جنكيز أكتار
سبتمبر 12 2018

قتلُ القتل.. تدمير الأدلة في حالات الاختفاء القسري

من أجل كل من اختفوا ومن أجل أحبائهم الذين لا يزالون مستمرين في رحلة البحث عنهم، كتب الفليسوف مارك نيشانيان في ختام كتابه الرائع (الانحراف التاريخي الجغرافي - الصادر عن مطبعة جامعة كولومبيا عام 2009 – الصفحة 123) يقول "منذ البداية، بل حتى قبل البداية، والقاتل موجود، يواجهني ويقول لي: أثبت نفسك! أثبت نفسك إن استطعت! وظللت أنا – على مدى 90 عاما – أسعى وأحاول لإثباتها. تسعون عاما كاملة، والحقيقة واضحة جلية، ولذا، أقف دائما بشموخ وأحاول إثبات ذاتي، بنفسي، بشهادتي أنا.. متصديا لتحذيرات الجلاد. ففي النهاية هذا هو ما أراده، أليس كذلك؟"

حين لا تتوفر قبور، يصبح على المرء أن يثبت حدوث تطهير عرقي. والأهم من هذا، أن تدمير الأدلة أصبح من الخصائص المصاحبة للتطهير العرقي، فمثل هذه المذابح المنظمة لا تكتفي بقتل البشر، بل تقتل جريمة القتل نفسه.

هذه الحالة من الإنكار الكامل منطقية تماما بشكل يتجاوز تعبيرا شائعا في تركيا يقول "لا يكف الأرمن عن محاولة إثبات أنهم قتلوا هنا."

بتدمير الأدلة، يتحول أفظع الأحداث في التاريخ إلى "لا شيء حدث." بمعنى آخر، فإن التطهير العرقي هو تدمير السجلات، بدعم من انحراف تاريخي جغرافي.

المذابح عمل تقليدي في هذه الأرض. فهذا البلد ليس سوى أرض بلا قبور، أو لنقل أرضا لموتى لا تتوفر أدلة على قتلهم.

حدث هذا كثيرا لدرجة أن قبور الأرمن قبل مذابح التطهير العرقي تلك وأسلافهم من اليونانيين الذين طردوا من هذا البلد قد دُمرت.

أمر نتيجته ببساطة أن أحدا لا يمكنه أن يدرك أن شيئا كهذا قد حدث هنا.

يتذكر المراسل الصحفي برزان شريف هان أوغلو قائلا "هناك اليوم مبان حكومية في بيتليس شُيدت على ثلاث أو أربع مقابر للأرمن. على إحداها، هناك مركز تعليمي حكومي."

فوق مبنى آخر منها، وبعد أن استُخدمت الكنيسة الموجودة بالمقبرة كسجن لعدد كبير من السنوات، تم تدميرها، وأقامت البلدية مكانها مدرسة إعدادية. هناك أيضا المقبرة الأرمنية في منطقة شاكبور التاريخية والتي هُدمت بشكل كامل لتقام مكانها مدرسة ثانوية دينية لا تبعد سوى ببضع مئات من الأمتار عن آثار دمار مماثلة."

كان أدولف هتلر واحدا من أبشع قتلة القتلة في التاريخ الحديث. في عام 1941، أصدر مرسوما أطلق عليه "ناخت أوند نيبل" أي "الليل والضباب". 

لعل في هذا المرسوم مثالا ممتازا لاستراتيجية الرعب القائمة على إخفاء أشخاص غير مرغوب فيهم دون ترك أي أثر.

أما أقارب هؤلاء المفقودين، فلم يكونوا ليجرؤوا على العصيان بسبب الخوف من فقدان آخر أمل لديهم، فلعل قريبهم/ قريبتهم على تزال على قيد الحياة. وهو أمر جائز على أي حال."

وقعت أحداث مماثلة في بلدان أميركا اللاتينية ومؤخرا في تركيا. فعمليات الإخفاء القسري في أميركا اللاتينية لم تكن فقط تستخدم من قبل الدكتاتوريات العسكرية، بل هي استراتيجية لجأت إليها حتى حكومات منتخبة.

دكتاتور الأرجنتين خورخي رفائيل فيديلا الذي حكم البلاد بين عامي 1976 و1981 والذي كان مسؤولا عن اختفاء أكثر من ثلاثين ألف شخص، قال في مؤتمر صحفي إنه لا يمكن أن يتوفر أساس لإجراءات قانونية بخصوص هؤلاء المفقودين بما أنهم "ليس أمواتا ولا أحياء، بل مفقودين."

وهذا صحيح، فالمفقودون مفقودون، لا هم أموات  ولا هم أحياء.

العدد الرسمي للمفقودين في المكسيك خلال فترة رئاسة فيليبي كالديرون للبلاد بين عامي 2006 و2012 هو 26 ألفا و121 شخصا.

يقر خلفُه، الرئيس بينا نيتو، بأن عدد المواطنين المكسيكيين الذين اختفوا خلال السنوات العشر الماضية يتجاوز بكثير 32 ألفا.

على سبيل المثال، هناك القضية الشهيرة للطلاب الثلاثة والأربعين الذين اختفوا عام 2014. فقد اختفوا ولم يعثر لهم على أثر. فقط اختفوا.

