قرابة 500 مليار دولار ديون خارجية تغرق تركيا بأعباء إضافية

إسطنبول - تشكل الديون الخارجية المتراكمة على تركيا عبئاً كبيراً على الاقتصاد التركي الذي يمر بأخطر أزمة منذ سنوات، وذلك في غياب سياسات اقتصادية علمية وموضوعية واضحة تواجه بها حكومة أردوغان أزمتها، وتحاول تخفيف آثارها الخطيرة على البلاد. 

وقد غرقت تركيا في أزمة مالية، فبعد سنوات من التدهور، انهارت قيمة الليرة التركية على خلفية توترات مع الولايات المتحدة وشكوك إزاء السياسة الاقتصادية التي يعتمدها الرئيس رجب طيب أردوغان.

وخسرت العملة التركية حوالي 40% من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام. 

وتصل ديون الشركات التركية إلى أكثر من تريليون ليرة في هيئة قروض طويلة الأجل بالعملة الأجنبية، بعد تراجع العملة المحلية لمستوى قياسي جديد أمام الدولار هذا الأسبوع.

وترتفع تكلفة الدين على الشركات التركية في ظل انزلاق الليرة بسرعة هائلة.

وكانت وزارة الخزانة قد أعلنت في 29 يونيو أن إجمالي الدين الخارجي التركي بلغ 466.67 مليار دولار في نهاية مارس 2018، أي ما يعادل 52.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد البالغ 880 مليار دولار.

وذكرت الخزانة أن نصيب القطاع الخاص من الدين الخارجي الإجمالي لتركيا بلغ 69.7 في المئة. 

وكان قرابة 75 في المئة من إجمالي الدين الخارجي ديونا طويلة الأجل، أي بآجال تتجاوز العام.

وأظهرت بيانات رسمية أن صافي الدين الخارجي التركي بلغ 303.2 مليار دولار في نهاية الربع الأول من 2018، أي ما يعادل أكثر من 34 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا.

وقالت الخزانة "بالنسبة لربع العام، يتم حساب المعدلات باستخدام الناتج المحلي الإجمالي مقوما بالدولار الأميركي على أساس المتوسط المتحرك في أربعة أرباع".

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لتركيا في الفترة من أبريل 2017 حتى مارس 2018 أي الأرباع السنوية الأربعة الماضية 882.16 مليار دولار.

واستدانت الشركات التركية نحو 190 مليار دولار في عام 2016 ما دفع شركات التصنيف الائتمائي والمحللين لتوجيه تحذيرات شديدة بشأن تعرض الشركات لمخاطر ترتبط بالعملة الأجنبية.

ومن بعض الديون الخارجية لتركيا: إسبانيا 83 مليار دولار، فرنسا 38 مليار دولار، بريطانيا 19 مليار دولار، الولايات المتحدة 18 مليار دولار، إيطاليا 17 مليار دولار، اليابان 14 مليار دولار. 

لكن الليرة كانت تساوي نحو 3 مقابل الدولار الواحد قبل عامين، وهو ما يعني أن الديون كان تتكلف "مجرد" 570 مليار ليرة بالعملة المحلية. في حين أن هذه النسبة تضاعفت الآن مع تجاوز الليرة عتبة الـ6 ليرات مقابل الدولار. 

ووصل التضخم في تركيا إلى 10.9 في المئة وهو أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط النسبة في الأسواق الناشئة. 

وقد انتشرت مؤخراً تقارير عن تقدم شركات تركية كبيرة بطلبات للحماية من الدائنين بعد هبوط الليرة لمستوى منخفض جديد أمام الدولار.

وتأتي المتاعب الجديدة للشركات التركية في الوقت الذي حذر فيه صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد التركي البالغ قيمته 880 مليار دولار يواجه خطر فرط التضخم.

القروض المتأخرة أصبحت المشكلة الرئيسة التي يعاني منها القطاع المصرفي التركي.
القروض المتأخرة أصبحت المشكلة الرئيسة التي يعاني منها القطاع المصرفي التركي.

وقال إينان دمير الخبير الاقتصادي في مؤسسة نومورا في وقت سابق لموقع أحوال تركية إن "معظم البنوك والشركات تحتاج إلى ترحيل آجال استحقاق كميات كبيرة من الديون الخارجية.. قد يزداد قلق الدائنين ولذلك ربما نجد أنفسنا في دائرة مفرغة يؤدي فيها ضعف الليرة إلى اضطرابات في ميزانيات القطاع الخاص، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تباطؤ في الإقراض الأجنبي مما سيزيد من ضعف الليرة". 

واضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة بواقع 425 نقطة أساس إلى 17.25 بالمئة في مناسبتين منفصلتين خلال مايو ويونيو بعدما تسببت تصريحات أردوغان عن أسعار الفائدة في تراجع الليرة لمستوى منخفض قياسي أمام الدولار. 

كما لجأ البنك المركزي في قبل أيام بتكتم إلى آلية تتيح له رفع المعدل كل يوم بيومه بحكم الأمر الواقع، ويرى خبراء أن هذه الوسيلة الملتوية "عززت القلق من أن (البنك المركزي) يخشى من غضب" الحكومة.

ويشير محللون اقتصاديون إلى أن القروض المتأخرة أصبحت المشكلة الرئيسة التي يعاني منها القطاع المصرفي التركي في الوقت الحالي؛ خاصة مع ارتفاع حجم هذه الديون متأثرة بسعر صرف الدولار، الذي ارتفع هو الآخر أمام الليرة التركية، ما اضطر تركيا إلى البحث عن مصادر خارجية بديلة للاقتراض منها؛ لأن أكثر من 500 مليار دولار من القروض، التي حصلت عليها، قد مُنحت للقطاع الخاص وللمستهلكين في شكل قروض. 

وبنهاية يونيو اقتربت الديون المستحقة، وتلك التي اقترب موعد استحقاقها، وكذلك الديون المؤجلة إلى نسبة 14%؛ لتصل حالياً إلى ما يوازي كامل الموارد الذاتية. 

وخفّضت وكالات التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" و"موديز" تصنيف ملاءة تركيا (أي أهليتها للحصول على قروض وقدرتها على تسديدها). وقد أعربت "ستاندرد أند بورز" عن استيائها جراء غياب خطة "موثوقة" لأنقرة في وجه الاضطرابات الحالية.

ويتساءل الاقتصاديون عن قدرة أردوغان على مواجهة الأزمة الحالية، خصوصاً بعد تعيين صهره بيرات البيرق، حديث العهد بالسياسة وزيرا للمالية في يوليو.

أكد البيرق من جهته أنه سيحارب التضخم وسيفرض تدابير تقشف مالي صارمة. إلا أن الأسواق تنتظر أفعالا.

هل ستلجأ تركيا إلى صندوق النقد الدولي؟ سؤال يُطرح حالياً في الدوائر الاقتصادية، غير أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي يفترض أن يتنازل أردوغان، الذي يتفاخر بأنه "سدد ديون" بلاده، عن كبريائه وأن توافق واشنطن التي تتمتع بنفوذ قوي في هذا الصندوق.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.