غوكهان باجيك
أغسطس 16 2018

قراءة خاطئة لتركيا: وعد "نظرية الاختيار العقلاني" الزائف

تزداد الأزمة الاقتصادية في تركيا سوءًا، وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثير من الخبراء المحليين والدوليين أخطؤوا في قراءة أزمة تركيا، مما نتج عن ذلك توقعات خاطئة عن قرارات محتملة للأطراف السياسية الفاعلة في البلاد. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى قضية القس الأميركي أندرو برانسون مرة أخرى.

وتوقع الكثير من المحللين، بمن فيهم أولئك الذين يعملون في شركات دولية رفيعة، أن يتوصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تسوية مع الولايات المتحدة وألا يخاطر باقتصاد بلاده الهش.

لكن ليس هذا ما حدث فقد رفض أردوغان التوصل إلى تسوية.

وكما كشفت قضية برانسون مرة أخرى، فإن السبب في تضليل المحللين المحليين والدوليين بشأن تركيا هو تركيزهم على نظرية الاختيار العقلاني.

وثمة أداة تحليلية رئيسة مرفقة مع هذه النظرية تتمثل في أن الخبراء دائمًا ما قاموا بحساب تصرف الأطراف السياسية في تركيا بطرق محددة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الإخلاص الذي لا شك فيه لنظرية الاختيار العقلاني غالبًا ما خلق سوء تقدير خطيراً فيما يتعلق بالسياسات التركية.

ولتلخيص الأمر، فإن نظرية الاختيار العقلاني تفترض أن الناس يتخذون قرارات بطريقة طبيعية من أجل تحقيق أعلى منفعة شخصية.

وبالتالي، كان يجب على أردوغان أن يطلق سراح برانسون على الفور حيث إن هذا التصرف كان أفضل قرار محتمل لتأمين المصالح الاقتصادية لتركيا ولأردوغان.

لكن أردوغان رفض الاقتراحات الأميركية حتى على الرغم من إطالة أمد التوتر فيما يتعلق ببرانسون أسفر عن تداعيات خطيرة على الاقتصاد. فقد هوت الليرة التركية إلى مستويات غير مسبوقة.

وربما يمنح أردوغان بعد ذلك الضوء الأخضر لإطلاق سراح برانسون، لكن الدروس المستفادة حتى الآن من هذه القضية تكشف كيف ضللهم تركيز الخبراء على نظرية الاختيار العقلاني بشأن السياسات التركية. ومما لا شك فيه، فإن نظرية الاختيار العقلاني تعد منهجًا مهمًا، لكن تبني هذه النظرية كإطار عمل تحليلي فقط يسفر عن حسابات مختزلة خطيرة.

ولنتذكر كيف تسببت الحسابات الخاطئة للتحليلات الاقتصادية في خسائر مالية كبيرة في الأزمة المالية التي شهدتها اليونان. فقد خسرت شركات عالمية تسترشد بمحللين ذوي تعليم جيد مليارات الدولارات. 

ويمكن الآن إجراء مقارنة بين الحالة التركية والحالة اليونانية. فقد فشل الكثير من المحللين ذوي التعليم الجيد في قراءة السياسات التركية، ويمكن أن يسفر هذا أيضًا عن خسائر مالية ضخمة للشركات التي استثمرت في تركيا.

وتحت تأثير نظرية الاختيار العقلاني، فإن المحللين يتوقعون أن الأطراف السياسية الفاعلة في تركيا ستتخذ قراراتها دائمًا بناء على مصالح اقتصادية.

فعلى سبيل المثال، فإن توقعات مثل "تركيا لن تفرض أبدًا ضوابط على رؤوس الأموال" أو "إن تركيا لن تنفصل أبدًا عن الغرب" هي أمثلة نمطية لنظرية الخيار العقلاني هذه والمبنية على قراءات.

