Tiny Url
http://tinyurl.com/y8qwy2tv
يناير 19 2019

قصة نجاح الفنان الأوبرالي التركي بولنت بَزْدوز وصعوده إلى العالميّة

إنه مشهد رائع..! لقد سدّد الجميع عيونهم وآذانهم نحو مغني "التينور" التركي "بولنت بَزْدوز" وهو يؤدي دور البطولة في أوبرا "لاترافياتا" للمؤلف الموسيقي الإيطالي الشهير جوزيبي فيردي، طوال ساعتين ونصفٍ، بالتشارك مع مغنية "السوبرانو" الفرنسية الشهيرة "باتريشيا بيتيبون" في أحد أكبر مسارح السويد والمصمّم بطريقة فذة والمكوَّن من عدة طوابق.. يرتفع صوته حينًا وفق الدراما التي يؤديها وكأن مجنونًا متمردًا يقود دراجة نارية؛ وينخفض حينًا آخر وكأن عاشقًا يعاني من حالة عجز وضعف ويأس.
في نهاية العرض بالصالة المليئة عن آخرها، يقف المشاهدون مصفّقين بكل حفاوة لمغني التينور التركي ومغنية السوبرانو الفرنسية، ويوجهون لهما دعوات متكررة لكي يمثلا أمام الجمهور مرة أخرى.. ويستمر ذلك الحماس لدقائق عديدة..     
بطل هذه الليلة هو مغني التينور بولنت بَزْدوز الذي نشأ وترعرع في بلدة "أولوجالار" التابعة للعاصمة التركية أنقرة في ظروف وإمكانيات محدودة كأصغر فرد من أسرة مكونة من ثمانية أطفال، إلا أنه أصبح اليوم صاحب جائزة "غرامي" ثلاث مرات، وجائزة "جراموفون" مرة واحدة، فضلاً عن جوائز مرموقة أخرى في مجال الأوبرا. وهو يمثل هذا الموسم دور البطولة في "أوبرا لاترافياتا" التي أداها المخرج السينمائي الفرنسي المعروف "أوليفييه بي" بطريقة حديثة.  
مثّل بولنت بَزْدوز تركيا إلى اليوم كمغنّي تينور ناجح في معظم دور الأوبرا المرموقة بألمانيا وأمريكا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. بالإضافة إلى أنه يعزف على آلة الساز منذ طفولته، وقد غنى بطريقة جديدة الأغاني الشعبية للملحن والفنان التركي المعروف "نَشْأَتْ أرْتاش" برفقة الأوركسترا السيمفونية. 
أجرى موقع "أحوال تركية" حوارًا مع بَزْدوز حول مراحل حياته ورحلته الفنية، حيث نجح بعد أن تخرج في مدرسة الثانوية المهنية الصناعية / قسم الخراطة أن يكون صوت دور الأوبرا المرموقة على المستوى العالمي. 
أوبرا "لاترافياتا" من الأعمال التي أداها بَزْدوز مرات عديدة، ويتحدث لنا عن قصة عمله في السويد قائلاً:
"أعرف هذا العمل جيدًا وأتكيّف بسهولة مع المشرفين على المشروع الموسيقي. وقد شاركت بالسويد في خمسة أعمال أو مشاريع موسيقية مختلفة على مدى السنوات الخمس الماضية."
 ويوضح بولنت بَزْدوز أنه عندما تلقى عرضًا لتأدية "لاترافياتا" لأول مرة كان له برنامج آخر في نفس التاريخ في تركيا، "فلم أتمكن من قبول هذا العرض حينها". ولكن المفاجأة "قبل 10 أيام من انطلاق الأوبرا، بدا لهم أنه من الضروري أن يكون شخص أكثر خبرة إلى جانب المغنية باتريشيا بيتيبون، فاتصلوا بي، واقترحوا عليّ أن أؤدي قسمًا من الأعمال على الأقل إذا كانت المواعيد مناسبة لي. ثم تمكنتُ من المشاركة في البروفات قبل خمسة أيام فقط من العرض الأول، وقد كان تقدير المخرج وتحفيزه لي منذ اللحظة الأولى دافعًا قويًّا في تمثيل هذا العمل بشكل ناجح". ويضيف: "توليت أداء العروض الثمانية الأولى، بما في ذلك العرض الأول، أما العروض الأخرى التي سيتم تمثليها خلال العام الجاري فسيقوم بها زميلي الآخر من كوريا الجنوبية".
ويسرد بَزْدوز أسباب نجاحه في أوروبا قائلاً: "عندما يرتفع استخدام المعرفة والذكاء والمواهب إلى مستوى المعايير العالمية، فإنك تَلْقى القبول من الطرف الآخر بسهولة. من المهم أيضًا أن تكرّس نفسك لمهنتك وتكونَ محترفًا في التحكم بنبرة صوتك، ومتقنًا للّغة. ومع أنني انفتحت على العالم بلغة إنجليزية لم تكن على المستوى المنشود في البداية، لكنني اليوم أتحدث اللغة الإيطالية والإنجليزية، وكذلك الفرنسية بما يكفي لتدبير شؤوني. كما تعلمون أن العديد من أعمال الأوبرا الهامة هي باللغة الإيطالية. يمكنني الدخول بسهولة إلى جو وروح العمل لأنني متقنٌ للّغة. فالأصوات النافذة إلى أعماق القلوب في منطقة البحر الأبيض المتوسط والأناضول ليست غريبة عن الموسيقى الإيطالية." 
ويشير بَزْدوز إلى صعوبة السفر للفنانين بجواز سفر تركي، حيث يتحدث عن المعاملة السيئة التي تعرض لها حين ينتظر في الطابور للحصول على التأشيرة قائلاً: "تتلقى أحيانًا عرضًا من دولة أجنبية وتريد أن توافق عيله، إلا أنك تقضي ثلاثة أيام في الدور حتى تحصل على التأشيرة. فإذا كنت ستنوب عن فنان آخر، ويجب عليك أن تستعجل، فإن الفرصة تضيع في هذه الحالة. وقد حدث لي هذا كثيرًا. وقد تُصادف مشرفًا لا ينظر إليك بإيجابية بسبب جنسيتك. وإذا سألتم ’لماذا أستمر في هذا العمل في ظل هذه الظروف‘ فإني أقول بأن الجمهور يقبل عليك ويشجعك ويطلب ظهورك مهما كلّف ذلك لاسيما إذا كنت محترفًا في أداء الموسيقى والفن". 
كانت صحيفة "نيويورك صن" الأمريكية وضعت بَزْدوز قبل عدة سنوات ضمن قائمة عشرة مغني التينور المرشحين في المستقبل للجلوس على عرش مغني التينور الإيطالي الشهير عالميا "لوتشانو بافاروتي". 

