بالنسبة لسياسة تركيا ناحية جيرانها ولمسؤولياتها تجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
فلغة الخطاب العنيفة والأفعال العدائية الصادرة من أنقرة هي انعكاس مباشر لخياراتها في السياسة الخارجية، حتى لو كان القصد من هذه الخيارات هو تأجيج النزعة القومية في الداخل قبل انتخابات العام المقبل. ولكن سواء كانت هناك انتخابات أم لا، فإن الحكام في أنقرة قد اختاروا عدم الاكتراث كثيرا بالتحالفات والشراكات السابقة، ناهيك عن المسؤوليات المنبثقة عنها. وعوضا عن ذلك، قرروا اتخاذ إجراءات أحادية الجانب وسط ظروف دولية صعبة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، مستندين إلى شعور بالثقة المفرطة والاطمئنان إزاء سياسة الاسترضاء والمسايرة من جانب الغرب إضافة إلى الغزل والتودد المتبادل مع روسيا. ويبدو أن الحكومة التركية عازمة الآن على الاستفادة الكاملة من الموقع الجغرافي للبلد لأخذ حصة من احتياطيات الوقود الأحفوري التي يُعتقد أنها راقدة في قاع بحر إيجة وقبالة قبرص. فنهم تركيا إلى الطاقة هو أحد أهم العوامل المحركة لسياساتها.
لكن دعونا نقيم بإيجاز موقف الغرب تجاه تركيا. فالقادة الغربيون حريصون على التمسك بالرئيس رجب طيب أردوغان لأربعة أسباب رئيسية: الاستمرار في بيع السلع لتركيا، ولا سيما الأسلحة، والاستمرار في تقديم العطاءات للمشاريع الهندسية المربحة التي تفتقر الشركات التركية إلى الخبرة لتنفيذها؛ وإبقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي لتفادي دفعها إلى أحضان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ ومكافأة أردوغان على تخليه عن عضوية الاتحاد الأوروبي؛ وضمان استمرار تركيا في منع تدفق اللاجئين والمهاجرين والجهاديين السابقين إلى أوروبا، ولو على المدى القصير على الأقل.
وبالتالي، فإن التصريحات والتقارير الغربية حول ما يتعلق بالشأن التركي تكون دوما عديمة الحيلة ومحكومة بالرقابة الذاتية والحذر المفرط. لكن هذا النهج، بدوره، يشجع أنقرة باستمرار على التمادي وتصعيد لهجة خطابها العدائية. وآخر الأمثلة على ذلك هو تجنب إدانة الهجوم التركي على جيب عفرين الكردي في شمال سوريا، فضلا عن التهديدات التركية ضد قبرص واليونان.
وفي ضوء هذه الظروف، لا يسع المرء سوى أن يلجأ إلى إعادة تقييم الخيارات المتاحة فيما يتعلق بسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا، ولا سيما تلك التي تعتبر من الثوابت والمسلمات. وسأستعرض بإيجاز اثنين من هذه الأساطير السياسية: نفوذ أوروبا المستمد من فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ونفوذ تركيا القائم على محادثات إعادة توحيد قبرص.
فيما يتعلق بالأسطورة الأولى، جميعنا يعلم أن فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أصبحت في حكم الميتة، وحتى انقضاء فترة الوضع الحالي لتركيا باعتبارها "بلدا مرشحا للانضمام"، وهو ما قد يحدث بشكل رسمي في شهر أبريل، سيواصل الجانبان التظاهر بأن الأمور تسير بشكل طبيعي.
لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد من يؤيد منح تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.
وفي تركيا، كشفت دراسة حديثة أن 73 و67 في المئة من الأتراك لديهم وجهات نظر سلبية تجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على التوالي. وفيما ترزح تركيا تحت حكم القبضة الحديدية لأردوغان، تبتعد أكثر وأكثر عن أوروبا وبوتيرة متسارعة، لتسبح عكس تيار استمر لقرنين من الزمان في اتجاه لا يدع مجالا لأي رباط يجمعها بالغرب في المستقبل.