لكن الاختيار العقلاني المبني على تحليل السياسات التركية مضلل بناء على لسببين:

بادئ ذي بدء، فإن الأطراف السياسة قد تجعل من العوامل الأيديولوجية أو الاقتصادية أولوية عند اتخاذ قرارات لم يتنبأ بها على الإطلاق نموذج نظرية الاختيار العقلاني الغربي المعياري.

فعلى سبيل المثال، في تركيا، فإن الأطراف السياسية قد تقرر تماشيًا مع تفضيلاتها الأيديولوجية حتى إن كانت قراراتهم يمكن أن تتسبب في أن يتكبدوا تكاليف اقتصادية خطيرة.

ومن ثم، فمن الواضح أن الكثير من المحللين الأتراك فشلوا في دمج المعايير الأيديولوجية والاجتماعية خلال تقييم هذا البلد، مما يسفر في العادة عن تنبؤات اختزالية وخاطئة عن السياسات التركية.

وللإشارة إلى مثل جديد، فلننظر في خطاب أردوغان في بايبورت الأسبوع الماضي عندما توقع الكثير من المحللين أن أردوغان سيحاول تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة ومساعدة الاقتصاد. 

لكن أردوغان واصل لهجته الطنانة الفظة فيما يتعلق بالولايات المتحدة والأمور الاقتصادية التي تسببت في مزيد من التدهور للعملة التركية، وبكل معايير نظرية الاختيار العقلاني، فإن خطاب أردوغان في بايبورت كان سلوكًا "غير عقلاني".

لكن، من الناحية الأخرى، فإن الخطاب الذي ألقاه أردوغان في بايبورت يعد حالة نموذجية لكيفية قيام الزعيم السياسي بجعل الأيديولوجية أولوية على المصالح الاقتصادية.

وثانيا، فإن العقلانية والمصلحة مصطلحان متعارضان.

ولنعد إلى قضية برانسون مرة أخرى. فطبقا لنظرية الاختيار العقلاني، فإن السيناريو المتوقع بالنسبة لأردوغان هو التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة.

لكن ما يعتقد أردوغان أنه عقلاني وفي صالحه، قد يكون مختلفاً تمامًا. وقد تكون إطالة أمد قضية برانسون والتوترات مع الولايات المتحدة فرصة مثالية بالنسبة لأردوغان لشرح الأزمة الاقتصادية الآخذة في التفاقم في تركيا لأنصاره.

ولعمل هذا، سيكون أردوغان قادرًا على شرح أن الأزمة الاقتصادية نتيجة هجوم إمبريالي من قوى الغرب مثل الولايات المتحدة.

وقد تؤدي الأزمة المستمرة مع الولايات المتحدة إلى مساعدة أردوغان في قمع المعارضة خلال معالجته للاقتصاد. وسيصمهم أردوغان سريعًا بأنهم يتعاونون مع الإمبرياليين مثل الولايات المتحدة.

ومما يثير السخرية، فإن ما نعرفه بأنه عقلاني ربما يكون الخيار الأكثر عقلانية بالنسبة لأردوغان في تأمين بقائه السياسي.

ومع تعلمنا من قضايا مثل إيران، وفنزويلا، والمجر، فإن فهم الأطراف السياسية للعقلانية قد يختلف تمامًا عندما يعانون من خطر الانفصال عن النظام باسم البقاء السياسي لأنظمتهم الحاكمة.

وما تزال تركيا تُعد جزءًا من النظام الغربي، لكن أردوغان زعيم سياسي يمكنه أن يخاطر بالانفصال عن الغرب إذا ما اعتقد أنه في حاجة لعمل ذلك من أجل البقاء.

وحتى الآن فإن قضية أردوغان لم تعد عن مصير أحد السياسيين. فأردوغان حاليًا هو زعيم لنظام إسلامي ناشئ خلفه. وإضفاء الشرعية على نظامه الجديد يعد مهمة أساسية بالنسبة للحياة السياسية لأردوغان. ومثل هذه المهمة ستجعل أردوغان يضع في اعتباره دائمًا المخاوف الأيديولوجية كمعايير مهمة في عملية صنع القرار. 


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/misreading-turkey-false-promise-rational-choice-theory
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.