واجه الفنان الاوبرالي العالمي بزدور العديد من التحديات لكي يصنع نجاحه
واجه الفنان الاوبرالي العالمي بزدور العديد من التحديات لكي يصنع نجاحه

ونشير هنا إلى أن جميع أفراد أسرة بَزْدوز نذروا أنفسهم للموسيقى؛ فزوجته "ريحان" معلمة موسيقى، كما تشرف على جوقة أطفال، وبنته "ساسيم" عازفة ناجحة تحصد جوائز من الآن في المسابقات الدولية، وهي الآن تحضّر الماجستير في كونسرفاتوار بروكسل الملكي، وتعتزم أن تكون عازفة كمان. أما ابنه "دوغاج" فيدرس في قسم البيانو في صوفيا. 
ويكشف لنا بَزْدوز خلال حوارنا معه كيف واجه عديدًا من الصعوبات قبل لمعان اسمه كفنان عالمي، وأنه منذ طفولته اشتغل في كثير من مجالات العمل، بما فيها الطلاء. ويقول عن تلك الأيام العصيبة: 
"الحياة تُخضع كل إنسان للعديد من الابتلاءات والامتحانات، ومن ثم ترفعه في نهاية المطاف إلى المستوى الذي يرنو إليه إذا نجح فيها. أسرتي كانت تعاني من ضيق اقتصادي، وكانت والدتي تتحمل الأعباء. ولا يكون بمقدور الإنسان أن يحقق نجاحًا باهرًا في مثل هذه الظروف. لذا كان مستواي في كل المواد المدرسية في الثانوية سيئا تقريبا ما عدى مادتي الموسيقى والتربية البدنية. وهذا دفعني إلى الدراسة في مدرسة الثانوية المهنية الصناعية بقسم الخراطة والتسوية، إلا أن هذه المهنة لم تكن مناسبة لطبيعتي وتطلعاتي. ثم سجلتْني والدتي في إحدى جمعيات الموسيقى الشعبية وأنا ابن 11 عامًا. ولما اكشفتُ حبي وقابليتي للموسيقى درست بعد الثانوية في قسم التربية الموسيقية بجامعة "غازي" في أنقرة. وهنا اكتشفوا جمال صوتي عندما كنت أغني الأغاني الشعبية."
إلا أنه لم يمضِ وقت طويل حتى أدرك بَزْدوز أن الأوبرا هي المجال الذي يريد ويحب أن يعمل فيه وإن لم يرغب بذلك في البداية. ومع أنه لم يبدِ نجاحًا باهرًا في إحدى المسابقات الموسيقية التي شارك فيها بعد انتهاء دراسته الجامعية، غير أن أداءه في المسابقة أثار انتباه الأعضاء البريطانيين في هيئة المقيّمين. ثم تلقى منهم عرضًا للمشاركة في إحدى المشاريع الموسيقية التي ستقام في بريطاينا. وهذا شكّل الخطوة الأولى في مسيرته الدولية الطويلة. ومن ثم توالت المشاريع الأخرى، بحيث صعد خشبة المسرح في 17 صالة مختلفة كانت معظمها في العاصمة لندن. كما أنه أدى حفلات في كل من الدنمارك وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وكندا والأرجنتين أيضًا، وحصل على جوائز دولية عديدة، منها جائزة "غرامي" ثلاث مرات وجائزة "جراموفون" مرة واحدة في مجال الأوبرا. وعندما نسأل بَزْدوز إذا ما كان حقق المستوى المطلوب في مسيرته الفنية يجيب بقوله: 
"هناك دائمًا مستوى أعلى. وأظن أنني قدمت أداءً ناجحًا في 90% من الأعمال التي توليتها في الظروف المتاحة. يمكن أن أعتبر نفسي محظوظا للغاية لأنني أعمل في المجال الذي أحبه. لكن مهما كانت بداية قصتنا في الحياة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، فإنني أعتقد أنه يمكن بناء مستقبل سعيد بالعمل والكدّ والإنتاج."

* سيبل أكين، كاتبة صحفية تركية

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.