والأهم من ذلك أن انتهاء طلب عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي سيتسبب في إلغاء وهدم إنجازات تطلب بناؤها الكثير من الجهد على مدار السنوات العشرين الماضية، خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية الجيدة مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتعطي لغة الخطاب العنيفة والأفعال العدائية لتركيا في السنوات الأخيرة ضد عدد من دول الاتحاد الأوروبي وسياسيي ومواطني دول الاتحاد الأوروبي إشارات قوية على توجه تركي لنبذ أحلامها الأوروبية.
لكن الالتزامات الواجبة على تركيا تجاه جيرانها والناشئة عن اتفاقات تم توقيعها في إطار طلبها عضوية الاتحاد الأوروبي لا تقتصر فقط على العلاقات الدبلوماسية. فهناك اليوم مشروعان للبنية التحتية في تركيا لهما تأثير مباشر على بلدان الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم أنه كان من المفترض أن يجري تقييم لأثرهما المتوقع، يستمر العمل فيهما دون توقف حتى مع عدم تنفيذ هذا الإجراء. 
المشروع الأول هو محطة أكويو للطاقة النووية التي تقع بالقرب من قبرص في منطقة تنشط فيها الزلازل، والثاني هو ما يسمى بقناة اسطنبول، وهو بمثابة مضيق اصطناعي موازي لمضيق البوسفور، وسبق أن أثار هذا المشروع تحذيرات من المختصين بأنه قد يكون "مميتا" لمنطقة البحر الأسود بأسرها، بما في ذلك الأنهار التي تغذيها.
ومع ذهاب فرص الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أدراج الرياح، تعد الساحة مفتوحة أمام جميع الخيارات. وبطبيعة الحال، وبالنظر إلى ما سبق، لا ينبغي لأحد أن يعتمد على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي و / أو مع حلف شمال الأطلسي لتخفيف حدة التوترات مع جيرانها، ولا سيما قبرص واليونان، أو لدعوة أنقرة لمراعاة مبدأ "المكتسبات المشتركة" فيما يتعلق بحماية البيئة ومنع الكوارث.
ويظل مصدر النفوذ الوحيد للاتحاد الأوروبي أو الغرب بالنسبة لتركيا هو قدرتهما على فرض حظر اقتصادي محتمل إذا ما أقدمت تركيا على غزو أو ضم أراض تابعة لإحدى دول الاتحاد الأوروبي. بخلاف ذلك، أي فعل آخر سترتكبه تركيا سيمر مرور الكرام دون حساب أو رادع من قبل الغرب، إلا إذا تأثرت بلدانه بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الفعل، على سبيل المثال من خلال ما يسمى مشروع "قناة إسطنبول" الذي قد يتسبب في تدمير التوازن البيئي القائم في المنطقة من خلال إفراغ البحر الميت، وبالتالي تهديد منبع نهر الدانوب في ألمانيا.
الافتراض الثاني هو محادثات إعادة توحيد قبرص التي لا تنتهي أبدا. وعلى الرغم من أن إعادة التوحيد هي الحل الأمثل للتغلب على المشاكل القائمة، ينبغي للمرء أن يفهم أنه مع تغير طبيعة النظام الحاكم في أنقرة يبدو هذا الحل أمرا بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى. وهناك سبب بسيط لكنه أساسي وراء ذلك، وهو أنه لا يمكن لنظام غير ديمقراطي أن يسمح أبدا بتطبيق حل ديمقراطي، مثل إقامة نظام فدرالي على سبيل المثال!
وأخيرا يجب ألا ننسى أبدا أن فلسفة نظام أردوغان قائمة بالكامل على سياسة القوة، تماما مثل روسيا، النموذج الذي يقتدي به أردوغان. ولذلك، فإن الحكومة التركية على استعداد إلى اللجوء إلى الابتزاز والتهديدات واستعراض القوة والخروج على القانون داخل البلاد وخارجها طالما باستطاعتها ذلك.
وبالطبع، فإن هذه القوة المبالغ فيها قد تؤدي إلى آثار عكسية على المدى الطويل، لكنها على المدى القصير ستخل بالوضع الراهن للعلاقات بين تركيا وجيرانها وستؤدي إلى أضرار لا يعلم مداها إلا الله، كما هو الحال في عفرين اليوم أو واقعة أخذ اثنين من حرس الحدود اليونانيين كرهائن في تراقيا أو الموقف الصدامي قبالة قبرص بشأن حقوق التنقيب عن الوقود الأحفوري.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: