قرار مصيري بانتظار الجنود الأتراك باليونان!

 

ستكشف لنا الأسابيع المقبلة  مصير الجنود الأتراك الثمانية، الذين فروا من تركيا إلى اليونان، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016؛ ليشكلوا حلقةً جديدة من حلقات العلاقات المتأزمة بين البلدين.
كان ثمانية من الجنود الأتراك، برتب مختلفة، قد فروا بطائرة هليكوبتر إلى اليونان عشية محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وانتهى بهم المطاف إلى الهبوط اضطرارياً في مدينة اليكسانروبوليس بشمال اليونان. وعلى الفور، تقدم هؤلاء الجنود بطلب رسمي إلى السلطات اليونانية؛ طالبوا فيه بالحصول على حق اللجوء السياسي إلى اليونان.
وعلى الرغم من أن تصريحات المسئولين في الحكومة اليونانية التي صدرت في ذات اليوم جاءت باتجاه أنهم سيعيدون هؤلاء الجنود إلى تركيا خلال فترة تتراوح بين 15-20 يوماً، مبررين ذلك بأنهم "لن يستضيفوا الانقلابيين على أرض اليونان"، إلا أنه ما لبثت هذه الوعود أن تبخرت مع الدخول في تعقيدات قانونية؛ بدأت أولى حلقاتها مع تقدّم هؤلاء الجنود بطلب لجوء سياسي إلى اليونان.
وقد أحدث قرار سابق لمجلس شورى الدولة اليوناني؛ برفض تسليم ثلاثة عسكريين أتراك آخرين إلى تركيا، تأثيراً سلبياً على العلاقة بين البلدين، ووضعت الحكومة اليونانية في موقف صعب حينها.
ودافع مجلس شورى الدولة اليوناني عن قراره برفض إعادة الجنود الأتراك إلى تركيا حينها بقوله "لا توجد ثمة ضمانات تكفل لهؤلاء الحصول على محاكمة عادلة إذا تمت إعادتهم إلى تركيا"، وأضاف "كما أنّ حياتهم ستصبح معرضة للخطر في حالة إعادتهم إلى بلدهم".
تنحصر مهمة مجلس الشورى اليوناني في اتخاذ القرار بالسماح بعودة الجنود إلى بلدهم من عدمه؛ إذ لم يكن من صميم عمله البحث عما إذا كان هؤلاء قد شاركوا في محاولة الانقلاب الفاشلة أم لا.
أما الحكومة اليونانية، فلم تقف بمنأى عن قرارات مجلس الشورى، احتراماً لمبدأ "الفصل بين السلطات".
وبصدور قرار مجلس الشورى اليوناني برفض عودة الجنود الأتراك إلى تركيا، بدأت الجولة الثانية حول قانونية طلب اللجوء السياسي وفق معاهدة جنيف لحقوق الإنسان.
بدأت لجنة الدرجة الأولى لشئون اللاجئين، التي تتبع في عملها وزارة الداخلية مباشرة، ببحث طلبات اللجوء السياسي المقدمة من قبل الجنود الفارين "الموقوفين" حاليا في اليونان منذ 16 يوليو 2016 بشكل منفصل، وانتهت إلى رفض طلبات اللجوء السياسي لأول اثنين من هؤلاء العسكريين. أعقب ذلك قراراً آخر للجنة الدرجة الثانية لشئون اللاجئين؛ قضت فيه بقبول هذا الطلب. الأمر الذي اعترضت عليه الحكومة اليونانية، ومن ثم قامت بتجميد قرار منح هؤلاء الجنود صفة "اللاجئ"، وعُلِّق العمل به تماماً.
وجاء التعليق على الاعتراض، الذي أطلقته الحكومة اليونانية على لسان الوزارة المختصة بشئون المهاجرين بعبارة "إذا كان الجنود الأتراك قد تورطوا بالفعل في محاولة الانقلاب في تركيا، فلن يحصلوا على حق اللجوء السياسي".
وبعد تعليق العمل بهذا القرار، قامت الحكومة اليونانية بوضع الجنديين "سليمان أوز قيناكجي، وأحمد جوزال" رهن "الإقامة الجبرية"، في مسكنٍ لم يعلن عن عنوانه، مع تكثيف التدابير الأمنية حولهما، واضطرت الحكومة، مع تباين القرارات بين الحكومة ولجنة شئون اللاجئين، إلى نقل الموضوع برمته إلى مجلس شورى الدولة.
تقوم الشرطة اليونانية في القوت الراهن باحتجاز ستة من الجنود الثمانية في أحد المخافر التابعة لها منذ 16 يوليو 2016، ولكنهم قبلوا بالفعل طلبات اللجوء الخاصة بهم. أما الجنديان الأخيران، فوُضعوا رهن الإقامة الجبرية، بعد أن تم تجميد القرار الصادر بحقهما بعد اعتراض الحكومة. ويترقب الجميع الآن القرار الذي سيصدره مجلس الشورى في اليونان، والذي سيعطي القول الفصل في قبول حق اللجوء السياسي للجنود كافة من عدمه.