من يعارضون أعمال التنقيب عن الذهب والحديد والنفط في أميركا اللاتينية يواجهون أيضا خطر الاختفاء.

من يعرقلون عمليات التنقيب؛ الفلاحون من ملاك الأراضي التي تضعها شركات التعدين نصب أعينها، الصحفيزن الذين ينشرون إساءات تلك الشركات، بل وحتى الأفراد ممن يتصادف وجودهم هناك، مجرد المصادفة، كلهم يختفون.

يُعتقد أن عدد من اختفوا في تركيا منذ فُقد الكاتب صباح الدين علي في عام 1948 بعشرات الآلاف.

هناك نحو 17 ألف جريمة قتل لم يتم التعرف على مرتكبيها. وتعد السلطات التركية كذلك مسؤولة عن اختفاء نحو ألف من القبارصة اليونانيين، الذين اختفوا خلال الاحتلال التركي لقبرص في يوليو من عام 1974.

يضرب المحتجون في أميركا اللاتينية المثل في التظاهر ضد عمليات الاختفاء. ولعبت "رابطة أمهات بلازا دي مايو" دورا ملهما في تنظيم مظاهرات واحتجاجات في بلدان أخرى.

بدأت أمهات المفقودين في الأرجنتين في التجمع في ساحة بلازا دي مايو في العاصمة بوينس أيرس، أمام القصر الرئاسي كاسا روسادا في عام 1977.

احتجت النسوة على اختفاء عشرات الآلاف من البشر خلال حقبة حكم الديكتاتورية العسكرية بين عامي 1976 و1983.

على مدى ربع قرن بعدها، كل يوم خميس، تجمعت النسوة في هذه الساحة الشهيرة ببوينس أسرس للاحتجاج سلميا.

وحتى بعد أن تخلى العسكريون عن الحكم لحكومة مدنية عام 1983، لم تتخل الأمهات عن الحملة التي بدأنها وواصلن الضغط من أجل الحصول على مزيد من المعلومات عن ذويهم المفقودين.

ونجحن في النهاية من خلال الضغط في إحالة بعض المسؤولين العسكريين، كثير منهم من أصحاب رتب كبيرة، إلى المحاكمة حيث صدرت بحقهم أحكام في قضايا الاختفاء.

لقد جذبت جهود أمهات المفقودين في أميركا اللاتينية والأرجنتين اهتمام العالم لمشكلة الاختفاء القسري.

واليوم، هناك قناتان غير حكوميتين تضطلعان بمهمة التعامل مع المشكلة.

المنظمة الأولى هي "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري"، والتي تبنتها الأمم المتحدة عام 2006 وبدأ تطبيقها عام 2010.

والثانية هي "الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي" وهي مجموعة تابعة للأمم المتحدة تم تنظيمها في إطار المفوضية السامية لحقوق الإنسان في عام 1980.

هناك قناة ثالثة هي "اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري" الذي يحتفل به في الثلاثين من أغسطس كل عام، ويهدف إلى مناشدة المجتمع الدولي وزيادة الوعي بالقضية.

تعد تركيا من الدول المعروفة بممارستها لعمليات الاختفاء القسري في العالم ومن الطبيعي ألا تكون من الموقعين على "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري."

أظهرت الحكومة التركية كذلك ازدراءها "اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري" في الثلاثين من أغسطس بقرارها منع احتجاجات رابعة أمهات السبت في نفس ذلك الأسبوع.

كان للفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة زيارة أولى ووحيدة إلى تركيا في سبتمبر عام 1998. ويعني هذا ببساطة أن حزب العدالة والتنمية، الذي يحكم البلاد منذ عام 2002، قد رفض أي طلبات لهذا الفريق.

وإلى الآن، ورغم مرور عشرين عاما، فإن ملاحظات الفريق الأممي في زيارته لا تزال قابلة للتطبيق.

تتعاون "رابطة أمهات بلازا دي مايو" أيضا مع "التحالف الدولي ضد الاختفاء القسري"، الذي يضم روابط أسر المختفين.

هناك كذلك منظمات أخرى من منظمات المجتمع المدني التي تتميز بنشاط كبير من أجل إبقاء القضية حيّة في أجندة العمل الدولية.

ليس غريبا أن أي حكومة تركية تسير بشكل كامل على طريق الحكم السلطوي لن ترد أو حتى تتحمل المناشدات السلمية لأي مجموعة مثل رابطة أمهات السبت من أجل البحث عن ذويهن. فلقد عرف التاريخ دوما رفض الدولة للحساب والمساءلة. 

لم يكن اختفاء المفقودين من قبيل المصادفة، لكن طالما لا يتوفر دليل يؤكد الموت، فلا أحد يمكن مساءلته في هذه الجريمة.

يجعل الوضع الراهن من الاحتجاج أمرا لا يمكن للسلطات تحمله أيضا، بما أن أكثر مواقف الرفض للنظم السلطوية فعالية هو العصيان المدني السلمي.

لقد كان بالإمكان أن تتحول احتجاجات رابطة أمهات السبت إلى سابقة مقنعة على الطريق. لكن النظام اختار حظرها.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/murdering-murder