وفي الإطار نفسه، صرّح وزير العدال اليوناني اندونيس كونتونيس أن السلطات اليونانية لن تجد المبرر القانوني لاستمرار احتجاز العسكريين الأتراك الثمانية، الذين تنتهي مدة احتجاز ستة منهم في نهاية مارس الحالي، وأنها ستخلي سبيلهم ما لم تكن هناك قضايا أخرى تستدعي استمرار حبسهم.
وأضاف كونتونيس أنه ليس من اختصاص مجلس الشورى التطرق إلى موضوع عودة الجنود الأتراك إلى تركيا بإصدار قرار نهائي يرفض عودتهم إلى هناك. 
ومع هذا، إذا تقدمت تركيا بطلبٍ يقضي بتسليم هؤلاء الجنود، الذين تتهمهم بالضلوع في محاولة الانقلاب في 15 يوليو، ففي هذه الحالة ستقوم اليونان باحتجاز الجنود الثمانية مرة أخرى، وستوجه إليهم تهمة "محاولة القيام بانقلاب"، وسيتم محاكمتهم أمام المحاكم اليونانية، على الرغم من أن طرحاً كهذا لن يروق كثيراً لتركيا.
من أجل هذا يترقب الجميع، بانتباه وبحذر شديدين، القرار المنتظر صدوره عن مجلس الشورى في نهاية مايو، أو مع بداية شهر يونيو على أقصى تقدير.  
فإذا قبل مجلس الشورى طلبات اللجوء السياسي، على الرغم من رفض الحكومة اليونانية لذلك، فستضطر الحكومة إلى منح كل واحد من هؤلاء الجنود "هوية لاجئ"، وستستخرج له وثائق السفر، التي تتيح له حرية التنقل والسفر إلى الدولة التي يودّ الذهاب إليها. 
وفي حالة رفض مجلس الشورى طلبات اللجوء، فلن يكون بمقدور هؤلاء العسكريين مغادرة اليونان، أو حتى استقدام أي من ذويهم إلى الأراضي اليونانية. أما اليونان، فستجد نفسها ملزمة بالمحافظة على أمن هؤلاء العسكريين ضد أي مخاطر محتملة يمكن أن يتعرضوا لها مثل "الاختطاف، أو " القتل"، التزاماً منها ﺒ "ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان". 
وفي السياق نفسه تحدث أستاذ القانون، والمؤيد لمنح حق اللجوء السياسي للجنود، نيكوس أليفيزاتوس، قائلاً  "تنص اتفاقية جنيف على مناقشة الاختلاف في وجهات النظر بين الحكومات في موضوعات مثل حقوق الإنسان، وحق اللجوء وتحقيق العدالة، من خلال عدالة مستقلة؛ لا تستطيع الدول والحكومات التدخل فيها. لهذا السبب، كان القرار، الذي سيصدر بشأن طلب الجنود الأتراك حق اللجوء السياسي، أمراً في غاية الأهمية. وإذا تم قبول طلب اللجوء السياسي، فسيحصلون على وثائق السفر التي تمكنهم من الذهاب إلى البلدان التي يرغبون في التوجه إليها؛ وبالتالي ستكون اليونان أيضاً قد تخلصت من هذا العبء الثقيل... ".
وفي ذلك يقول أستاذ القانون الجنائي كريستوس ميلونوبولوس كذلك:
"لن تُقدم السلطات اليونانية على ترحيل الجنود الأتراك الثمانية خارج اليونان في حالة صدور قرار نهائي من مجلس شورى الدولة؛ يقضي برفض إعادتهم إلى تركيا.. ومن ناحية أخرى، فلن يكون بمقدور السلطات أن تمد مدة احتجازهم أكثر من المدة المقررة، التي قاربت بالفعل على نهايتها.. كما أنّ قرار الإفراج عنهم ينطوي على مخاطر كبيرة، خاصة مع احتمال تعرضهم لمخاطر مثل الاختطاف..."
أما فاسيليس بابادوبولوس، أحد محامي اللجنة الدولية للاجئين، فدافع عن وجهة نظره بقوله "لم تقدم تركيا إلى الآن أدلة تثبت تورط الجنود الثمانية في محاولة الانقلاب. لذلك، لا يوجد أي مبرر قانوني لرفض منحهم اللجوء السياسي. أما عن استمرار احتجازهم إلى الآن، فهذا أمر غير قانوني تماماً...".
ويُجمع المحامون، الذين انتُدبوا للدفاع عن الجنود الأتراك، على أن وجود الجنود الثمانية في اليونان سيكون دائماً بمثابة جرح لا يندمل في العلاقات التركية اليونانية. لهذا السبب يتعين على السلطات اليونانية أن تمنحهم هويات اللاجئين، وتضمن لهم الخروج الآمن خارج اليونان بالطرق القانونية السليمة، وذلك باستخراج ما يلزم من وثائق السفر.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: